رياض الصالح الحسين
. لكنَّهُ الموت يأتي
ولكنَّها الحرب تأتي بهيئتها الحشريَّة
تدخل من ثُقبِ بابٍ
ومِن ثُقبِ نافذةٍ
تتناسل في حانة – صُحف – كُتب
تتناسل في جثثِ العاشقات
ثمَّ تنده للقاتلين:
” استريحوا …… استريحوا “
وتُطعِمنا البؤس والطَّلقات.
٢
أنا هُنا يا أمِّي
أحتسي فلسطين صباحاً مع فنجان القهوة
وأطردُ عن جسدِها البعوضَ والأكاذيب
أذهبُ معها إلى المدرسة
ونقرأ معاً الصُّحفَ في المقهى
وحينما أكونُ حزيناً
تجلسُ بجانبي وتعدُني بأشجار البرتقال
ماما…
امسحي دموعَكِ بمنديل الجبل
ونظِّفي بارودة جدِّي بخرقة الأيَّام
فبعد فترةٍ سأعود إليك
وفي حقيبتي زجاجةُ عطر
وقليلٌ من الرصاص.
رياض الصالح الحسين
1980
٣
لدينا كل شيء
مليون رغيف لمليون جائع
مليون قبلة لمليون عاشق
مليون بيت لمليون متشرِّد
مليون كتاب لمليون تلميذ
مليون سرير لمليون متعب
لدينا كل شيء:
للصيف لدينا بحر
و للشتاء لدينا مدافئ
للقطارات محطَّات كثيرة
و للسوَّاح آثار
و آلات تصوير.
لدينا كل شيء
سوى أن أغلبنا لا يملكون النقود و الرصاص
لذلك من الأفضل ألاَّ نتفاءل كثيرًا.
٤
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻜﻮﻧﻴﻦَ ﺣﺰﻳﻨﺔً
ﻳﺤﺰﻥُ ﻣﻌﻚِ ﺍﻟﻨَّﻬﺮُ ﻭﺍﻟﺰَّﻭﺭﻕ
ﺃﺷﺠﺎﺭُ ﺍﻟﺼَّﻔﺼﺎﻑِ ﻭﺍﻟﺪﻭﺭﻱُّ ﺍﻟﺮَّﻣﺎﺩﻱ
ﺍﻟﺠﺒﻞُ ﻭﻣﺼﺒﺎﺡُ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ
ﺍﻟﺴَّﺘﺎﺋﺮُ ﻭﺿﻮﺀُ ﺍﻟﺸَّﻤﺲ
ﺍﻟﻘﻠﺐُ ﻓﻲ ﺍلصَّدر
ﻭﺍﻟﺴَّﻤﻚُ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﻬﺎﺭ
ﻭﺣﺘﻰ ﺫﺋﺎﺏُ ﺍﻟﺒﺮﺍﺭﻱ ﺍﻟﻤﺘﻮﺣِّﺸﺔ
ﺣﺘﻰ ﺍﻟﺬِّﺋﺎﺏ
ﺗﺪﻓﻦُ ﺭﺅﻭﺳَﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺮِّﻣﺎﻝ ﻭﺗﺒﻜﻲ.
٥
حذاؤكِ في الزَّاوية
ثوبُكِ فوق الكرسي
وفوق المنضدة دبابيس شَعركِ
خاتمكِ الذهبي
وحقيبتكِ السوداء
وأنتِ معي
عاريةٌ وخائفة
- ممَّ تخافين؟
من قنبلةٍ تسقطُ فوق زهرة!
من زهرةٍ تحت عجلات قطار!
عاريةٌ وترتجفين - ممَّ ترتجفين؟
من بركانٍ يتفجَّر!
من رغبةٍ تئنُّ!
عاريةٌ وتلتصقين بي
سأتركُ النَّافذة مفتوحة
انظري.. انظري
ها هي السَّماء الزَّرقاء
وها هي قطةٌ بيضاء ورماديَّة
تتنزَّهُ فوق حافة الجدار المُقابل للنافذة
وها نحنُ
نقتسمُ رغيفَ الحب
نأكلُ من صحنٍ واحد
بملعقةٍ واحدة
وكلّ ما نملكُه وما لا نملكُه
سنقتسمهُ أيضاً
تماماً
كرفيقين في رحلة طويلة.
رياض الصالح الحسين – 1954 / 1982
بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس
هو ليس مجرد شاعر سوري، هو شاعر كتب حياته القصيرة كلها كما لو كانت قصيدة واحدة.
ولد في 10 مارس 1954 في مدينة درعا، لكن اصله من قرية مارع في ريف حلب شمال سوريا. ابوه كان عسكري متطوع برتبة مساعد اول، يتنقل مع عائلته بين المدن.
في عمر 13 سنة، اصيب بمرض كلوي، اجريت له عملية في مستشفى المواساة بدمشق، العملية فشلت وافقدته السمع والنطق. لهذا لم يكمل دراسته، توقف في الصف السابع.
لم يستسلم. ثقف نفسه بنفسه. اضطر يشتغل مبكرا عامل في معمل نسيج في حلب، موظف في مؤسسة الاصدقاء الجامعية، صحفي، وكان يعاني البطالة طول حياته.
يقول عنه صديقه الشاعر منذر المصري: كان يخجل من اعاقته، يحجز تذكرتين في الباص حتى لا يجلس احد بجانبه ويلاحظ انه لا يسمع.
بدأ كتابة الشعر سنة 1974، وكان عمره 20 سنة. في البداية كتب قصيدة موزونة، ثم انقلب تماما وكتب قصيدة النثر.
سافر مرة الى بلغاريا للعلاج، وهناك تعرف على فتاة اسمها يانا، كانت حبه الاول. وبعدها انتقل من حلب الى دمشق سنة 1978 واستقر هناك.
رياض يعتبر من اوائل واهم رواد قصيدة النثر اليومية في سوريا والعالم العربي.
شعره ليس معقد. لغته بسيطة جدا، كلمات من الشارع، من المصنع، من الباص، من السجن، من الحب. لكنها بسيطة بطريقة موجعة.
هو لا يكتب عن بطولات كبيرة، يكتب عن:
- الخوف
- الحب كانه ثورة
- المدينة الرمادية
- الفقر
- الوحدة
- امرأة اسمها “س”
كان يقول عن نفسه: “انا الرجل السيئ، كان علي ان اموت صغيرا”
كتب كل شيء في 6 سنوات فقط، من 1976 حتى وفاته.
اصدر في حياته ثلاث مجموعات:
- خراب الدورة الدموية – 1979 – وزارة الثقافة دمشق
- اساطير يومية – 1980
- بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس – 1982 – قبل وفاته بخمسة اشهر فقط، وهو اشهر كتبه.
- وعل في الغابة – صدر بعد وفاته سنة 1983
صدرت اعماله الكاملة سنة 2012 بعد 30 سنة من موته.
مات مبكرا جدا، يوم 20 نوفمبر 1982 في دمشق، عمره 28 سنة فقط. هو نفسه كان يسمي عمره “28 برتقالة”.
السبب الرسمي قيل خطأ طبي في مستشفى المواساة، نفس المستشفى الذي افقده سمعه وهو طفل. وهناك رواية اخرى تقول انه دخل في اكتئاب شديد بعد قصة حب فاشلة مع فتاة عراقية، فاعتزل الاكل والشرب حتى مات.
دفن في قريته مارع.
رياض الصالح الحسين عاش صامتا ومات صامتا، لكنه ترك لنا اربع كتب صغيرة علمتنا كيف نهمس عندما نحب، وكيف نهمس عندما نخاف.
#شعر..شعراء#مجلة ايليت فوتو ارت.


