الهجوم على بيرل هاربر.. ورياح الكاميكازي المقدسة… صبيحة يوم الغضب صبيحة يوم الأحد، السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941، كان صفاء السماء فوق هاواي يخبئ بين طياته رياح الموت. الساعة السابعة وخمساً وخمسين دقيقة، كان الهدوء الصباحي في قاعدة بيرل هاربر البحرية يتمزق على وقع انفجارات متتالية. 353 طائرة يابانية، انطلقت من ست حاملات طائرات قطعت أكثر من 3000 ميل عبر المحيط الهادئ دون أن يتم رصدها، كانت تمطر “شارع البوارج” بوابل من النار والحديد .لقد كان مشهداً دموياً خلاباً في بشاعته: دخان أسود يتصاعد من سفن تغرق، وجثث تتناثر في المياه التي لطختها بقع الزيت والدماء. في تسعين دقيقة فقط، تغير وجه العالم.لماذا بيرل هاربر؟ حسابات الإمبراطورية الخاطئةلم تكن الضربة نزوة عسكرية، بل كانت تتويجاً لسنوات من التوتر المتراكم. فمنذ عام 1931، انغمست اليابان في سياسة توسعية همجية، تحتاج معها إلى موارد طبيعية لم تكن تملكها في جزرها الصغيرة. وعندما اجتاحت الصين عام 1937، ارتكبت فظائع هزت الضمير العالمي .كان رد الرئيس فرانكلين روزفلت عملياً: بدأ بفرض عقوبات اقتصادية، تدرجت حتى شملت في صيف 1941 حظراً شبه كامل على تصدير النفط والحديد والوقود إلى اليابان . وهنا كانت الكارثة. فبالنسبة للآلة الحربية اليابانية، كان النفط شريان الحياة الذي لا يمكن الاستغناء عنه. رأى القادة العسكريون في طوكيو الخناق يضيق حول رقبتهم، فقرروا أن الخيار الوحيد هو توجيه ضربة استباقية تسقط العم سام عن ظهر الحصان قبل أن يمتطي السرج.يقول الأدميرال إيسوروكو ياماموتو، مهندس الهجوم: “إن لم نهاجمهم الآن، فسيقفون في طريقنا حتماً”. كانت الخطة تهدف لشل الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ مؤقتاً، لمنح اليابان حرية الحركة لغزو الفلبين وماليزيا وجزر الهند الشرقية الهولندية الغنية بالنفط .الجحيم في تسعين دقيقة: التفاصيل العسكريةعندما انطلقت الموجة الأولى من الطوربيدات والقنابل، كان معظم البحارة الأمريكيين إما نياماً أو يؤدون طقوسهم الصباحية. المفاجأة كانت كاملة. استهدفت الطائرات اليابانية “شارع البوارج” حيث رست سفن الأسطول الأمريكي في صف واحد، وكأنها بط في بركة اصطياد.النتيجة كانت كارثة عسكرية بكل المقاييس:· السفن: 21 سفينة حربية أمريكية غرقت أو تضررت، من بينها 8 بوارج و3 طرادات و3 مدمرات .· البشر: 2403 قتيلاً من العسكريين والمدنيين، وأكثر من 1178 جريحاً. وكانت البارجة “يو إس إس أريزونا” مسرحاً لأكبر كارثة، إذ انفجر مخزن الذخيرة الأمامي فيها ليقتل 1177 من طاقمها في لحظة واحدة، ولا يزال الهيكل المعدني الصدئ حتى اليوم مقبرة جماعية تندفع منها قطرات الزيت كدموع متحجرة .· الطائرات: 188 طائرة أمريكية دمرت بالكامل .أما الجانب الياباني، فخسائره كانت زهيدة: 29 طائرة أسقطت، 5 غواصات قزمة غرقت، و64 قتيلاً فقط .لكن المفارقة العجيبة أن اليابانيين فشلوا في تدمير الأهداف الأكثر أهمية: أحواض السفن الجافة، ومنشآت تخزين النفط العملاقة، ومحطة الطاقة، ومقر القيادة. هذا الإهمال سيكون له أثره لاحقاً .”يوما سيبقى مخزيا”: الرد الأمريكيفي اليوم التالي، وقف روزفلت أمام الكونغرس بكلمته الخالدة: “الأمس، السابع من ديسمبر 1941، يوم سيبقى في العار إلى الأبد”. صوت واحد فقط في الكونغرس عارض إعلان الحرب على اليابان . وبعد ثلاثة أيام، أعلنت ألمانيا وإيطاليا الحرب على أمريكا، فدخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية بكامل ثقلها، متخلية عن عزلتها التاريخية.لكن هذه القصة لا تنتهي هنا. فبعد أربع سنوات، سيكتب الطيارون اليابانيون أنفسهم فصلاً آخر من الفصول المأساوية، تحت اسم مختلف: الكاميكازي.من الرياح الإلهية إلى القنابل البشريةأسطورة “الرياح المقدسة”كلمة “كاميكازي” (神風) تعني حرفياً “الرياح الإلهية”. المصطلح يستحضر ذكرى أسطورية في الذاكرة اليابانية: في القرن الثالث عشر، هددت جيوش المغول بقيادة كوبلاي خان بغزو اليابان مرتين. في المرتين، ضربت أعاصير عنيفة دمرت أساطيل المغول وأنقذت الجزر اليابانية. قال اليابانيون إنها “كاميكازي”، رياح أرسلتها الآلهة لتحمي أرض الشمس المشرقة .بحلول عام 1944، كانت الآلهة قد غادرت المعركة. تحول ميزان القوى في المحيط الهادئ لصالح الحلفاء، وتقهقرت اليابان من جزر سليمان إلى الفلبين. لم تعد الرياح الإلهية تهب، فقرر البشر أن يصنعوها بأنفسهم .من هو الأب الحقيقي للكاميكازي؟الأدبيات الغربية تنسب عادة فكرة الكاميكازي للأدميرال تاكيجيرو أونيشي، قائد الأسطول الجوي في الفلبين. لكن التاريخ يحفظ اسماً أقل شهرة: الكابتن موتوهارو أوكامورا. كان أوكامورا طياراً مخضرماً فقد أربعة أصابع في حادث تحطم طائرة اختبارية عام 1934، لكنه عاد ليصبح أحد أبرز المدربين العسكريين .في يونيو 1944، أي قبل أربعة أشهر من تقديم أونيشي الفكرة لقادته، كان أوكامورا يقود قاعدة تاتياما الجوية. عندما تفقد نائب الأدميرال شيغيرو فوكودومي القاعدة، انتهز أوكامورا الفرصة ليطرح رؤيته. الكلمات التي قالها تستحق التأمل:”في وضعنا الحالي، أعتقد بشدة أن السبيل الوحيد لقلب دفة الحرب لصالحنا هو اللجوء إلى هجمات الارتطام. لا يوجد طريق آخر. سيكون هناك متطوعون أكثر من كافٍ لإنقاذ البلاد، وأنا أرغب في قيادة هذه العمليات. أعطوني 300 طائرة وسأقلب موازين الحرب” .أطلق أوكامورا على المتطوعين اسم “سرب النحل”، معلقاً: “النحل يموت بعد أن يلدغ” .ولادة فرق الهجوم الخاصةبحلول أكتوبر/تشرين الأول 1944، كانت اليابان تخسر معركة الفلبين. في خليج ليتي، شُكلت أولى وحدات “توكوبيتسو كوجيكيتاي” (وحدات الهجوم الخاصة). كان الشعار: “موت شريف يضمنه اصطدام، مقابل حياة مخزية بالانسحاب” .الطيارون كانوا شباباً صغاراً، كثيرون منهم طلاب جامعات جندهم الموجة الوطنية. تدربوا بتدريبات قاسية، وكتبوا وصاياهم في قصائد. دُربوا على فكرة محو الخوف من الموت، وتلقوا تعليمات صارمة: عند لحظة الاصطدام، أبق عينيك مفتوحتين، واصرخ “هيساتسو” (قتل مؤكد) .لكن الصورة لم تكن بطولية دائماً. تشير بعض الشهادات إلى أن بعض الطيارين كانوا يُحملون إلى طائراتهم تحت تأثير المخدرات أو الساكي، وإذا عاد أحدهم تسع مرات دون أن يجد هدفاً، كان يُعدم رمياً بالرصاص .بين المطرقة والسندان: نتائج الكاميكازيبين أكتوبر 1944 وأغسطس 1945، نفذ نحو 4000 طيار كاميكازي مهامهم الانتحارية. واحد من كل سبعة فقط أصاب هدفه بنجاح، لكن هذا كان كافياً لإرهاب البحرية الأمريكية .غرق 47 سفينة حربية أمريكية وتضرر أكثر من 300 أخرى. في معركة أوكيناوا وحدها، كان مشهد “الأسراب” المرعبة وهي تنقض من كل اتجاه يجبر طاقم السفن على إطلاق النار حتى احمرت فوهات المدافع، واضطر البحارة لتبريدها بخراطيم المياه .يقول أحد البحارة على متن السفينة “يو إس إس ميامي”: “لقد جاءوا في أسراب من كل اتجاه. فوهات مدافع سفينتنا أصبحت ساخنة للغاية لدرجة أننا اضطررنا لاستخدام خراطيم المياه لتبريدها” …. دروس من الريح :بعد استسلام اليابان، عاد الكابتن أوكامورا إلى منزله. الرجل الذي أرسل مئات الشباب في مهمات الموت، أطلق النار على وجهه منتحراً، ربما كفارة عن الذنب، أو ربما لأن الرياح المقدسة هبت أخيراً لتأخذه معها .يبقى هجوم بيرل هاربر ورياح الكاميكازي وجهين لعملة واحدة: وجه الإمبراطورية في صعودها المتغطرس، ووجهها الآخر في انحدارها المأساوي. أربع سنوات فقط فصلت بين الانتصار المبهر في ديسمبر 1941 والانهيار المروع في أغسطس 1945. أربع سنوات جعلت من أسطورة “الرياح المقدسة” كابوساً بشرياً، ومن عبارة “اليوم الذي سيبقى في العار” بداية النهاية … ولكل زمان دولة ورجال بالأمس كانت روما واليوم العم سام … # المثقفون السوريون # مجلة ايليت فوتو ارت.


