البصرةُ زورقُ الشعرِ لكّلِ زمان
قراءة وتأويل لقصيدة( روح أعلى شجرة ) للشاعر عادل مردان
من القبر إلى الشجرة: جدلية الموت والارتقاء
رياض عبد الواحد
المقدمة:
تتأسس هذه القصيدة على شبكة من العلاقات المتداخلة بين الموسيقى والطبيعة والموت والروح والفن، بحيث يصعب التعامل مع أيٍّ منها بوصفه عنصراً منفرداً أو زخرفاً لغوياً. فالموسيقى في النص ليست خلفية جمالية للحوار، والطبيعة ليست مشهداً وصفياً، والموت ليس خاتمة مأساوية وإنما تتفاعل هذه العناصر جميعاً لتشكيل رؤية شعرية تبحث عن إمكان آخر للوجود بعد الفناء. من هنا تأتي أهمية القراءة التأويلية للنص، إذ إن القصيدة لا تمنح معناها دفعة واحدة بل تبنيه عبر انتقالات متوالية من السؤال إلى الجواب، ومن الصوت إلى الصمت، ومن الموسيقى إلى الموت، ومن الأرض إلى الهواء، حتى تنتهي إلى المفارقة الكبرى: (مدفونٌ / أعلى / شجرة).
وتتأسس القصيدة كذلك على حوارية تمنح النص حركة داخلية واضحة، إذ يتوزع الكلام بين (قائد الأوركسترا الحزين) وضيفه، ثم ينفتح الخطاب في النهاية على (الحجيج)، غير أن الحوار لا يؤدي وظيفة سردية محضة بيد انه يكشف انقساماً داخل الذات الشعرية نفسها، ذات تسأل عن الريشة والروح والموسيقى والمصير، وذات تجيب بإجابات تنقل الأشياء من مستواها المألوف إلى فضاء رمزي أكثر اتساعاً.
ولذلك فإن قراءة هذه القصيدة لا تكتفي بتتبع صورها واستعاراتها بل تتطلب الوقوف عند عنوانها أولاً لأنه يختصر في تركيبه اللغوي والبنائي جوهر التجربة التي ستكشف عنها القصيدة لاحقاً.
النصيص: (رُوحٌ أعلى شَجَرة) بين البناء اللغوي والدلالة:
يتكون النصيص من ثلاثة عناصر لغوية: (رُوحٌ)، و(أعلى)، و(شَجَرة). وهو تركيب شديد الاختزال غير انه يحمل توتراً دلالياً واضحاً؛ فـ(الروح) تنتمي إلى المجرد واللامحسوس بينما (الشجرة) تنتمي إلى المحسوس والطبيعي، أما (أعلى) فتقوم بوظيفة الوسيط الذي ينقل المجرد إلى مكان محسوس، ويمنح الشجرة بعداً مكانياً يتجاوز مجرد وجودها الطبيعي.
ومن الناحية النحوية، يأتي الاسم الأول (رُوحٌ) نكرة، وهذه النكرة تفتح مجالاً واسعاً للتأويل ، فلا يقول النصيص (الروح)، ولا يحدد صاحبها، وإنما يتركها في حالة من الإطلاق. ثم تأتي (أعلى) بوصفها ظرفاً مكانياً يحمل في الوقت نفسه قيمة اتجاهية، فالمعنى لا يتحدد بمكان فقط وإنما بحركة صاعدة. ثم تأتي (شجرة) نكرة أيضاً، فلا يتعلق الأمر بشجرة بعينها بقدر ما يتعلق بصورة كلية: شجرة يمكن أن تتحول إلى رمز.
أما من الناحية البنيوية، فإن النصيص يقوم على علاقة بين المجرد والمحسوس، وبين الثبات والحركة، وبين الأسفل الذي يتضمنه مفهوم الدفن والعلو الذي تشير إليه كلمة (أعلى). فالروح لا توصف بأنها داخل الشجرة بل بأنها (أعلى) منها، وهذا الاختيار اللغوي بالغ الأهمية لأن النصيص منذ البداية يؤسس لاتجاه عمودي: الروح لا تهبط إنما تصعد.
ومن الناحية الصوتية، تتجاور في النصيص أصوات الراء والحاء في (رُوح)، ثم الهمزة واللام في (أعلى)، ثم الشين والجيم والراء في (شجرة). ويحدث انتقال صوتي من انفتاح (رُوح) إلى امتداد (أعلى) ثم إلى انغلاق نسبي في (شجرة) بما يوازي الانتقال الدلالي من المجرد إلى المكان. كما أن تكرار صوت الراء في (رُوح) و(شجرة) يمنح النصيص رابطاً صوتياً خفياً بين طرفيه، بينما تأتي (أعلى) في الوسط لتكون فاصلة وصل بينهما.
والأهم أن النصيص لا يقول: (روح فوق شجرة)، بل يقول: (روح أعلى شجرة). والفارق دلالي لأن (فوق) تحدد موضعاً، أما (أعلى) فتتضمن معنى الارتفاع والتدرج والارتقاء. لذلك يبدو النصيص منذ البداية وكأنه يضعنا أمام روح في حالة صعود، لا أمام روح موجودة في مكان فحسب.
وهذا ما ستؤكده القصيدة لاحقاً حين تتكرر مفردات الارتفاع والهواء والشمس والفجر والسماء، حتى تصل إلى القبر الذي يفقد موقعه الأرضي المعتاد ويصبح:
(هناكَ قبرُهُ الهوائيّ)
فتصبح بنية النصيص أشبه بنواة دلالية تتكشف القصيدة كلها عنها تدريجياً.
من الريشة إلى الروح: الفن بوصفه امتداداً للذات:
تبدأ القصيدة بسؤال:
(أينَ ريشتُك؟)
(ريشتي نفسي)
وهو سؤال يبدو في ظاهره متعلقاً بأداة فنية لكنه سرعان ما يتحول إلى سؤال عن هوية الفنان. فالجواب لا يحدد مكان الريشة إنما يلغي المسافة بين الأداة وصاحبها. الريشة هي النفس.
ثم يأتي السؤال:
(ورُوحُك؟)
(نصلٌ لريشةِ نفسي)
فتدخل الروح في علاقة مع الكتابة والإبداع لكنها لا تأتي بوصفها زينة روحية للعمل الفني وإنما بوصفها نصلاً. والعبارة تحمل مفارقة لافتة: الريشة رقيقة، والنصل حاد، الكتابة تبدو في ظاهرها فعلاً جمالياً لكنها في العمق فعل كشف وقطع واختراق.
من هنا يمكن فهم شخصية (قائد الأوركسترا الحزين) بوصفها أكثر من شخصية حوارية، إنه يمثل وعياً يحاول تنظيم الفوضى لكنه يكتشف تدريجياً أن الموسيقى أوسع من سيطرته.
الطبيعة: من المشهد إلى الأوركسترا الكونية:
حين تصبحصحراء الزبير) قاعة للأوركسترا، تتحول الطبيعة إلى فضاء موسيقي:
(القبّرةُ على الكمان
الكركي على الجلو
الجلمودُ على النّاي)
إن الشاعر لا يصف الطبيعة بل يعيد توزيعها موسيقياً. الطيور والحجر والصحراء تدخل في بناء أوركسترالي واحد. وهنا تحدث عملية إزاحة للإنسان من مركز الفعل الفني، فالإنسان لا يصنع النغم إنما يكتشفه في الموجودات.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في:
(والأرضِ صاحبةِ النغم)
فالأرض تتحول من مادة إلى ذات، ومن موضوع إلى مصدر. وهذا يفسر حضور الطيور والحجارة والمياه والسماوات والفراشات، إذ تتشكل القصيدة على أساس تصور يرى العالم كله في حالة موسيقية كامنة.
لكن إدخالصحراء الزبير) يمنع هذا التصور من التحول إلى كونية مجردة، فالكون الموسيقي يخرج من مكان عراقي محدد، فتلتقي الكونية بالمحلية، وتصبح الصحراء الجنوبية فضاءً قابلاً لاستقبال الموسيقى الكونية.
الموسيقى في مواجهة الموت:
لا تبقى الموسيقى في منطقة الجمال، إذ ينكسر المشهد فجأة:
(ماذا سَتُسمعني اللّيلة؟)
(أغاني موتِ الأطفال)
وهنا تكشف القصيدة عن وجهها الأخلاقي والوجودي. فالفن لا يصبح وسيلة للهروب من الموت بل وسيلة لسماعه والتأمل فيه. ولهذا يأتي الأمر:
(تأمّلْ . . تأمّلْ . . موتَهم)
إن تكرار (تأمل) يبطئ الحركة ويجبر المتلقي على البقاء أمام المشهد المأساوي. وفي هذه اللحظة يصبح النغم محمّلاً بما هو خارج الموسيقى: ألم الإنسان.
ومن ثم فإن عبارة:
(صولةُ مزاهرَ على القبح)
تكتسب أهميتها ، فالموسيقى لا تلغي القبح إنما تصول عليه. الفن هنا مقاومة لا إنكار، وتحويل لا محو.
السخرية بوصفها آلية لكشف الزيف:
في مقابل هذا العمق يظهر (المنشد الأجوف) و(الوصولي) الذي (ناياته تخن). وهنا يدخل النص منطقة السخرية، فيكسر جلال الموسيقى بإضحاك المتلقي:
(فأطيحُ من الضّحك)
لكن السخرية لا تأتي خارج البنية إنما تؤدي وظيفة نقدية؛د، فهي تميز بين الفن بوصفه تجربة وجودية، والفن حين يتحول إلى وسيلة للوصول والظهور. ولذلك فإن (الوصولي) يمثل النقيض الجمالي والأخلاقي للروح التي تبحث عنها القصيدة.
من الموسيقى إلى الكينونة:
يبدأ النص -بعد ذلك- بالصعود من الموسيقى إلى الضوء:
«
(القلبُ يصيرُ فؤادَ النّور)
ثم:
(الفجرُ نوطةُ الله)
ثم:
(صباحُ الكينونةِ عندك)
وهنا تبلغ القصيدة أكثر لحظاتها تجريداً. فالموسيقى لم تعد فعلاً بشرياً بل تصبح لغة للكون. والفجر يتحول إلى (نوطة)، أي إلى علامة موسيقية في كتابة كونية أكبر.
واللافت أن القصيدة تنتقل من القلب إلى النور، ومن الفجر إلى الكينونة ، أي إنها تتحرك من الجسد والوجدان إلى الوجود. وهذا المسار هو الذي يهيئ للتحول النهائي في مفهوم الموت.
القبر الهوائي وانقلاب دلالة الموت:
يظهر في القسم الأخير قاموس جديد: الهوائيات، التحليق، الهواء، الشمس، الشموع، القبر. وتبدو الأسئلة وكأنها تحاول تحديد مكان الميت:
(أيكونُ قبرُكَ في الهواء؟
وتعتاشُ على أشعةِ الشّمس؟)
وهذه الأسئلة ليست غرائبية مجانية، لأن القصيدة كانت قد بنت قبلها شبكة كاملة من الضوء والارتفاع والموسيقى. ولذلك يصبح القبر الهوائي نتيجة منطقية لمسار النص.
ثم تأتي الخاتمة:
(أخوتي الحجيج خابَ سعيُكم
شاعرُ الفنارات
مدفونٌ
أعلى
شجرة)
إنها خاتمة تقوم على المفارقة: الحجيج ذهبوا إلى المقبرة بحثاً عن الشاعر لكنهم أخطأوا لأنهم بحثوا عنه في الأرض بينما القصيدة وضعته في الأعلى.
والفعل (مدفون) نفسه يدخل في تناقض مع (أعلى) ، فالمعتاد أن يكون المدفون في الأسفل لكن النص يضعه في الأعلى. ومن هذا التناقض تتولد الفكرة المركزية: الموت لا يهبط بالروح وإنما قد يكون سبباً في صعودها إلى مستوى آخر من الحضور.
أما (الشجرة) فتجمع في رمزها بين الأرض والسماء ، جذورها في الأسفل وفروعها في الأعلى. ولذلك فهي المكان الأكثر ملاءمة لروح تريد القصيدة أن تجعلها معلقة بين العالمين. إنها ليست قبراً فقط، ولا سماء فقط وإنما وسيط بين الأرض والعلو.
الخاتمة:
تتكشف قصيدة (رُوحٌ أعلى شَجَرة)، في ضوء القراءة التأويلية، بوصفها نصاً يعيد بناء علاقة الإنسان بالفن والموت والطبيعة. فالموسيقى تبدأ من الريشة والنفس، ثم تتسع لتشمل الطيور والحجر والصحراء والأرض، قبل أن تتحول إلى لغة للضوء والفجر والكينونة. وفي المقابل، لا يظهر الموت بوصفه نهاية مغلقة بل بوصفه عتبة لتحول آخر، إذ ينتقل الميت من القبر الأرضي إلى (القبر الهوائي) ، ومن ثقل الجسد إلى خفة الروح.
ومن هنا تتكامل دلالة النصيص مع بنية القصيدة كلها. (رُوحٌ) هي مركز التجربة، و(أعلى).هي حركة النص الأساسية، و(شجرة). هي الصورة التي تجمع الأرض بالسماء. ولذلك فإن النصيص لا يصف نهاية القصيدة لكنه يختصر قانونها الداخلي: كلما اقتربت القصيدة من الموت، اتجهت إلى الأعلى.
وإذا كان الحجيج في النهاية قد (خاب سعيهم)، فلأنهم بحثوا عن الشاعر في المكان الذي يليق بالجسد، بينما كانت القصيدة تبحث عنه في المكان الذي يليق بالشعر. ولهذا لا يكون (مدفون) الكلمة الأخيرة، فبعدها تأتي (أعلى)، ثم تأتي (شجرة) لتتحول النهاية من دفن إلى ارتقاء، ومن غياب إلى حضور رمزي متجدد.
إن عادل مردان لا يواجه الموت بإنكاره إنما بإعادة تخييل مكانه ولذلك يصبح الشاعر الميت أعلى الشجرة حيث لا يعود القبر خاتمة للوجود بل يتحول إلى صورة شعرية أخرى للحياة.
النص الاصلي
رُوحٌ أعلى شَجرة
• عادل مردان
أينَ ريشتُك؟
- ريشتي نفسي
ورُوحُك؟ - نصلٌ لريشةِ نفسي
هكذا يسألُ قائدُ الأوركسترا الحزين
ضيفَهُ المُولعَ بالتَّموسقات
لمَنْ كلُّ هذي التّصانيف؟
-للطّبيعةِ . . الأحجار . . الطُّيور
الفراشات . . المياه . . السّماوات
والأرضِ صاحبةِ النغم
أين عصا السّيطرةِ على اللّحن؟ - يدي بأصابعِها الخمس تكفي
كيفَ توزّعُ الأوركسترا؟ - القاعةُ صحراءُ الزّبير
القبّرةُ على الكمان
الكركي على الجلو
الجلمودُ على النّاي
ماذا سَتُسمعني اللّيلة؟ - (أغاني موتِ الأطفال)
تأمّلْ . . تأمّلْ . . موتَهم
وأخذني السُّكر
قنينةُ جِنّ و(الهامر كلافير) تُدغدغُ السَّمع
أيدبُّ إليّكَ المُنشدُ الأجوف؟
أين هو مِن الألقِ الفاكنريّ؟ - الوصوليُّ ناياتُهُ تَخنّ
فأطيحُ من الضّحك
والقلبُ يامُرشدي المُوسيقيّ؟ - القلبُ يصيرُ فؤادَ النّور
تخدّرُهُ روعةُ الكمانات
يا أخا الموسيقى
هكذا أدوّنُ :
صولةُ مزاهرَ على القبح - ها قد تسرنمَ العقل
فؤادُكَ صارَ جنّةً
الغسقُ أم الشّفق؟ - الفجرُ نوطةُ الله
والصّبحُ؟ - صباحُ الكينونةِ عندك
أما يَغتالُني فرحٌ؟ - لا تفرحْ ، نحنُ في البدء
ستحلّقُ بكَ (الهوائياتُ) عالياً
أيكونُ قبرُكَ في الهواء؟
وتعتاشُ على أشعةِ الشّمس؟
أيّها الحجيجُ
أحَملتُم شموعاً له؟
هناكَ قبرُهُ الهوائيّ
لا تذكروا الطّعنات
فهو يُحبُّ الحياةَ البسيطة
فالأبهى يومُ مولدِه - هل ذهبتُم إلى المقبرة؟
أخوتي الحجيج خابَ سعيُكم
شاعرُ الفنارات
مدفونٌ
أعلى
شجرة
#فن ادب فكر#مجلة ايليت فوتو ارت.
