رواية «ساعة بغداد»، الزمن هو الحاضر، والمكان قد يتأخر عن الحضور لكنه محمول في الذات.- مشاركة: عبدالحفيظ بن جلولي.

«ساعة بغداد» … تخوم الحلم وبلاغة الحنين
 
عبدالحفيظ بن جلولي

تضع بعض الروايات القارئ على مفترق طرق بين اللغة والذاكرة والحدث، ثم تتركه لتفكيره في ما يقترحه من علاقة انبثقت من خلال تعمق الرواية، ورواية «ساعة بغداد» لشهد الراوي، جعلتني على تماس مباشر مع العراق، وأعادتني إلى اللهجة العراقية على ألسنة أساتذة عبروا مدينتي الجنوبية وغادروا المكان ولم يغادروا الذاكرة.
«ساعة بغداد» مفتاح الذاكرة:
«ساعة بغداد»، الزمن هو الحاضر، والمكان قد يتأخر عن الحضور لكنه محمول في الذات، الزمن نشعره والمكان نتغيى حلمه. «ساعة بغداد» هي مفتاح الذاكرة التي عادت سردا لفتح ملفات العلاقة، التي تؤجل النسيان عبر استحضار الغياب، وفق أحد المعاني الواردة في الرواية، ليس هذا وحسب، بل مسارات الحدث الملتهبة بالفقد، والمشحونة بالاستعادات الممكنة والمستحيلة، تترجم ذلك عبر تصوير البيوت التي غادرها أصحابها مهاجرين، وكيف أصبحت بعد المغادرة. يستحضر الباقي على قيد المكان في ديمومة رومانسية، غياب من هجروا كآلية لمغالبة النسيان، وهنا يتوزع الفقد المأساوي للمكان على الذوات التي تنبثق أخاييلها عبر خطاب الرواية، يقفز فجأة وجه «زها حديد» وهي تفتخر بأن تراث بغداد كان حاضرا في كل تصاميمها الهندسية، الما بعد حداثية، ولا ترى الحداثة في المطابقة بل في الاختلاف، ذلك الذي يجعل بغداد ذاكرة محايثة لأي هندسة في أي مكان حلت به زها. ثم تلوح من أحد تفاصيل الحكاية مها الألوسي بمفهومها للوقت «إهداء الوقت»، حيث تتجه إلى كل المبدعين العراقيين «الذين يدمجون خلفيتهم البغدادية العريقة برؤية مستقبلية تقنية»، وتلك هي إحدى الرؤى المؤولة في جملة العنوان «ساعة بغداد»، فهي تمثل راهن المدينة المتجدد عبر العقلانية العراقية، لأن الساعة زمن والزمن حركة يمكن أن تنتهي، وهو ما يحمل إمكانية النهاية في قولنا «حانت ساعته»، أي أشرف على الممات، وهذا احتمال يمكن تجاوزه، لأن الرواية تحيل على وجود مادي للساعة، ومنها يُستشف الماضي، حيث يُستصعب استعادة ما حدث، ولكن الزمن ينحو صوب المستقبل المتجدد أيضا، رغم ما يعانيه الحاضر من تشوهات. هي هذه العلاقة التي نرومها من القراءة، حيث الإحساس بالأشياء وما تقترحه علينا الأحداث، وتشعرنا كقراء بجزء من أحابيلها، وأحداث «ساعة بغداد» قُدمت على لسان «الراوي العليم»، لأنه عنصر مهم في الحدث ومن ضمن النسيج الذي يشكل لحمته. تُحاور الراوية بضمير المتكلم مع أسماء تحيطها، راوية تتشظى في أنا متعددة لتقول حكايتها بكل مفردات الحياة الروائية المتعبة بتفاصيل الواقع المتخيل.
تستعيد شهد الأحداث في سهولة ويسر، وكأن التفاصيل كانت مهيأة لكي تنسكب حكاية، فهي تنتقل بين الأحداث راويةً أجزاءها في لغة مستساغة تكشف الحدث وبعض تجلياته المفعمة برؤية تتساوق والطبيعة الحدثية للرواية.
الإزاحة واحتكاك الماضي والحاضر:
أعادت شهد الراوي القارئ إلى لذة الحكاية في التراث العربي، لكن من مستوى حداثي مشتبك مع الاختلاف والتفكيك، فالحكاية التراثية تتقدم بوصفها معيارا للغة، بينما تقدم شهد الراوي الحكاية باعتبارها مفردات الذاكرة، التي لا تكتفي بحضورها المعنوي، بل تسجل حركتها وفق تدفقٍ سلسٍ ينتقل من مستوى إلى آخر، في بساطة وأريحية لا تخلوان من ألم ينبثق من خلال تلك الكلمة، ذلك المعنى، أو ذلك المشهد المأساوي الذي تمزج فيه الفرح بالحزن في تشكيل لوني، كما لو أن الروائية تستعيد الأشياء في حضورها الميتافيزيقي، الذي يؤكد حدوث الحدث مجددا في حينه وفي مكانه، كما الحكاية المتضمنة لعمو شوكت وزوجته باجي نادرة، وانتقالها بين مستويين مختلفين، واقعي وسريالي، بحيث تتحول علاقتهما كزوجين سعيدين بعد غياب الزوجة إلى نسيج لوني تحتضنه صورة على جدار، رسم بمثابة الاستعادة للسعادة الإنسانية بعد اندثار موضوعها الواقعي (الإنسان).
تستعيد شهد الأحداث في سهولة ويسر، وكأن التفاصيل كانت مهيأة لكي تنسكب حكاية، فهي تنتقل بين الأحداث راويةً أجزاءها في لغة مستساغة تكشف الحدث وبعض تجلياته المفعمة برؤية تتساوق والطبيعة الحدثية للرواية. فورة الذكريات وشدة الحنين ولوعة الفراق، كانت عوامل حاسمة في التدفق الحكائي الغالب، فهي لا تلبث أن تجلب انتباه القارئ على الدوام لما تقترحه، توجه إليه الحديث وهو خارج السياق الحدثي، وهذا ما يميز الحكواتي أو «القوال»، كما نطلق عليه في منطقتنا المغاربية، وهذا ما يمكن أن يحتمل رغبة الروائية في تصديق القارئ لروايتها المتعلقة بالفقد، فقد الوطن بالهجرة، أو فقده (الوطن) لذاكرته إلى درجة أن الرواية تكثف هذا الفقد في مشهدية أليمة باحتكاك الماضي والحاضر وعلاقة الإزاحة بينهما: «أحدهم رسم صورة كبيرة للرئيس ومعها صورة أكبر لهارون الرشيد، قلت للمعلمة: هارون الرشيد جدي، قالت المعلمة: أعرف ذلك، إنه يشبهك، وضحكت من كل قلبها». هل ضحكت المعلمة من سذاجة الطفلة أم من الواقع المرير الذي تعكسه عفوية الطفولة. فالطفلة عزت الاسم التاريخي للجد، بمعنى حضور الذاكرة اللافاعلة، فالشيخوخة ضعف، ومهما كبرت صورة هارون الرشيد (الذاكرة) فإن مفاعيل الراهن المحكوم بقبضة اليد الحديدية (صورة الرئيس الصغيرة) هي التي توجه الأحداث. تدرك المعلمة وهي العقل العارف أن التاريخ تحكمه عقلانية فواعله، فهو منتج العقل العراقي، لذلك أكدت على أن وجه الطفلة، وهو الحضور المتجدد للفعالية الراهنة، يشبه الحضور العقلاني للفاعل التاريخي.
الحلم جسر الحنين:
تقف الروائية على عنصر الحلم لتجعله مدخلا للرواية، ثم تتكئ عليه ليكون الجسر بين الطفولة والراوية التي تكتب بغداد على صفحة من حنين: «أريد ألا أكون موجودة في هذا العالم»، تستعيد الراوية هذه اللحظة من الطفولة في حديث مع أمها داخل ملجأ في تسعينيات القرن الماضي، بغداد التي لا يمكن أن تكون بحجم الملجأ، حين تنعدم الذات وتتحول إلى خيال على الجدار، فإذا لم يتحقق الوجود في بغداد فلا معنى للعالم، الملجأ هو المهجر أيضا. خلال هذه الأحاسيس تطرح الراوية سؤال حقيقة الذات: «هل أنا في الحقيقة ظل نفسي؟»، إحالة إلى كهف أفلاطون والظلال التي تُعتقد حقيقة، والتي هي مجرد أوهام، تساؤل الراوية يمثل القاعدة التي تشترط الوجود في المكان/الهوية لثبات حقيقة الذات. «خارج المكان» بتعبير إدوارد سعيد، ينعدم أثر الذات في الواقع، لكن الحقيقة القائمة هي وجوب تعرف الإنسان على ذاته، ولا يتحقق ذلك سوى بآخر، مرآة يتعرف من خلالها على ذاته، والابتعاد عن المكان يكشف جوهر المكان الذي يتأسس سلطة يشعرها الإنسان حنينا.
رتبت الرواية هجرة العائلات من غير خطة سردية، حدث كل شيء في حزم الأمتعة والمغادرة، لكن الراوية باعتبارها مركز الحدث نسجت مخيالا لحركة سردية سريالية، لكنها تعكس عمق الحقيقة الفلسفية، التي تؤكد أسئلة الذات في علاقتها بالمكان: «وساعة بغداد كانت تشبه المرساة الملقاة على رصيف الميناء»، بغداد ثابتة في الزمن، تتغير الذوات وتعبر زمن بغداد لتؤكد ديمومة المكان في الزمن المتغير، ثبات المكان في الزمن لا يعني أنه مكرس في علاقته مع الإنسان، تحتاج هذه العلاقة إلى ما يكشفها، إنه الابتعاد الذي يفك التماهي مع الشيء لتنبثق الحقائق الخفية، وكذلك كان الموقف مع الراوية في السفينة المتخيلة والسائق الوهم: «أنا سائق السفينة التي لا تتحرك، مهمتي الوحيدة هي أن أجعلها لا تتحرك»، عدم الحركة هو ثبات في الزمن، تاريخ بغداد العريق، «لا تتحرك» أي لا تفقد هويتها في ظل التحولات التي تجري حولها، لكن هذا لا يعني ثبات العلاقة الوجدانية بينها وبين أهلها، على تلك الذوات أن تتحرك كي تقف على الثبات المحدد بالحنين: «لكنكِ ولدتِ عليها وإذا أحببتِ أن تسافري يجب أن تنزلي منها»، قدر العراقي أن يسافر، يهاجر، يُنفى، حنين بلند الحيدري إلى بغداد، وحنين سعدي يوسف إلى حمدان، لا بد من النزول من على السفينة لاكتشاف العلاقة مع المكان.
بغداد الحلم ومقام الديمومة:
تتأسس هذه الرواية على الحلم، الخيال الذي ينفي الكذب في العلاقة ببغداد: «أنا لا أكذب، سأقول لكم ما أراه أو ما أتخيله»، تمتلك الراوية إمكانية التسرب إلى أحلام صديقتها نادية، ما معنى ذلك؟ «ساعة بغداد» تحقق الزمن بمفاهيم متعددة، منها الرغبة في استعادة الماضي، وإلا ما المغزى من انفتاح الراوية على الحكي من خلال نافذة الطفولة، الطفولة ذاتها حلم لأنها تمسك بالأشياء من خلال لا معنى العلاقة، خارج المنفعة، وتدركها في أبعادها غير القابلة للإدراك، للطفولة منطقها الخاص، وبالتالي، يكون الحلم أحد أهم ركائز التعبير عن الحقائق الجوهرية للوجود، وحينما يتحول المكان إلى حلم، حينها يكون قد عانق الأبدية في كينونته المتحققة حنينا، في جوانح من تربطهم علاقة به، هل نستطيع أن نفسر الحلم/الحنين، من خلال اللغة، أن نقوله في أبعاده الحقيقية؟ يعجز لسان الحال عن ذلك، ولهذا ربما تأسست الرواية في أبعاد حكائية سريالية، استثنت الساعة الجدارية أثناء تنظيف حلم نادية وتركتها به، أحالت طبيعة الزمن إلى الحلم، إلى اللامدرك في التعريف: «فنحن عندما نعرف الأشياء، تفقد هذه الأشياء حجمها وتصير صغيرة»، بتعبير الرواية.
يأخذ الجدار صفة الشخصية في الرواية، حينما تظهر عليه صفات الفاعل السردي، لعلنا عبر الموسيقى العراقية نعرف أنها تُعزف في مقام الحزن الذي سيتعدى الإنسان إلى الأشياء: «ففي إمكانك أن تعرف أنهم لن يعودوا، فقط من منظر الأشياء وكآبة الجدران»
تنويعات على سوناتا الجدار:
يتكرر ذكر الجدار في الرواية، تربطه أولا بالجد: «صورة جدي المعلقة على الجدار لكي تحرسنا من اللصوص». الجدار هو المنعة وهو العازل وهو العلو أيضا، والجد يمثل الذاكرة، وقد يتحدان، الجد والجدار في القدامة، فـ»بعد سنوات من الآن، سنمر أنا ونادية بهذا المكان، إلى جانب هذا الجدار..»، فالجدار ثابت يتعلق بالزمن والمكان المكرس في التاريخ، والعبور يعني تحول الذات خلال الزمن لكن في ثبوت المكان، بغداد تتحدث وتتحرك في تكتكة الساعة، لا بد من هذا الصوت كي تستمر المدينة في التناغم مع نبض القلب، وبذلك تحيا وتتعرف في وجودية المرتبطين بها حنينا أبديا، كما يترجم ذلك الجواهري: «يا دجلة الخير يا نبعا أفارقه/ على الكراهة بين الحين والحين»، هذه الكراهة تسترقها الرواية من اللغة على حين غفلة من المعنى، إذ تتذكر: «رسمت على جدار بيت عمو شوكت قاربا صغيرا ونسيت أن أرسم له شراعا»، يبدو أن المعنى في الخطاب ينزع نحو اكتمال الصورة في اللاوعي بلا شراع، لتأكيد «الكراهة»، التي ترغم الذات على الفراق، ولكن للضرورة الفنية تنتبه الراوية إلى اعتماد فكرة «النسيان» لترسم حدود الحنين في الفراغ عندما تنكسر أشرعة العودة إلى المكان، والشراع هنا هو المقابل الموضوعي للأطلال، التي كان يقف عليها الشاعر العربي واقعا ليؤكد صلته بالمكان، وتتأكد (الصلة) رواية في صور اللاوعي الذي يحتفظ بالعودة ولو المؤجلة.
يأخذ الجدار صفة الشخصية في الرواية، حينما تظهر عليه صفات الفاعل السردي، لعلنا عبر الموسيقى العراقية نعرف أنها تُعزف في مقام الحزن الذي سيتعدى الإنسان إلى الأشياء: «ففي إمكانك أن تعرف أنهم لن يعودوا، فقط من منظر الأشياء وكآبة الجدران»، تمتد الراوية في وجدان الأشياء حين تتأنسن هذه الأخيرة، فشعورها بكآبة الجدران حدثَ من خلال ثقل الفقد، مغادرة المكان، الذي تنسج له الراوية علاقة تربطه بالإنسان، حيث تفترق المسارات ويبقى الجدار شاهدا على المغادرة منتظرا العودة، ولهذا تؤكد عبر مستوى سردي متقارب في الغرائبية حلول «المحلة» في أعماقها بعد أن تغادر، فالانتقال «خارج المكان» قدر العراقي، إذ يخبر المشعوذ أمها: «إن ابنتك ستحمل معها المحلة أينما ذهبت وتحميها من النسيان»، إن المكان هو ما يتبقى، هو الحلم الذي افتُتحت به الرواية، ولعبت به سرديا في مستويات ذات محمولات غرائبية، لأن «ساعة بغداد» محمولة على جدار، ليتوطد الثبوت الزمني في حضور المكان، والثبوت المكاني في التاريخ، وما تحمله معها الراوية هي الجدران، فالمكان لا يتحدد إلا بها، ولهذا نستطيع أن نستلهم شكله ومركز وجوده، كما يحددنا الجسد، فهل الإنسان هو الشكل؟ وهل البيت هو الجدران؟ إنه خلاف ذلك، إنه الألفة، أو «البيت الأليف» كما يسميه غاستون باشلار في كتابه شعرية المكان: «إنه الركن الذي يوفر للإنسان الطمأنينة ويحمي قدرته على الحلم»، ولهذا كان عدم النسيان تَرائيا غيبيا كي يستطيع حمل المعنى في الحضور الدائم للمكان، وحضور الراوية فيه، ولهذا تنتظم نهاية الرواية في توهجات البداية، الحلم والغيب: «ماذا لو عرفنا ما يخبئه الغيب لنا؟ ما الذي سيتغير فينا ما دمنا نمشي إليه من دون أن ندري؟» .
كاتب جزائري

======***********======
– المصادر:
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم