رواية الفحلة للكاتبة نهاد بلقاطي تجربة سردية فريدة تُعيد إلى الأدب الجزائري روحَه الأنثوية.

قراءة نقدية لرواية ( الفحلة) للكاتبة نهاد بلقاطي..تمثل رواية الفحلة للكاتبة نهاد بلقاطي تجربة سردية فريدة تُعيد إلى الأدب الجزائري روحَه الأنثوية القادرة على حمل الذاكرة والهوية والوجدان في عمل واحد. لا تكتفي الرواية بأن تحكي قصة امرأة مُعاصرة تبحث عن ذاتها وسط ضجيج المجتمع وضغوط الواقع، بل تحوّل هذا البحث إلى رحلة رمزية تحفر في عمق التاريخ الجزائري وتكشف جذور القوة النسوية المُمتدة من زمن لالة فاطمة نسومر، إلى زمن جميلة بوحيرد وصولًا إلى المرأة الجزائرية اليوم التي تترنّح بين الوعي والزّيف، بين الأصالة والموضة وبين انكسار الروح وقوتها الخفية.تنطلق الرواية من حالة انكسار داخلي تعيشها البطلة حيث تُهيمن عليها الخيبات والتعليقات السلبية والتنمّر الذي يُضعف ثقتها بنفسها، فتصير امرأة خائفة، تائهة تُحاول النجاة في عالمٍ يقيس قيمة المرأة بثيابها وبماركات هاتفها وبعدد متابعيها. هذا الوعي الجريح لا يُقدَّم كضعف بل كحالة إنسانية حقيقية تعيشها الكثيرات، لذلك تبدو البطلة منذ البداية مرآة لآلاف النساء اللواتي طُمس صوتهن تحت ضجيج المجتمع.غير أنّ الرواية لا تُقدّم هذا الانكسار كقدر محتوم، بل كعتبة أولى في مسار التحوّل، فمع ظهور “خيط الروح” تبدأ مرحلة جديدة من السرد حيث تخرج البطلة من عالمها المحدود لتدخل في عوالم رمزية وأسطورية وتاريخية، كلّ عالم منها يُمثل طبقة من طبقات الذات. فتظهر الأحجار الخمسة كرموز للمعرفة الداخلية، كلّ واحد منها بوابة لعالم يختبر جانبًا من شخصيتها ويكشف شيئًا أعمق عن حقيقتها. هذا البناء الرمزي يُكسّر النّمط التقليدي للرواية الواقعية ويُحوّل السّرد إلى رحلة كشف ومعرفة في معنى الأنوثة والقوّة.اللّقاء الأوّل مع جميلة بوحيرد يأتي كصدمة جمالية وروحيّة في آن واحد. فالبطلة المجاهد والمناضلة الشُّجاعة “جميلة بوحيرد” هنا ليست شخصية تاريخية يتم استحضارها تعليمياً فقط بل تجسيدًا حقيقيًا للقوة التي قاومت العدوّ والجسد والألم من خلال نظرتها، خطواتها، نبرة صوتها فكلها ترمز لامرأة صنعت مجدها رغم القيود، ومن خلال هذه الشخصية تستعيد الرواية معنى المقاومة النسوية التي لم تكن يومًا صراخًا أو ادعاءً، بل كانت دائمًا فعلًا وصبرًا وصمودًا.فكلمات جميلة للبطلة لا تعطيها دروسًا عامة، بل تهزّ بنيتها الداخلية وتجعلها تفهم أنّ القوّة ليست غياب الخوف بل القدرة على مواجهته.وفي مكان آخر من الرواية استحضرت الكاتبة نهار بلقاطي “لالة فاطمة نسومر” الأيقونة الثورية الكبيرة في تاريخ الجزائر التي قادت الرجال والنساء ووقفت في وجه الجنرال راندون بقلب ثابت وروح لا تنحني. حضور لالة فاطمة في الرواية هنا ليس مجرد حضور تاريخي، بل امتدادٌ لقوة نساء الجبال، نساء الريح، نساء الأرض اللواتي حفظن شرف الوطن حين كان مهددًا بالمحو، فهذه الشخصية تمنح البطلة بُعدًا آخر من القوة: فجميلة بوحيرد ترمز للقوة الحديثة، أما لالة فاطمة نسومر فترمز لقوة الجذور، قوة الأرض التي تُنبت الشّجاعة في العروق كما تُنبت الحنطة.وبهذا تصنع الكاتبة المبدعة سُلّمًا من القوة النسائية يبدأ من المرأة المعاصرة التائهة، يمرّ عبر رموز المقاومة مثل جميلة بوحيرد، ويعود إلى عمق التاريخ مع لالة فاطمة ليصل إلى النتيجة الأهم وهي أنّ القوة ليست صفة جديدة على المرأة الجزائرية، بل ميراث طويل تناقلته النساء عبر خيط الروح تمامًا كما يفعل الرمز المركزي في الرواية.اختارت بلقاطي أن تجعل اللغة نفسها مرآة لهذا التنقل بين العوالم فلغتها شاعرية لكنها بسيطة، عميقة من دون تعقيد، قريبة من القارئ من دون ابتذال،الجمل المشحونة بالعاطفة تسير جنبًا إلى جنب مع الحكم المضيئة التي تتفجّر من أفواه الشخصيات خصوصًا من الشخصيات التاريخية أو الحكيمة،فهناك توازن بين السّرد الوصفي والحوار وكذا توظيف للصور البلاغية التي تجعل النصّ ينفتح على قراءات فلسفية ونفسية متعدّدة.في المقاطع التي تصف الصحراء، تتجلّى قُدرة الكاتبة على خلق فضاء رمزي يبتعد تمامًا عن الواقع لكنه لا ينفصل عنه في العمق.فالصحراء هنا ليست مكانًا فقط، بل اختبارٌ روحي، هي مساحة تُعرّي الإنسان من كلّ زخارفه، من كل ما يلبسه لتغطية ضعفه. إنها امتحان الذات في مواجهة الفراغ والرعب والعطش، وعندما تظهر المرأة الصحراوية التي هي نفسها صاحبة “خيط الروح” يتجسّد المعنى النهائي للرواية: القوة ليست صراخًا أو مظهرًا خارجيًا، بل قدرة على فهم الذات وترويضها.ومن أجمل عناصر الرواية نقدها الاجتماعي العميق للأوهام الاستهلاكية التي ابتلعت صورة المرأة حيث تقول الرواية إن المظاهر اليوم أصبحت قيدًا جديدًا يستعبد النساء وإن الموضة صارت سلطة أشد بطشًا من سلطة المجتمع التقليدي،وهنا تطرح بلقاطي سؤالًا مُهمّا : كيف لامرأة تبحث عن رضا الآخرين أن تعرف من هي؟ وكيف تبني ذاتًا صلبة إذا كانت أساساتها خاضعة لنظرة عابرة على مواقع التواصل؟ هذا النقد ليس هجومًا على الجمال بل هجوم على الفراغ الذي جعل الجمال يُقاس بعدد المتابعين بدل أن يُقاس بنقاء الروح وعمق الخصال.الرواية في جوهرها تقدم مشروعًا فكريًا حول “استعادة الذات” فهي ليست قصة امرأة واحدة بل قصة كل امرأة فقدت صوتها ثم وجدته، ففي كل لقاء من لقاءات البطلة مع النساء التاريخيات تتعلم فكرة جديدة: من جميلة تتعلم الصمود، ومن لالة فاطمة تتعلم الشرف والشجاعة، ومن المرأة الصحراوية تتعلم الحكمة، ومن نفسها تتعلم أنّ القوة تبدأ حين تتوقّف عن انتظار اعتراف الآخرين.إن البناء الرمزي للرواية ووتشابك الأزمنة وانفتاح العوالم وتعدّد الأصوات يجعل (الفحلة) عملاً ذا طبقات يُمكن قراءته كحكاية ممتعة مليئة بالأحداث، كما يمكن قراءته كتأمّل فلسفي في ماهية الأنوثة، أو كنصّ نفسي حول استعادة الثّقة، أو كنص تاريخي يربط الماضي بالحاضر.في النهاية، تُقدّم نهاد بلقاطي رواية تُعيد للمرأة الجزائرية صورتها الحقيقية: ليست المرأة التي تُصنع في الإعلانات ولا تلك التي تُقاس بمظاهرها، بل المرأة التي صنعت تاريخًا وقادت ثورات وشيّدت حضارات، وداوت جراحًا، وواصلت الطريق رغم كل شيء. رواية (الفحلة) ليست مجرد كتاب، إنها دعوةٌ للبحث عن الذات وعودةٌ إلى الجذور، واحتفاءٌ بالمرأة التي واجهت العالم بصمتٍ يشبه صمت لالة فاطمة، وبقلبٍ يشبه قلب جميلة.إنها رواية تُقرأ وتُعاد لأنها لا تُقدّم حكاية، بل تُقدّم أسطورة أنثوية حديثة تتجذّر في الأرض الجزائرية وتُخاطب كلّ امرأة تبحثُ عن حقيقتها في زمن ضائع. الرواية التي قادتنا إلى أعماق امرأة تبدو عادية، لكنها تحمل في داخلها قوة لا يراها إلا من يقترب من روحها.قدّمت لنا نهاد بلقاطي صورة المرأة الجزائرية كما هي: تخاف، تتألّم، لكنها في النهاية تنهض وتُعيد تشكيل نفسها من جديد.فالفحلة هنا ليست لقَبًا جاهزًا، بل مسارٌ طويل من التحدّي والصبر، واكتشاف القدرة على الوقوف رغم كل العثرات.نُغلق الرواية لكن رسالتها تبقى حيّة فينا:أنّ قوّة المرأة لا تُستعار ولا تُصطنع، بل تولد من حقيقتها، من صدقها ومن إيمانها بأنها تستحق أن تكون أقوى مما كانت عليه أمس.( نوميديا جروفي)# فضاء الكتب# مجلة ايايت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم