رواية أسرار في عقل الطاغية» والعنف الرمزي والواقعي واسرار انتصار الضحية.

جريدة القدس العربي تمثيلات العنف وهشاشة القوة في رواية «أسرار في عقل الطاغية»أشباح الضحيةتكتسب بعض الروايات قيمتها من المزاج الذي تتخلق فيه، ولا سيما الوقائع التي تتموضع في سياق محدد؛ بما في ذلك الإنسان والمكان والثقافة. ومن أبرز الروايات التي صدرت مؤخراً رواية الروائي السوري محمود الجاسم، الذي يتملكه مشروع روائي يبدو على قدر كبير من القيمة والأهمية؛ كونه يذهب إلى معالجة السياقات التي يمكن للوهلة الأولى أن نلمح فيها أسلوبية التمركز على الذات، حيث تعتمد رواياته -إلى حد ما- على شخصية محورية. وإذا ما استعرضنا أعماله، ومنها روايات: «نزوح مريم»، و«لاجئة بين زوجين»، و«مزار محيي الدين»، و«غربة في زمن الخاكي»، و«رائحة التفاح»، ومؤخراً رواية «أسرار في عقل الطاغية».إن معظم شخصيات روايات الجاسم، ولا سيما المركزية لا يمكن القول إنها نماذج مؤطرة وثابتة، بمقدار ما تبدو شخصيات جدلية تشكل نواة العمل، حيث تسعى إلى حمل الرؤية التي ينهض عليها التشكيل السردي الذي يتسم بثراء يطال أيضاً سائر الشخصيات والأمكنة والأزمنة، ولكن مع أسلوب ينزع نحو الاقتراب من البعد التصويري في الرواية، فضلاً عن توظيف بنية متماسكة، وصيغ متعالية على مستوى التركيب البلاغي، ولا سيما من ناحية الوعي بمحور الاختيار للمفردة، من أجل تمكين الإضافات الشعورية المتصلة بفضاءات العالم السردي.تكوين الطاغيةتواجهنا رواية «أسرار في عقل الطاغية» من منشورات توبقال سنة 2026 بعنوانها الذي يبدو لنا مباشراً وموجهاً إلى حد ما، حيث ينصرف ذهن المتلقي إلى توقّع أفق الرواية، وما يمكن أن تعالجه قبل الشروع في قراءتها من منطلق التساؤل في ذهن المتلقي: كيف يمكن أن يصور لنا محمود الجاسم شخصية الطاغية؟يشار إلى أن ثمة في الرواية غير العربية حضور واضح لتقاليد «رواية الديكتاتور» كما في أعمال غابرييل غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وغيرهما، فإن الجاسم مال إلى اختيار شخصية أخرى منزاحة عن مركز السلطة المباشر، لكنها كانت أكثر التصاقاً بآليات اشتغالها، ونعني شخصية القائد العسكري بوصفها الفاعل التنفيذي الذي يباشر القتل، والتعذيب، وإنتاج العنف اليومي. وبناء على ذلك فإن السرد لا يتجه إلى تفكيك بنية الطغيان في رأس السلطة فحسب، وإنما إلى مساءلة الكيفية التي يُعاد بها إنتاج الشر عبر أدواته ووسطائه بداعي فهم تكوينه، والأهم من ذلك تتبع المآلات التي يخلّفها لاحقاً في الذات، والمجتمع، والبنية الأخلاقية.لا تبدأ الرواية من فضاء السلطة العام مباشرة، إنما من داخل بيت الجنرال «المؤيد»، قائد «كتيبة النسور»، وبالتحديد من منظور زوجته «نجوى»، التي تعيش حياة يطغى عليها الخوف والعزلة بداعي عمل زوجها واستبداده وانشغاله، حيث يتداخل العام مع الخاص، وقد يكون البدء من منظور نجوى ذا أهمية؛ كونه يتيح للرواية أن ترصد شخصية الطاغية من خارج وعيها في البداية عبر نظرة شخص قريب منه، ولكنه لا يستطيع اختراق عالمه الداخلي، كونها ترى القوة والجبروت والانشغال والغموض، غير أنها لا تدرك لاحقاً ما يتكون خلف هذا القناع من هشاشة أو خوف أو قلق.تستهدف الرواية محاولة فهم الآلية أو الميكانيزم النفسي الكامن وراء تخليق الشر في ذات الطاغية القائد العسكري «المؤيد»، ويمكن إحالة ذلك إلى فضاء سابق، أو مرجعية شكّلت هذا، حيث الانتماء لعائلة فقيرة، من الفلاحين، مع التذكير بوضاعة الأصل أو النسب، وبذلك فهو نتاج ذلك القصور بداعي عوامل نفسية، ما يفسر تكون العنف والدموية. ومن الجزئية الأخيرة نستطيع أن نلمح اهتمام الرواية، كما الرواية السورية عامة بمحاولة قراءة ما يمكن أن نعدّه، إلى حد ما حقبة التاريخ الدموي لسوريا الحديثة، وربما يُفسر ذلك بما احتملته هذه التجربة من فيض الضحايا والعنف، ما أدى إلى شيء من الصدمة، غير أن السؤال السردي الأهم: لماذا نتج كل هذا العنف بين أبناء الشعب الواحد؟يُقدَّم المؤيد بوصفه أحد أبرز قادة النظام، حيث يحظى بثقة الزعيم، ولا سيما بعد نجاحه في عمليات عسكرية، ومن ثم يكلف بالقضاء على قائد التمرد المعروف بـ«الحكيم أيوب». يمكن قراءة هذا الصعود في المؤسسة العسكرية لا بوصفه عملية انتقال وظيفي – من منظور المؤيد – بمقدار ما يراه إعادة صياغة لذاته المعطوبة في الأصل، إذ يجد في قربه من القيادة العليا أو الزعيم تعويضاً عن ماضٍ يشعر حياله بالنقص، كما يجد في الألقاب والنياشين والسلطة المطلقة وسيلة لتكريس ذاته بوصفه أسطورة، وبذلك فإن الإسراف في القتل لا يمكن أن يقرأ على أنه من أجل الدفاع عن النظام، أو الأفكار بمقدار ما هو وسيلة لتحقيق الاعتراف بالذات.ما وراء العنفلعل الصياغات التي تسعى الرواية إلى قراءتها ومعالجتها تتمثل في محاولة تفسير نتاجات هذا العنف، بوصفه إحالة إلى بنى ثقافية واجتماعية ونفسية شكّلت المجتمع السوري لعقود، مما أنتج هذا التشوه الذي يعدّ نتاج رهاب السلطة، وبناء على ذلك، فإن شخصية الطاغية مسكونة بالذات، وبالقدرة على تمثيل رمزية العنف أو إطلاق الخوف، وهي غالباً ما تنزع إلى أن تكون متصلة بما خلفها، مع محاولة فكفكة تلك العلاقة ما بين الطاغية، ونظام إنتاج الخوف، وبذلك يتحدد مفهوم السلطة بتكوينها العضوي، أو تلك العلاقة المبنية على تشكيل وظيفي. ولكن ما إن يتفكك جزء من تلك المنظومة، أو يصاب بخلل ما، حتى تتهاوى، ويبدأ تخلي الأجزاء عن بعضها بعضاً. ومن ذلك المؤيد الذي بعد أن أصيب في حادثة فاضطر الأطباء إلى تركيب إحدى الشرائح الإلكترونية في عقله، غير أن هذه التقنية تؤدي إلى نوع من الاختلالات العصبية والنفسية، ومن ذلك تداخل الذاكرة، والهلوسة، ولكن يلاحظ البعد الفانتازي في هذا التكوين السردي، حيث يتمكن المؤيد من قراءة أفكار المحيطين، ويمكن القول إن إصابة الجسد تمثل بداية انهيار صورة الطاغية، كون السلطة التي مارسها المؤيد كانت متصلة اتصالاً وثيقاً بصلابة الجسد، والقلب، وهيبته وقدرته على الحركة وإصدار الأوامر.بداعي الإصابة يصدر قرار بإعفاء المؤيد من قيادة «كتيبة النسور»، فيدرك أن مجده العسكري انتهى، وأن السلطة التي صنعته تخلت عنه. وبذلك تظهر الطبيعة الأداتية للسلطة التي لا ترى في أدواتها ذاتاً أو تاريخاً، كما أنها لا تظهر وفاء، فما الشخص سوى وظيفة انتهت صلاحيتها، فقرار الإعفاء لا يجرد المؤيد من منصبه، بل يجرّده حقيقة من المعنى الذي بنى عليه هويته. فهو شخص لا يعرف ذاته خارج الزي العسكري والكتيبة والحرس والنياشين، ولهذا يبدو سقوطه الوظيفي سقوطاً وجودياً أيضاً، وبذلك تذهب الرواية إلى تصوير هشاشة الذات السلطوية، وقبحها على مستوى الذات، والمحيط، والمنظومة برمتها.وفي مقابل الجنرال المؤيد، تضع الرواية شخصية «الحكيم أيوب»، الذي يُقدَّم بوصفه شخصية مثقفة ونضالية ذات حضور فكري وأخلاقي، رغم اختلاف الروايات حول ماضيه. ولعل هذا الاختلاف في الروايات المتعلقة بماضيه جزءاً من تكوينه، فهو لا يظهر بوصفه شخصية ثابتة بقدر ما يبدو تمثيلاً للحكمة والمقاومة والقدرة على الوقوف في وجه السلطة، على الرغم من تغييب الشخصية على مستوى البناء الفني العميق، حيث تظهر الشخصية أقرب إلى شخصية وظيفية دلالية، فحين تنجح القوات في اعتقال الحكيم أيوب، يخضع لتعذيب شديد واستجوابات متكررة، لكنه يرفض الاعتراف أو خيانة رفاقه، حتى أنه يواجه جلاديه بثبات فكري وروحي، وعلى الرغم من اشتداد التعذيب، غير أنه لا يمنح الطاغية اعترافاً يؤكد انتصاره، ولذلك يقوم المؤيد بقتل «الحكيم» الذي يتحول إلى لعنة تلاحق قاتله. ومع ذلك فلا يمكن قراءة هذا الحدث بوصفه نبوءة بمقدار كونه يستهدف بيان منطقية التحول الداخلي في شخصية المؤيد، بداعي ظهور طيف الضحية «الحكيم» وغيره، ما يذكرنا بمسرحية شكسبير هاملت عبر جزئية طيف الضحية، وما ينتج بعد ذلك من تشقق لذات المؤيد، وانهياره ضمن مقولة عودة المكبوت، أو يقظة الذاكرة أو الضمير الذي كان معطلاً.السقوطكي تكتمل تمثيلات هشاشة الطاغية تظهر تفاصيل مضافة تعالجها الرواية، ومن ذلك تصوير تخلي المحيط القريب من الطاغية، ولكن من بيان هشاشة علاقات السيطرة والخوف، بمن في ذلك الزوجة الجميلة «نجوى»، والشقيقة، وحتى المساعدون؛ فالطاغية الذي كان معروفاً بقوته، ونهمه الجنسي، يصبح عاجزاً جنسياً ضمن إشارة واضحة، ومن هنا تسقط الزوجة في استيهاماتها الجنسية، ومن ثم تقيم علاقة مع مساعد «المؤيد» المقرب، ونعني طارق، في حين أن الشقيقة تسعى للاستيلاء على كل ما هو ثمين، ومع أن الراوية تسعى ظاهرياً إلى تخليق ذلك المعنى الذي يقترب من مفهوم العقاب أو الثأر، غير أنها حقيقة تستهدف تصوير هشاشة تلك البنية من العلاقات الأفقية والعمودية التي نشأت على وهم ديمومة القوة، والسيطرة.إن الطاغية الذي كان يفرض على الآخرين الصمت، يمسي محكوماً بسماع ما لا يريد سماعه، فالشريحة جردته من أسطورته، كما جعلته يدرك حقيقة موقعه في نفوس المحيطين به. في حين يمكن النظر إلى ذلك بوصفه انقلاباً في علاقة الرؤية؛ فإذا كان المؤيد يرى الجميع موضوعات خاضعة، فإنه يصبح بعد الشريحة موضوعاً خاضعاً، ومن هنا تتحول معرفة الداخل إلى شكل من أشكال العقاب، كون وعيه يدرك ما يكمن في عقول محيطيه، حيث يبدأ يعاني من اضطرابات إدراكية ونفسية؛ فتختلط عليه الأزمنة والوجوه، وتطارده صور ضحاياه حتى يفقد توازنه بين الواقع والهلوسة. هكذا يمكن أن نرى في هذا التداخل بين الذاكرة والحاضر تفككاً في الزمن الداخلي للطاغية؛ فالماضي الذي كان يعتقد أنه تجاوزه يعود دفعة واحدة، ولكن ليس على شكل سلسلة انتصارات، وتكريم، إنما على شكل فيض الضحايا والوجوه والأصوات أقرب إلى شكل محاكمة تكمن في العقل الباطني ما يبر تسمية الرواية.رؤيةتتسم الرواية على مستوى التكوين بتعدد أنماط السرد، فضلاً عن التداخل بين الواقعي والميتافيزيقي من خلال الشريحة التي تسهم في انكشاف الوعي، وأثر التكنولوجيا في ذلك، في حين أن نمطية شخصية الحكيم التي بدت مقابلاً أخلاقياً في مواجهة الشر، لم تحتمل تكويناً أعمق على مستوى البناء، كما نلاحظ أن علاقة الزوجة بمساعد المؤيد لم تكن نتاج الرغبة بمقدار البحث عن قوة بديلة، وبذلك فقد سعت الرواية إلى تقديم فكرة العقاب بوصفها نتاجاً منطقياً للشر، أو العنف ولو من خلال عامل خارجي أو غير منطقي، كما هي الشريحة ربما لبيان تمكن غرور السلطة، ويؤكد ذلك من الانتقام الأخير عبر تدمير الذات والمحيط، حيث يقوم المؤيد بقتل نجوى وعشيقها طارق، كما تفجير الفيلا لتنبعث بعد ذلك رائحة كريهة، ومن هنا يظهر هذا الحدث على إنه إحالة إلى معنى التقويض العميق لبنية السلطة التي تأكل نفسها

#.رامي أبو شهاب#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم