رشا ملحم تكتب أن فيلم «الستّ ام كلثوم» ..يقرأ سيرة نسوية بلا شعارات .

وسط ما أثاره فيلم الست من ردود أفعال متباينة وجدل ضخم بين مؤيد ومعارض، وكل رأي يحمل وجاهته من بعض النواحي، استوقفني هذا المقال الذي كتبته المخرجة العزيزة رشا ملحم لأنه يحمل قراءة بعين المخرج الدارس، ولأن أستاذة رشا بعيدة عن الصخب الدائر حول الفيلم وصناعه والانحياز لهم أو ضدهم! ولذلك أشاركه على صفحتي، ويبقى أيضًا كامل الاحترام لكل الآراء التي تناولت الفيلم سواء إيجابيًا أو سلبيًا، ومشاركة المقال تقدم دعوة للقراءة من زاوية مختلفة ومتخصصة ولا تجور على اختلاف وجهات النظر. ************كتبت رشا ملحمالست: أم كلثوم.. نسوية بلا شعارات يقرأ فيلم «#الستّ» سيرة #وسط ما أثاره فيلم الست من ردود أفعال متباينة
وجدل ضخم بين مؤيد ومعارض، وكل رأي يحمل وجاهته من بعض النواحي، استوقفني هذا المقال الذي كتبته المخرجة العزيزة رشا ملحم لأنه يحمل قراءة بعين المخرج الدارس، ولأن أستاذة رشا بعيدة عن الصخب الدائر حول الفيلم وصناعه والانحياز لهم أو ضدهم! ولذلك أشاركه على صفحتي، ويبقى أيضًا كامل الاحترام لكل الآراء التي تناولت الفيلم سواء إيجابيًا أو سلبيًا، ومشاركة المقال تقدم دعوة للقراءة من زاوية مختلفة ومتخصصة ولا تجور على اختلاف وجهات النظر.

                                 ************

كتبت رشا ملحم
الست: أم كلثوم.. نسوية بلا شعارات

يقرأ فيلم «#الستّ» سيرة #أم_كلثوم كمعركة نسوية داخل بنية سياسية متقلّبة: امرأة تفاوض سلطة الأب، وتواجه عنفاً وتسلطاً وتهديداً، ثم تتحول إلى فاعلة عامة لا مجرد صوت. يربط الفيلم صعودها بمصر الملكية ثم المشروع القومي، ويجعل من الفن أداة مقاومة بعد 1967، ومن الجسد قراراً سياسياً ضد القوالب الجندرية

من الدهشة إلى الرؤية
يسكنني فيلم الست ويدفعني إليه مرةً ثانية. وهذه المرة، هدأت الدهشة، لكن المتعة ازدادت. تحوّلت الانفعالات إلى ملاحظات، والصورة إلى مادة تحليل، والافتتان إلى وعي بخيارات إخراجية دقيقة. لم يعد الشريط حدثاً عاطفياً فحسب، بل صار نصاً بصرياً يمكن تفكيكه، والوقوف عند بنيته، وتيماته، وأدواته، فـ “الست” ليس فيلم سيرة تقليدي، ولا فيلماً غنائياً أو وثائقياً، بل هو فيلم حالة ذات مفعول تراكمي مآله الانفجار، تاركاً خلفه تجربة لا تهدأ بسهولة. يراهن على السينما بوصفها فناً قادراً على الطرب بدوره، وعلى مقاربة شخصية أسطورية من خلال أنسنتها، لا عبر تضخيمها، فهي ليست بحاجة إلى ذلك.

بنية السرد: سقوطٌ يؤطّر المجد
اعتمد الكاتب أحمد مراد في “الست” بنية سردية غير خطيّة، لكنها ليست اعتباطية ولا مُربِكة كما اتُّهم أحياناً، بل محكومة بتيمات واضحة: كيف صارت السيدة أم كلثوم إبراهيم كوكبَ الشرق؟
يفتتح الفيلم بلحظة صادمة: سقوط أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا، لا بوصفها نهايةً محتملة، بل كسؤالٍ معلّقٍ يتكئ عليه الزمن كله. من هذه اللحظة، يتراجع السرد إلى البدايات، ثم يعود، ويتشظّى، ويعيد ترتيب الذاكرة وفق منطق الشعور لا التوثيق، فالسرد هنا تراكمي. لا يهتم بإحصاء المحطات بقدر ما يهتم بما تتركه من أثر داخلي. لذلك تُطرح الطفولة، والحب، والمرض، والخيبات، والانتصارات، وساعات العمل الطويلة بوصفها حالات شعورية متناوبة، لا كوقائع تاريخية مصفوفة.
تعود لحظة السقوط في منتصف الفيلم ونهايته لتُعيد تأطير المعنى: ما بدا ضعفاً في البداية يلمّح في المنتصف إلى دور السياسة والصحافة في إعادة صوغ الوقائع من وجهة نظرها، ويزيد التشويق والتوق لمعرفة ماذا حدث فعلاً، ثم مع اكتمال هذا المشهد في الختام، يظهر حدث الوقوع كذروة مطلقة للمكانة الأسطورية لسوما، فالسقوط لا يعود سقوطاً، بل علامة من علامات التقديس، واندفاع الحب الشعبي إلى أقصاه حين يقتحم المعجب المسرح لتقبيل قدمها. بهذا البناء الدائري، يحوّل الفيلم “الهشاشة” إلى مفتاح قراءة، ويجعل من السرد نفسه فعلَ إنصاف: إنصافٌ لإنسانةٍ عظيمةٍ لم تُختزل يوماً في الصعود فقط، بل في قدرتها على النهوض ومن ثم بلوغ المجد.
وإلى ذلك، لم يغفل مراد إدراج بعض المواقف الطريفة على الفيلم لتضفي تكاملاً يحاكي الحياة المعاشة. مثل المشهد اللطيف لشخصية ضابط التحقيق (أحمد حلمي) وخروج شخصيتيّ أم كلثوم ومحمد القصبجي عن رصانتهما المعهودة فيه.

عنصر التكثيف… اختيار ما يُروى وما يُسكت عنه
منذ البداية، يعلن الفيلم خياره الجوهري: التكثيف. عدد الشخصيات محدودٌ، والوقائع منتقاةٌ، والزمن يُضغط لصالح الدلالة لا الاستعراض، فبالنسبة للعائلة، كان التركيز على رجال تلك الأسرة الذين رافقوا سيدة الغناء العربي، أم كلثوم، في رحلتها الفنية، وبشكل خاص والدها إبراهيم البلتاجي (سيد رجب) بوصفه الداعم الأول.
يُمنَح الأب حضوراً محورياً، لأنه المفتاح الأول لفهم شخصية أم كلثوم. هو من جال بها في الريف، وغنّى معها الموشحات الدينية، ومن دعم موهبتها، لكنه أيضاً مارس عليها شيئاً من القمع حين شعر أن “سمعتها” باتت مهدَّدة. العلاقة بينهما تتأرجح بين الوفاق والخلاف، بين الحماية والتسلط. حين يقرر إعادتها إلى قريتها السنبلاوين بعد أن بدأت الألسن تدور عنها، تتخذ قراراً قيادياً: تعود معه إلى الريف، لكنها ترفض الغناء في الموالد والاحتفالات الدينية ــ قرارٌ ذكيٌ يجنبها الصدام ومعاندة الأب، وهنا يظهر أخوها خالد حليفاً لها، فيقتنع والدهما من جهته.
ذلك لم يكن تفصيلاً سردياً، وإنما تأسيس مبكر لشخصية امرأةٍ تفاوض السلطة الأبوية، لا تنكسر لها.
وفي مشهد بالغ القسوة، حين يهددها رجل سكران بالسلاح لتغني “شيئاً معاصراً”، ترفض تلك اليافعة الانصياع لرغبته. فما كان من والدها إلا أن ضربها ليمتصّ غضب الرجل. هنا، يرصد هذا الحدث المخاطر التي واجهتها بمسيرتها المحفوفة بالمشقة، ويحافظ على التشويق، وكذا يلمح إلى العنف ضد المرأة، فتدخل الموسيقا كتعليق شعري حين نسمع من الأطلال: (أعطني حريتي أطلق يديّ).
ويبدو أن تغييب الأم والأخت خيارٌ واعٍ، فلا حضور حقيقي لهما إلا في لقطاتٍ عابرةٍ باعتباره خياراً إخراجياً متعمداً لتجنّب التشتيت والإطالة، وللحفاظ على تركيز السرد حول الصراع المركزي.
ثم يأتينا تكثيف المسار الفني. فالفيلم لا يغرق في أسماء الملحنين والشعراء، ولا يحوّل نفسه إلى أرشيف، وإنما يختار محطاتٍ مفصليةً ضمن حفلات كوكب الشرق أو تعقيباً عبر الموسيقا على بعض الأحداث:
محمد عبد الوهاب في أنت عمري، خلال حفل الأوليمبيا في باريس، حيث تنتهي الرحلة قبل مشهد الجنازة، في إحالةٍ ذكيةٍ إلى شراكةٍ خالدةٍ حصلت بينهما.
بليغ حمدي في ألف ليلة وليلة، التي تتحول إلى لازمةٍ شعوريةٍ، حيث تتكرر “يا حبيبي” كتعليق على لحظات الحب في حياة بطلتنا، والأكثر حباً ووجعاً: عندما صاحبت موكب التشييع حتى بلوغ التيترات.
محمد الموجي في مصر التي في خاطري والتي غنتها في الذكرى الأولى لثورة يوليو.
إضافة إلى الأطلال لإبراهيم ناجي ورياض السنباطي، وانا في انتظارك لمحمود بيرم التونسي وزكريا أحمد.
أما أحمد رامي والقصبجي فهما حاضرين في الحكاية.
الكاميرا بوصفها وسيط حب
في مشهد لقاء سوما مع شريف صبري، خال الملك فاروق، يُدار الحوار بلا كلامٍ تقريباً بل عبر تبادلهما التصوير بالكاميرا. إيقاع المشهد حيويٌ وحركة كاميرا المخرج مروان حامد رشيقةٌ، حميمةٌ، تخلق قرباً وتنقل لنا أم كلثوم الواقعة في الحب دون المساس بهالتها. ومن خلفهما الأهرامات مع أشعة الشمس ليبدو المشهد نابضاً بالحياة ومفعماً بسحر البدايات. لأول مرة تظهر سوما بالبنطلون. لونه بيج يحاكي لون الأهرامات. أليست الست هي الهرم الرابع؟

التيمة النسوية… امرأة تقود وامرأة تساند وأخرى تحطم
يتبنى الفيلم وضوحاً تيمةً نسوية، لا عبر الشعارات، بل عبر الوقائع، فهو يرتكز على ثلاث سيداتٍ بأدوار مفصليةٍ درامياً:
أم كلثوم: امرأةٌ قائدة، سبقت الثورة بثوريتها، أصبحت أول نقيبٍ للموسيقيين وانتقدت في مجلتها تردي أحوال الناس في عهد الملك. آخر الأمر، إنها كوكب الشرق: الشخصية رقم واحد في العالم العربي في القرن العشرين، وفق مفهوم الزمن لمقاربة الخلود والأثر الحقيقي حتى يومنا هذا.
فريال: امرأةٌ نسويةٌ من الطبقة الأرستوقراطية، تلعب دور المنقذة الأولى للسيدة أم كلثوم وتمهد إلى انطلاقها صوب العالم من القاهرة لأول مرة وخارج الجلباب الأبوي.
الملكة نازلي: الخصم الندّ. حضورها محدود، لكنه ذو رمزيةٍ كبيرةٍ وتأثيرٍ عميق، فهي الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تمسّ أم كلثوم في عمقها عبر الشريط البالغ ساعتين ونصف.
بالعودة إلى البدايات، تُقابل أم كلثوم بالرفض، في بيت أحد الباشاوات بسبب مظهرها الريفي وزيها الرجالي، فقد اعتادت أن تلبس العقال منذ صغرها في جولات الإنشاد الديني، وهنا تتدخل فريال، ابنة الباشا، التي تحتوي الموقف، وتلبسها زياً أنثوياً ومعاصراً، تقنعها به قائلة:
“نحن في سنة 24… النساء خلعت البرقع”.
تلك جملةٌ تصفع الحاضر عبر الماضي، وتفتح مقارنةً موجعةً بين (1924 و2024). مئة عامٍ مضت، حين بدأت المرأة اقتحام المجال العام بشجاعة، فيما نعيش اليوم زمناً أكثر ارتباكاً، بل وأقل يقيناً بحقوق النساء في عالمنا العربي.
أما عن وجهة نظر أم كلثوم في الزواج فهي استثنائيةٌ في زمنها لامرأة طموحها لا يشق له غبار:
لما سألها صحفي: “لماذا لم تتزوجي وقد غنّيتِ أكثر من مئة أغنية عن الحب؟”
تجيب: “طباخ السم لا يذوقه”، ثم تضيف: ” لمَ لا تسألني لماذا لا توجد امرأة مصرية تكتب؟”
وبالفعل، ترفض عرض الزواج من الشاعر أحمد رامي، لأنها لا تريد أن تحد طموحها بتكوين أسرة، فذلك من شأنه أن يجعلها تتراجع إلى الوراء بسبب هذا الالتزام، وأيضاً، فهي لن تعود ملهمةً له شعرياً. وبذلك، تبقى العلاقة بينهما أبدية، تتجاوز الجسد إلى الخلود.
وفي ملمح آخر للتيمة النسوية في الفيلم تنجح سوما في أن تصبح أول نقيب للموسيقيين، وتفضح نفاق أحد العازفين بحوار سريع، يُجتزأ منه بتصرف: “عزفتَ معي 12 مرة، ومع غيري 3 مرات… كيف لا تنتخبني؟” إذ تجعله يعيد حساباته بخصوص بنية تفكيره المتحيزة على أساس الجنس.
قرار صعب… لبّ الفيلم ونقطة انعطاف لا في الفيلم وحسب بل في تاريخ الأغنية العربية:
إذا كانت بنية الفيلم متشظيةً في معظمها فهي مع ذلك تسير وفقاً لخطوطٍ خفيةٍ تشكّل ذرىً متفرقةً هنا وهناك، ولعل قرارها في الامتناع عن إجراء عملية لاستئصال الورم قرب الغدة هو بيت القصيد أو مقولة الفيلم: المجد يتطلب تضحيات. فعبر هذا القرار توضع بطلتنا على المحك: إما الغناء أو الجمال والأمومة. ألا يشكل قرارها في التعايش مع المرض ثورةً على الصورة النمطية للدور الجندري الذي أُطرت فيه المرأة؟
بل إنه قرار امرأة تضع الفن فوق الجسد، والرسالة فوق الذات، وإذ نالت الست المجد على أثره فقد حظي الجمهور العربي بكنز خالد، وما نراه من استماتة في الدفاع عن صورتها بين كارهٍ للفيلم ومعجبٍ به يؤكد امتنانه لعظمتها عبر العقود.
البعد القومي: حين كانت مصر تقود القطار العربي
ينجح “الست” في ترسيخ بعدٍ قوميٍ عميق، لا عبر الخطب، بل عبر السياق التاريخي والوجداني. فالفيلم لا يحكي فقط سيرة فنانةٍ استثنائية، بل يستعيد قرناً عربياً بأكمله، منذ الاستعمار الأوروبي، مروراً بمشروع الدول القومية، وصولاً إلى نكسة حزيران 1967، وما تلاها من محاولة ترميم الكرامة العربية.
في هذا السياق، تبدو أم كلثوم أكثر من مطربة: إنها صوت زمن. زمن كانت فيه مصر، وإلى جانبها سوريا، في صدارة المشروع القومي العربي، تقود القطار سياسياً وثقافياً، وتشكّل مركز الثقل الوجداني للعرب. لذلك، لا يعمل الفيلم على قومنة الشخصية قسراً، بل يترك الوقائع تقوم بالمهمة: حفلاتها، جمهورها العابر للحدود، وحضورها كمرجعية ثقافية جامعة.
تبلغ هذه الدلالة ذروتها بعد النكسة. هنا، لا يقدّم الفيلم أم كلثوم كشاهدةٍ على الهزيمة، بل كفاعلةٍ في تحويلها. قرارها تنظيم حفلاتٍ لدعم المجهود الحربي، وجمع التبرعات، ليس مجرد حدثٍ تاريخي، بل فعلٌ رمزي: الفن بوصفه أداة مقاومةٍ وجدانية.
إنه انتقال من المجد الفردي إلى المسؤولية الجماعية، ومن الحزن إلى التمهيد المعنوي لحرب تشرين/أكتوبر والتي شكّلت، بطريقة ما، ردّ اعتبار على هزيمة النكسة في الخامس من حزيران/يونيو 1967.
ولعلّ مشهد اقتحام المعجب الجزائري للمسرح في حفل الأوليمبيا يحمل دلالةً قوميةً مكثفة: أم كلثوم ليست بطلة مصر فقط، بل بطلة الشرق كله. وهذا المشهد يعيد تعريف “السقوط” بوصفه صعوداً وسمواً.
من هذا المنظور، يفسَّر الأثر الوجداني العميق الذي يتركه الفيلم لدى الجمهور السوري تحديداً. فالتقاطع التاريخي والسياسي بين سوريا ومصر، وتجربة القومية العربية المشتركة، يجعل من “الست” استعادة لزمن كان فيه للأحلام الكبرى مكان، وللكرامة العربية حظوةٌ أعلى مما نعيشه اليوم.
وهذا ما يفسر خروج الكثيرين من الصالة بدموعٍ مزدوجة. دموع فخرٍ وتأثرٍ برحيل كوكب الشرق، ودموعٌ فيها شيءٌ من خيبةٍ من الحاضر، فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، سُحب البساط من المشروع العربي الجامع، وحلّت محله سيولة المفاهيم، وتمييع الهوية، وتصدر الفن الاستهلاكي السريع، في مقابل أصالةٍ كانت يوماً جزءاً من الوجدان الجمعي، ولا تزال الملاذ الآمن للكثيرين وسط هذا الواقع الجديد. بهذا المعنى، يصبح “الست” تذكيراً، غير مباشر، بدور الفن الأصيل في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع العربي، وبزمن كان فيه هذا الصوت العربي الكبير قادراً على جمع الشعوب.
الصورة… حين تتكلم الكادرات
إننا أمام سينما تراهن على الصورة. الحوارات مكثفة، والكادرات هي التي تنطق على حساب الكلام، فهو فيلم إبهار بصري يعتمد على ما لم يقل وعلى نقل الزخم عبر لقطاتٍ قريبةٍ تنقل مشاعر الشخصيات بواسطة تعابير الممثلين. تجلى هذا وبتأثير ذي وتيرة تصاعدية في علاقة السمّيعة معها.
فجمهور السمّيعة انتقل في شكله من نشوة الطرب إلى حالةٍ من الوجد الصوفي مع التصاعد الدرامي للفيلم، إذ أفرد “الست” مساحةً مركزيةً للجمهور تولت إيصالها الكاميرا، لا الموسيقا التصويرية ولا الحوارات أو حتى الهتافات.
ففي الحفلات الأولى، نرى وجوهاً سعيدة، منتشيةً طرباً: لقطاتٌ قريبةٌ على الابتسامات، والعيون الشغوفة، ولاحقاً، يتحول التلقي إلى حالة من الوجد: عيونٌ معلقةٌ إلى الأعلى، دمعةٌ، ابتهالٌ، كل هذا مصحوبٌ بحركةٍ بطيئةٍ (سلو موشن) وخلفياتٍ سوداء، وكأن المستمع دخل عالمه الروحي الخاص في ذروةٍ طربيةٍ على أنغام أنا في انتظارك.
الصراع الدرامي على أشُدّه عبر حوار بصري ناشب بين أم كلثوم والملكة نزلي
يسبق دخول أم كثوم حفلتها التي يحضرها الملك فاروق ووالدته أن تتلقى رسالةً من شريف (أخو الملكة) تُعلمها برحيله بعد أن تدخلت شقيقته نزلي في قراره. خلال وقوف الست على المسرح وهي تغني “حب إيه” تتناوب اللقطات بينها وبين الملكة. كاميرا تواجه كاميرا. نظرةٌ مقابل نظرة. خصومةٌ أنثويةٌ صامتة، تُدار بالصورة لا بالكلام. كادراتٌ قريبةٌ وتصعيدٌ قابلٌ للانفجار. في مشهدٍ بصريٍ قصير، إلا أنه قد يتحول إلى أيقونيٍ يدوم طويلاً في الأذهان. نيللي كريم قالت كل شيء بأنفها المشرئب المدبب، وذقنها المتوترة وفمها المشدود المقفل.
في هذا المشهد، كانت براكين سوما تغلي من الداخل، نيران ألم تجيش في صدرها وهي تغني مقطع “بعتني وبعت قلبي ليه”، فيما الجمهور يتلقى أمواجاً من أحاسيسها بمتعةٍ خالصةٍ من السعادة والإعجاب الغامر.
وهذه تيمةٌ بارزةٌ أخرى تبثّها الصورة للمتلقي عن الفرق الجوهري بين الفنان الذي يعاني، والجمهور الذي يُداوى بالفن. المطرب الذي ينزف قلبه وحنجرته والمستمع الذي ينعم بالنتيجة دون قدرته على تخيّل درب الألم الذي يسير عليه من يصنعون الخلود. وهنا أيضاً يناوب حامد في التقطيع بين أم كلثوم الحانقة والجمهور الهائم بسعادته لإبراز الفرق بينهما، فتصل هذه المشاعر المؤلمة؛ هذه الحقيقة المرة لنا باقتدار.
الألوان داكنة عموماً، يتخللها مشاهد بالأبيض والأسود، استخدمت في البداية للدلالة على الماضي، ثم تحول استعمالها لرصد المزاج النفسي السيئ من عزلة وأسى الست. حين تتلقى اتصالاً من مكتب الرئاسة، يكون المشهد بالأبيض والأسود، بعد ابتعادها عن جمهورها مدة عامٍ إثر نسبها إلى العهد البائد، لتعود الألوان إليها مع عودتها لفنها أثناء التحضير لحفل إحياء الذكرى الأولى لثورة يوليو.
اللون الأحمر والذرى النفسية: في مشهد اتخاذها لقرار رفض إجراء الجراحة، تظهر في لقطة عامة، تدخن بحبور، وخلفها جدار أحمر. اللون الأحمر دلالة على الشغف والجرأة: ذاك القرار التاريخي.
يلي ذلك ارتداءها الأحمر لأول مرة وهي توزع الهدايا على الأطفال. حب أمومي متسامٍ، مشبعٌ بالتضحية. حبٌ وحسرةٌ في آن معاً.
أما المونتاج، فإيقاعه سريع، ينسجم مع حركة الكاميرا، ومعاً يقدمان شريطاً رشيقاً حابساً للأنفاس على طول الفيلم، فيما تكون اللقطات القريبة ثابتةٍ ويتخللها إبطاء الحركة (سلو موشن) في اللحظات المفصلية لنقل الزخم الشعوري إلى المشاهدين.
حين تُنصت السينما للصوت بدل أن تتكئ عليه
يتعامل “الست” مع الموسيقا لا بوصفها مادةً جاهزةً للنوستالجيا، بل كعنصرٍ دراميٍ مستقلٍ يخضع لمنطق السرد. على غير المتوقع، الفيلم عن سيرة أعظم صوت عربي، لا يُغرق المشاهد في أرشيف أم كلثوم، بل يقلّل حضوره عمداً، في قرار يحرر الصورة من هيمنة الأغنية.
تنقسم البنية الصوتية في الفيلم إلى ثلاث طبقاتٍ متمايزة:
أولًا، الموسيقا التصويرية غير الغنائية، التي تميل في بدايات الفيلم إلى إيقاعاتٍ غربيةٍ قريبةٍ من الجاز، وتُستخدم خصوصاً في مراحل ما قبل اكتمال “الأسطورة”. هذا الخيار لا يهدف ربما إلى التغريب، بل إلى خلق مسافةٍ زمنيةٍ وشعوريةٍ بين الشخصية وهي في طور التشكل، وبين الصوت الذي سيصبح لاحقاً مرجعاً كاسحاً للطرب الشرقي. يساهم هذا التمايز أيضاً في شدّ الإيقاع العام لفيلمٍ طويلٍ نسبياً، وكذا من شأنه أن يمنح المشاهد غير العربي والأجيال الجديدة مدخلاً سمعياً سلساً، وإن كانت هناك مبالغةٌ في استخدامه وصدمةٌ في اختياره للوهلة الأولى. وتغدو الموسيقا التصويرية ملحميةً في لحظات الافتخار الوطني ولا سيما عندما أطلقت الست حملة تبرعاتٍ لدعم المجهود الحربي.
ثانياً، الأغاني المختارة من رصيد أم كلثوم، التي تأتي كتعليقاتٍ داخليةٍ على الحالة النفسية للشخصية. تدخل الأغنية جزئياً، أو عبر لازمةٍ واحدة، أو مقطعٍ محدد، وغالباً تُقاطع أو تُحاط بالصورة بدل أن تقودها. هنا تصبح الأغنية لغةً باطنية: تعتمد على الإيحاء، لا عرضاً طربياً، وبالتالي، يعاد توظيفها درامياً لا احتفالياً.
ثالثاً، التدخلات الصوتية الإلكترونية (بادpad – ) المصاحبة لصوت أم كلثوم كخلفيةٍ تصنع جسراً بين النغمة والصورة فتضفي على الغناء طابعاً شبه طقسي، قريباً من القداس. هذا المزج لا يُضعف الصوت الأصلي، بل يعظّمه، ويضعه في مقامٍ رمزيٍ أسمى، يتماهى وحالة الوجد الصوفي عند المتلقي. ويخلق حالةً متكاملةً تنقل اللحظة من السمّيعة إلى المشاهدين فيصبح جمهور السينما بطريقةٍ ما جزءاً من الحدث – مطروبين بدورهم.
ولا يقل الصمت أهميةً عن الموسيقا في هذا البناء. لحظات الصمت المدروسة تتيح للصورة أن تتنفس، وللمشاعر أن تُقال بلا وسيط، وتؤكد أن الفيلم لا يخشى الفراغ السمعي، بل يستخدمه كأداة تعبيرٍ فتفسح المجال للصوت الأهم: صوت السينما نفسها.

التمثيل… من الأسطورة إلى الإنسان
ربما لا تمتلك منى زكي كاريزما أم كلثوم الأسطورية، لكن الفيلم لا يريد تجسيد الست بصفتها الأسطورة المعهودة، وإنما إنسانةً من لحم ودم. امرأة تفرح، تحزن، تمرض، تمزح، تخطئ، وتراجع نفسها.
رصدت زكي بنجاح تحولات الشخصية الانفعالية ويمكن تقبّل حضورها إذا ابتعدنا عن المقارنة تبعاً للشكل، وربما كان إبقاؤها أقرب إلى ذاتها بعيداً عن توخي الماكيير تقريبها شكلياً كخيارٍ إخراجيٍ لتعزيز الصدق في الأداء وتعابير الوجه.
راكم فيلم “الست” لحظاتٍ مختلفةً من حياة كوكب الشرق أم كلثوم، يتقاطع فيها الإنساني مع النسوي، ويتسلل البعد القومي إليها بتهذيب، ليفجرها في ثلاثة أحداثٍ عظيمةٍ متتاليةٍ في نهايته: بدءاً من حملات التبرع بالمصاغ التي قادتها، ثم حفل الأوليمبيا التاريخي في باريس ضمن جولتها الموسيقية لدعم المجهود الحربي، وصولاً إلى الجنازة المهيبة التي خرج فيها الملايين لتوديع ملكتهم. فعبر ساعتين ونصف، نجح الشريط المعاش بالحواس في بعثها إلى الحياة، ثم جعلنا نعيش مرارة الفقد وفداحته.
وعليه، يمكن لنا الزعم أن “الست” خاض رهانه الأصعب وخرج منتصراً، بأن جعل الصورة تطرب كما يطرب الغناء. في مفارقةٍ نادرة، لم تستدع عظمة سيدة الغناء العربي عبر اكتمال الصوت فحسب، بل عبر بناء بصري حسّي جعل من الكادر إيقاعاً، ومن المونتاج نَفَساً، ومن المقاطع الكلثومية المباغتة طعنات خناجر تردي المشاهدين مقتلاً. كمعركة نسوية داخل بنية سياسية متقلّبة: امرأة تفاوض سلطة الأب، وتواجه عنفاً وتسلطاً وتهديداً، ثم تتحول إلى فاعلة عامة لا مجرد صوت. يربط الفيلم صعودها بمصر الملكية ثم المشروع القومي، ويجعل من الفن أداة مقاومة بعد 1967، ومن الجسد قراراً سياسياً ضد القوالب الجندريةمن الدهشة إلى الرؤيةيسكنني فيلم الست ويدفعني إليه مرةً ثانية. وهذه المرة، هدأت الدهشة، لكن المتعة ازدادت. تحوّلت الانفعالات إلى ملاحظات، والصورة إلى مادة تحليل، والافتتان إلى وعي بخيارات إخراجية دقيقة. لم يعد الشريط حدثاً عاطفياً فحسب، بل صار نصاً بصرياً يمكن تفكيكه، والوقوف عند بنيته، وتيماته، وأدواته، فـ “الست” ليس فيلم سيرة تقليدي، ولا فيلماً غنائياً أو وثائقياً، بل هو فيلم حالة ذات مفعول تراكمي مآله الانفجار، تاركاً خلفه تجربة لا تهدأ بسهولة. يراهن على السينما بوصفها فناً قادراً على الطرب بدوره، وعلى مقاربة شخصية أسطورية من خلال أنسنتها، لا عبر تضخيمها، فهي ليست بحاجة إلى ذلك. بنية السرد: سقوطٌ يؤطّر المجداعتمد الكاتب أحمد مراد في “الست” بنية سردية غير خطيّة، لكنها ليست اعتباطية ولا مُربِكة كما اتُّهم أحياناً، بل محكومة بتيمات واضحة: كيف صارت السيدة أم كلثوم إبراهيم كوكبَ الشرق؟ يفتتح الفيلم بلحظة صادمة: سقوط أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا، لا بوصفها نهايةً محتملة، بل كسؤالٍ معلّقٍ يتكئ عليه الزمن كله. من هذه اللحظة، يتراجع السرد إلى البدايات، ثم يعود، ويتشظّى، ويعيد ترتيب الذاكرة وفق منطق الشعور لا التوثيق، فالسرد هنا تراكمي. لا يهتم بإحصاء المحطات بقدر ما يهتم بما تتركه من أثر داخلي. لذلك تُطرح الطفولة، والحب، والمرض، والخيبات، والانتصارات، وساعات العمل الطويلة بوصفها حالات شعورية متناوبة، لا كوقائع تاريخية مصفوفة. تعود لحظة السقوط في منتصف الفيلم ونهايته لتُعيد تأطير المعنى: ما بدا ضعفاً في البداية يلمّح في المنتصف إلى دور السياسة والصحافة في إعادة صوغ الوقائع من وجهة نظرها، ويزيد التشويق والتوق لمعرفة ماذا حدث فعلاً، ثم مع اكتمال هذا المشهد في الختام، يظهر حدث الوقوع كذروة مطلقة للمكانة الأسطورية لسوما، فالسقوط لا يعود سقوطاً، بل علامة من علامات التقديس، واندفاع الحب الشعبي إلى أقصاه حين يقتحم المعجب المسرح لتقبيل قدمها. بهذا البناء الدائري، يحوّل الفيلم “الهشاشة” إلى مفتاح قراءة، ويجعل من السرد نفسه فعلَ إنصاف: إنصافٌ لإنسانةٍ عظيمةٍ لم تُختزل يوماً في الصعود فقط، بل في قدرتها على النهوض ومن ثم بلوغ المجد.وإلى ذلك، لم يغفل مراد إدراج بعض المواقف الطريفة على الفيلم لتضفي تكاملاً يحاكي الحياة المعاشة. مثل المشهد اللطيف لشخصية ضابط التحقيق (أحمد حلمي) وخروج شخصيتيّ أم كلثوم ومحمد القصبجي عن رصانتهما المعهودة فيه.عنصر التكثيف… اختيار ما يُروى وما يُسكت عنهمنذ البداية، يعلن الفيلم خياره الجوهري: التكثيف. عدد الشخصيات محدودٌ، والوقائع منتقاةٌ، والزمن يُضغط لصالح الدلالة لا الاستعراض، فبالنسبة للعائلة، كان التركيز على رجال تلك الأسرة الذين رافقوا سيدة الغناء العربي، أم كلثوم، في رحلتها الفنية، وبشكل خاص والدها إبراهيم البلتاجي (سيد رجب) بوصفه الداعم الأول.يُمنَح الأب حضوراً محورياً، لأنه المفتاح الأول لفهم شخصية أم كلثوم. هو من جال بها في الريف، وغنّى معها الموشحات الدينية، ومن دعم موهبتها، لكنه أيضاً مارس عليها شيئاً من القمع حين شعر أن “سمعتها” باتت مهدَّدة. العلاقة بينهما تتأرجح بين الوفاق والخلاف، بين الحماية والتسلط. حين يقرر إعادتها إلى قريتها السنبلاوين بعد أن بدأت الألسن تدور عنها، تتخذ قراراً قيادياً: تعود معه إلى الريف، لكنها ترفض الغناء في الموالد والاحتفالات الدينية ــ قرارٌ ذكيٌ يجنبها الصدام ومعاندة الأب، وهنا يظهر أخوها خالد حليفاً لها، فيقتنع والدهما من جهته.ذلك لم يكن تفصيلاً سردياً، وإنما تأسيس مبكر لشخصية امرأةٍ تفاوض السلطة الأبوية، لا تنكسر لها.وفي مشهد بالغ القسوة، حين يهددها رجل سكران بالسلاح لتغني “شيئاً معاصراً”، ترفض تلك اليافعة الانصياع لرغبته. فما كان من والدها إلا أن ضربها ليمتصّ غضب الرجل. هنا، يرصد هذا الحدث المخاطر التي واجهتها بمسيرتها المحفوفة بالمشقة، ويحافظ على التشويق، وكذا يلمح إلى العنف ضد المرأة، فتدخل الموسيقا كتعليق شعري حين نسمع من الأطلال: (أعطني حريتي أطلق يديّ).ويبدو أن تغييب الأم والأخت خيارٌ واعٍ، فلا حضور حقيقي لهما إلا في لقطاتٍ عابرةٍ باعتباره خياراً إخراجياً متعمداً لتجنّب التشتيت والإطالة، وللحفاظ على تركيز السرد حول الصراع المركزي.ثم يأتينا تكثيف المسار الفني. فالفيلم لا يغرق في أسماء الملحنين والشعراء، ولا يحوّل نفسه إلى أرشيف، وإنما يختار محطاتٍ مفصليةً ضمن حفلات كوكب الشرق أو تعقيباً عبر الموسيقا على بعض الأحداث:محمد عبد الوهاب في أنت عمري، خلال حفل الأوليمبيا في باريس، حيث تنتهي الرحلة قبل مشهد الجنازة، في إحالةٍ ذكيةٍ إلى شراكةٍ خالدةٍ حصلت بينهما.بليغ حمدي في ألف ليلة وليلة، التي تتحول إلى لازمةٍ شعوريةٍ، حيث تتكرر “يا حبيبي” كتعليق على لحظات الحب في حياة بطلتنا، والأكثر حباً ووجعاً: عندما صاحبت موكب التشييع حتى بلوغ التيترات.محمد الموجي في مصر التي في خاطري والتي غنتها في الذكرى الأولى لثورة يوليو.إضافة إلى الأطلال لإبراهيم ناجي ورياض السنباطي، وانا في انتظارك لمحمود بيرم التونسي وزكريا أحمد. أما أحمد رامي والقصبجي فهما حاضرين في الحكاية. الكاميرا بوصفها وسيط حبفي مشهد لقاء سوما مع شريف صبري، خال الملك فاروق، يُدار الحوار بلا كلامٍ تقريباً بل عبر تبادلهما التصوير بالكاميرا. إيقاع المشهد حيويٌ وحركة كاميرا المخرج مروان حامد رشيقةٌ، حميمةٌ، تخلق قرباً وتنقل لنا أم كلثوم الواقعة في الحب دون المساس بهالتها. ومن خلفهما الأهرامات مع أشعة الشمس ليبدو المشهد نابضاً بالحياة ومفعماً بسحر البدايات. لأول مرة تظهر سوما بالبنطلون. لونه بيج يحاكي لون الأهرامات. أليست الست هي الهرم الرابع؟التيمة النسوية… امرأة تقود وامرأة تساند وأخرى تحطميتبنى الفيلم وضوحاً تيمةً نسوية، لا عبر الشعارات، بل عبر الوقائع، فهو يرتكز على ثلاث سيداتٍ بأدوار مفصليةٍ درامياً: أم كلثوم: امرأةٌ قائدة، سبقت الثورة بثوريتها، أصبحت أول نقيبٍ للموسيقيين وانتقدت في مجلتها تردي أحوال الناس في عهد الملك. آخر الأمر، إنها كوكب الشرق: الشخصية رقم واحد في العالم العربي في القرن العشرين، وفق مفهوم الزمن لمقاربة الخلود والأثر الحقيقي حتى يومنا هذا.فريال: امرأةٌ نسويةٌ من الطبقة الأرستوقراطية، تلعب دور المنقذة الأولى للسيدة أم كلثوم وتمهد إلى انطلاقها صوب العالم من القاهرة لأول مرة وخارج الجلباب الأبوي.الملكة نازلي: الخصم الندّ. حضورها محدود، لكنه ذو رمزيةٍ كبيرةٍ وتأثيرٍ عميق، فهي الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تمسّ أم كلثوم في عمقها عبر الشريط البالغ ساعتين ونصف.بالعودة إلى البدايات، تُقابل أم كلثوم بالرفض، في بيت أحد الباشاوات بسبب مظهرها الريفي وزيها الرجالي، فقد اعتادت أن تلبس العقال منذ صغرها في جولات الإنشاد الديني، وهنا تتدخل فريال، ابنة الباشا، التي تحتوي الموقف، وتلبسها زياً أنثوياً ومعاصراً، تقنعها به قائلة:”نحن في سنة 24… النساء خلعت البرقع”.تلك جملةٌ تصفع الحاضر عبر الماضي، وتفتح مقارنةً موجعةً بين (1924 و2024). مئة عامٍ مضت، حين بدأت المرأة اقتحام المجال العام بشجاعة، فيما نعيش اليوم زمناً أكثر ارتباكاً، بل وأقل يقيناً بحقوق النساء في عالمنا العربي. أما عن وجهة نظر أم كلثوم في الزواج فهي استثنائيةٌ في زمنها لامرأة طموحها لا يشق له غبار: لما سألها صحفي: “لماذا لم تتزوجي وقد غنّيتِ أكثر من مئة أغنية عن الحب؟”تجيب: “طباخ السم لا يذوقه”، ثم تضيف: ” لمَ لا تسألني لماذا لا توجد امرأة مصرية تكتب؟” وبالفعل، ترفض عرض الزواج من الشاعر أحمد رامي، لأنها لا تريد أن تحد طموحها بتكوين أسرة، فذلك من شأنه أن يجعلها تتراجع إلى الوراء بسبب هذا الالتزام، وأيضاً، فهي لن تعود ملهمةً له شعرياً. وبذلك، تبقى العلاقة بينهما أبدية، تتجاوز الجسد إلى الخلود.وفي ملمح آخر للتيمة النسوية في الفيلم تنجح سوما في أن تصبح أول نقيب للموسيقيين، وتفضح نفاق أحد العازفين بحوار سريع، يُجتزأ منه بتصرف: “عزفتَ معي 12 مرة، ومع غيري 3 مرات… كيف لا تنتخبني؟” إذ تجعله يعيد حساباته بخصوص بنية تفكيره المتحيزة على أساس الجنس.قرار صعب… لبّ الفيلم ونقطة انعطاف لا في الفيلم وحسب بل في تاريخ الأغنية العربية:إذا كانت بنية الفيلم متشظيةً في معظمها فهي مع ذلك تسير وفقاً لخطوطٍ خفيةٍ تشكّل ذرىً متفرقةً هنا وهناك، ولعل قرارها في الامتناع عن إجراء عملية لاستئصال الورم قرب الغدة هو بيت القصيد أو مقولة الفيلم: المجد يتطلب تضحيات. فعبر هذا القرار توضع بطلتنا على المحك: إما الغناء أو الجمال والأمومة. ألا يشكل قرارها في التعايش مع المرض ثورةً على الصورة النمطية للدور الجندري الذي أُطرت فيه المرأة؟بل إنه قرار امرأة تضع الفن فوق الجسد، والرسالة فوق الذات، وإذ نالت الست المجد على أثره فقد حظي الجمهور العربي بكنز خالد، وما نراه من استماتة في الدفاع عن صورتها بين كارهٍ للفيلم ومعجبٍ به يؤكد امتنانه لعظمتها عبر العقود.البعد القومي: حين كانت مصر تقود القطار العربيينجح “الست” في ترسيخ بعدٍ قوميٍ عميق، لا عبر الخطب، بل عبر السياق التاريخي والوجداني. فالفيلم لا يحكي فقط سيرة فنانةٍ استثنائية، بل يستعيد قرناً عربياً بأكمله، منذ الاستعمار الأوروبي، مروراً بمشروع الدول القومية، وصولاً إلى نكسة حزيران 1967، وما تلاها من محاولة ترميم الكرامة العربية.في هذا السياق، تبدو أم كلثوم أكثر من مطربة: إنها صوت زمن. زمن كانت فيه مصر، وإلى جانبها سوريا، في صدارة المشروع القومي العربي، تقود القطار سياسياً وثقافياً، وتشكّل مركز الثقل الوجداني للعرب. لذلك، لا يعمل الفيلم على قومنة الشخصية قسراً، بل يترك الوقائع تقوم بالمهمة: حفلاتها، جمهورها العابر للحدود، وحضورها كمرجعية ثقافية جامعة.تبلغ هذه الدلالة ذروتها بعد النكسة. هنا، لا يقدّم الفيلم أم كلثوم كشاهدةٍ على الهزيمة، بل كفاعلةٍ في تحويلها. قرارها تنظيم حفلاتٍ لدعم المجهود الحربي، وجمع التبرعات، ليس مجرد حدثٍ تاريخي، بل فعلٌ رمزي: الفن بوصفه أداة مقاومةٍ وجدانية.إنه انتقال من المجد الفردي إلى المسؤولية الجماعية، ومن الحزن إلى التمهيد المعنوي لحرب تشرين/أكتوبر والتي شكّلت، بطريقة ما، ردّ اعتبار على هزيمة النكسة في الخامس من حزيران/يونيو 1967.ولعلّ مشهد اقتحام المعجب الجزائري للمسرح في حفل الأوليمبيا يحمل دلالةً قوميةً مكثفة: أم كلثوم ليست بطلة مصر فقط، بل بطلة الشرق كله. وهذا المشهد يعيد تعريف “السقوط” بوصفه صعوداً وسمواً. من هذا المنظور، يفسَّر الأثر الوجداني العميق الذي يتركه الفيلم لدى الجمهور السوري تحديداً. فالتقاطع التاريخي والسياسي بين سوريا ومصر، وتجربة القومية العربية المشتركة، يجعل من “الست” استعادة لزمن كان فيه للأحلام الكبرى مكان، وللكرامة العربية حظوةٌ أعلى مما نعيشه اليوم.وهذا ما يفسر خروج الكثيرين من الصالة بدموعٍ مزدوجة. دموع فخرٍ وتأثرٍ برحيل كوكب الشرق، ودموعٌ فيها شيءٌ من خيبةٍ من الحاضر، فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، سُحب البساط من المشروع العربي الجامع، وحلّت محله سيولة المفاهيم، وتمييع الهوية، وتصدر الفن الاستهلاكي السريع، في مقابل أصالةٍ كانت يوماً جزءاً من الوجدان الجمعي، ولا تزال الملاذ الآمن للكثيرين وسط هذا الواقع الجديد. بهذا المعنى، يصبح “الست” تذكيراً، غير مباشر، بدور الفن الأصيل في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع العربي، وبزمن كان فيه هذا الصوت العربي الكبير قادراً على جمع الشعوب.الصورة… حين تتكلم الكادراتإننا أمام سينما تراهن على الصورة. الحوارات مكثفة، والكادرات هي التي تنطق على حساب الكلام، فهو فيلم إبهار بصري يعتمد على ما لم يقل وعلى نقل الزخم عبر لقطاتٍ قريبةٍ تنقل مشاعر الشخصيات بواسطة تعابير الممثلين. تجلى هذا وبتأثير ذي وتيرة تصاعدية في علاقة السمّيعة معها. فجمهور السمّيعة انتقل في شكله من نشوة الطرب إلى حالةٍ من الوجد الصوفي مع التصاعد الدرامي للفيلم، إذ أفرد “الست” مساحةً مركزيةً للجمهور تولت إيصالها الكاميرا، لا الموسيقا التصويرية ولا الحوارات أو حتى الهتافات. ففي الحفلات الأولى، نرى وجوهاً سعيدة، منتشيةً طرباً: لقطاتٌ قريبةٌ على الابتسامات، والعيون الشغوفة، ولاحقاً، يتحول التلقي إلى حالة من الوجد: عيونٌ معلقةٌ إلى الأعلى، دمعةٌ، ابتهالٌ، كل هذا مصحوبٌ بحركةٍ بطيئةٍ (سلو موشن) وخلفياتٍ سوداء، وكأن المستمع دخل عالمه الروحي الخاص في ذروةٍ طربيةٍ على أنغام أنا في انتظارك. الصراع الدرامي على أشُدّه عبر حوار بصري ناشب بين أم كلثوم والملكة نزلي يسبق دخول أم كثوم حفلتها التي يحضرها الملك فاروق ووالدته أن تتلقى رسالةً من شريف (أخو الملكة) تُعلمها برحيله بعد أن تدخلت شقيقته نزلي في قراره. خلال وقوف الست على المسرح وهي تغني “حب إيه” تتناوب اللقطات بينها وبين الملكة. كاميرا تواجه كاميرا. نظرةٌ مقابل نظرة. خصومةٌ أنثويةٌ صامتة، تُدار بالصورة لا بالكلام. كادراتٌ قريبةٌ وتصعيدٌ قابلٌ للانفجار. في مشهدٍ بصريٍ قصير، إلا أنه قد يتحول إلى أيقونيٍ يدوم طويلاً في الأذهان. نيللي كريم قالت كل شيء بأنفها المشرئب المدبب، وذقنها المتوترة وفمها المشدود المقفل.في هذا المشهد، كانت براكين سوما تغلي من الداخل، نيران ألم تجيش في صدرها وهي تغني مقطع “بعتني وبعت قلبي ليه”، فيما الجمهور يتلقى أمواجاً من أحاسيسها بمتعةٍ خالصةٍ من السعادة والإعجاب الغامر.وهذه تيمةٌ بارزةٌ أخرى تبثّها الصورة للمتلقي عن الفرق الجوهري بين الفنان الذي يعاني، والجمهور الذي يُداوى بالفن. المطرب الذي ينزف قلبه وحنجرته والمستمع الذي ينعم بالنتيجة دون قدرته على تخيّل درب الألم الذي يسير عليه من يصنعون الخلود. وهنا أيضاً يناوب حامد في التقطيع بين أم كلثوم الحانقة والجمهور الهائم بسعادته لإبراز الفرق بينهما، فتصل هذه المشاعر المؤلمة؛ هذه الحقيقة المرة لنا باقتدار.الألوان داكنة عموماً، يتخللها مشاهد بالأبيض والأسود، استخدمت في البداية للدلالة على الماضي، ثم تحول استعمالها لرصد المزاج النفسي السيئ من عزلة وأسى الست. حين تتلقى اتصالاً من مكتب الرئاسة، يكون المشهد بالأبيض والأسود، بعد ابتعادها عن جمهورها مدة عامٍ إثر نسبها إلى العهد البائد، لتعود الألوان إليها مع عودتها لفنها أثناء التحضير لحفل إحياء الذكرى الأولى لثورة يوليو.اللون الأحمر والذرى النفسية: في مشهد اتخاذها لقرار رفض إجراء الجراحة، تظهر في لقطة عامة، تدخن بحبور، وخلفها جدار أحمر. اللون الأحمر دلالة على الشغف والجرأة: ذاك القرار التاريخي.يلي ذلك ارتداءها الأحمر لأول مرة وهي توزع الهدايا على الأطفال. حب أمومي متسامٍ، مشبعٌ بالتضحية. حبٌ وحسرةٌ في آن معاً.أما المونتاج، فإيقاعه سريع، ينسجم مع حركة الكاميرا، ومعاً يقدمان شريطاً رشيقاً حابساً للأنفاس على طول الفيلم، فيما تكون اللقطات القريبة ثابتةٍ ويتخللها إبطاء الحركة (سلو موشن) في اللحظات المفصلية لنقل الزخم الشعوري إلى المشاهدين. حين تُنصت السينما للصوت بدل أن تتكئ عليهيتعامل “الست” مع الموسيقا لا بوصفها مادةً جاهزةً للنوستالجيا، بل كعنصرٍ دراميٍ مستقلٍ يخضع لمنطق السرد. على غير المتوقع، الفيلم عن سيرة أعظم صوت عربي، لا يُغرق المشاهد في أرشيف أم كلثوم، بل يقلّل حضوره عمداً، في قرار يحرر الصورة من هيمنة الأغنية. تنقسم البنية الصوتية في الفيلم إلى ثلاث طبقاتٍ متمايزة:أولًا، الموسيقا التصويرية غير الغنائية، التي تميل في بدايات الفيلم إلى إيقاعاتٍ غربيةٍ قريبةٍ من الجاز، وتُستخدم خصوصاً في مراحل ما قبل اكتمال “الأسطورة”. هذا الخيار لا يهدف ربما إلى التغريب، بل إلى خلق مسافةٍ زمنيةٍ وشعوريةٍ بين الشخصية وهي في طور التشكل، وبين الصوت الذي سيصبح لاحقاً مرجعاً كاسحاً للطرب الشرقي. يساهم هذا التمايز أيضاً في شدّ الإيقاع العام لفيلمٍ طويلٍ نسبياً، وكذا من شأنه أن يمنح المشاهد غير العربي والأجيال الجديدة مدخلاً سمعياً سلساً، وإن كانت هناك مبالغةٌ في استخدامه وصدمةٌ في اختياره للوهلة الأولى. وتغدو الموسيقا التصويرية ملحميةً في لحظات الافتخار الوطني ولا سيما عندما أطلقت الست حملة تبرعاتٍ لدعم المجهود الحربي.ثانياً، الأغاني المختارة من رصيد أم كلثوم، التي تأتي كتعليقاتٍ داخليةٍ على الحالة النفسية للشخصية. تدخل الأغنية جزئياً، أو عبر لازمةٍ واحدة، أو مقطعٍ محدد، وغالباً تُقاطع أو تُحاط بالصورة بدل أن تقودها. هنا تصبح الأغنية لغةً باطنية: تعتمد على الإيحاء، لا عرضاً طربياً، وبالتالي، يعاد توظيفها درامياً لا احتفالياً.ثالثاً، التدخلات الصوتية الإلكترونية (بادpad – ) المصاحبة لصوت أم كلثوم كخلفيةٍ تصنع جسراً بين النغمة والصورة فتضفي على الغناء طابعاً شبه طقسي، قريباً من القداس. هذا المزج لا يُضعف الصوت الأصلي، بل يعظّمه، ويضعه في مقامٍ رمزيٍ أسمى، يتماهى وحالة الوجد الصوفي عند المتلقي. ويخلق حالةً متكاملةً تنقل اللحظة من السمّيعة إلى المشاهدين فيصبح جمهور السينما بطريقةٍ ما جزءاً من الحدث – مطروبين بدورهم.ولا يقل الصمت أهميةً عن الموسيقا في هذا البناء. لحظات الصمت المدروسة تتيح للصورة أن تتنفس، وللمشاعر أن تُقال بلا وسيط، وتؤكد أن الفيلم لا يخشى الفراغ السمعي، بل يستخدمه كأداة تعبيرٍ فتفسح المجال للصوت الأهم: صوت السينما نفسها.التمثيل… من الأسطورة إلى الإنسانربما لا تمتلك منى زكي كاريزما أم كلثوم الأسطورية، لكن الفيلم لا يريد تجسيد الست بصفتها الأسطورة المعهودة، وإنما إنسانةً من لحم ودم. امرأة تفرح، تحزن، تمرض، تمزح، تخطئ، وتراجع نفسها.رصدت زكي بنجاح تحولات الشخصية الانفعالية ويمكن تقبّل حضورها إذا ابتعدنا عن المقارنة تبعاً للشكل، وربما كان إبقاؤها أقرب إلى ذاتها بعيداً عن توخي الماكيير تقريبها شكلياً كخيارٍ إخراجيٍ لتعزيز الصدق في الأداء وتعابير الوجه.راكم فيلم “الست” لحظاتٍ مختلفةً من حياة كوكب الشرق أم كلثوم، يتقاطع فيها الإنساني مع النسوي، ويتسلل البعد القومي إليها بتهذيب، ليفجرها في ثلاثة أحداثٍ عظيمةٍ متتاليةٍ في نهايته: بدءاً من حملات التبرع بالمصاغ التي قادتها، ثم حفل الأوليمبيا التاريخي في باريس ضمن جولتها الموسيقية لدعم المجهود الحربي، وصولاً إلى الجنازة المهيبة التي خرج فيها الملايين لتوديع ملكتهم. فعبر ساعتين ونصف، نجح الشريط المعاش بالحواس في بعثها إلى الحياة، ثم جعلنا نعيش مرارة الفقد وفداحته.وعليه، يمكن لنا الزعم أن “الست” خاض رهانه الأصعب وخرج منتصراً، بأن جعل الصورة تطرب كما يطرب الغناء. في مفارقةٍ نادرة، لم تستدع عظمة سيدة الغناء العربي عبر اكتمال الصوت فحسب، بل عبر بناء بصري حسّي جعل من الكادر إيقاعاً، ومن المونتاج نَفَساً، ومن المقاطع الكلثومية المباغتة طعنات خناجر تردي المشاهدين مقتلاً.

وسط ما أثاره فيلم الست من ردود أفعال متباينة

وجدل ضخم بين مؤيد ومعارض، وكل رأي يحمل وجاهته من بعض النواحي، استوقفني هذا المقال الذي كتبته المخرجة العزيزة رشا ملحم لأنه يحمل قراءة بعين المخرج الدارس، ولأن أستاذة رشا بعيدة عن الصخب الدائر حول الفيلم وصناعه والانحياز لهم أو ضدهم! ولذلك أشاركه على صفحتي، ويبقى أيضًا كامل الاحترام لكل الآراء التي تناولت الفيلم سواء إيجابيًا أو سلبيًا، ومشاركة المقال تقدم دعوة للقراءة من زاوية مختلفة ومتخصصة ولا تجور على اختلاف وجهات النظر. ************كتبت رشا ملحمالست: أم كلثوم.. نسوية بلا شعارات يقرأ فيلم «#الستّ» سيرة #أم_كلثوم كمعركة نسوية داخل بنية سياسية متقلّبة: امرأة تفاوض سلطة الأب، وتواجه عنفاً وتسلطاً وتهديداً، ثم تتحول إلى فاعلة عامة لا مجرد صوت. يربط الفيلم صعودها بمصر الملكية ثم المشروع القومي، ويجعل من الفن أداة مقاومة بعد 1967، ومن الجسد قراراً سياسياً ضد القوالب الجندريةمن الدهشة إلى الرؤيةيسكنني فيلم الست ويدفعني إليه مرةً ثانية. وهذه المرة، هدأت الدهشة، لكن المتعة ازدادت. تحوّلت الانفعالات إلى ملاحظات، والصورة إلى مادة تحليل، والافتتان إلى وعي بخيارات إخراجية دقيقة. لم يعد الشريط حدثاً عاطفياً فحسب، بل صار نصاً بصرياً يمكن تفكيكه، والوقوف عند بنيته، وتيماته، وأدواته، فـ “الست” ليس فيلم سيرة تقليدي، ولا فيلماً غنائياً أو وثائقياً، بل هو فيلم حالة ذات مفعول تراكمي مآله الانفجار، تاركاً خلفه تجربة لا تهدأ بسهولة. يراهن على السينما بوصفها فناً قادراً على الطرب بدوره، وعلى مقاربة شخصية أسطورية من خلال أنسنتها، لا عبر تضخيمها، فهي ليست بحاجة إلى ذلك. بنية السرد: سقوطٌ يؤطّر المجداعتمد الكاتب أحمد مراد في “الست” بنية سردية غير خطيّة، لكنها ليست اعتباطية ولا مُربِكة كما اتُّهم أحياناً، بل محكومة بتيمات واضحة: كيف صارت السيدة أم كلثوم إبراهيم كوكبَ الشرق؟ يفتتح الفيلم بلحظة صادمة: سقوط أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا، لا بوصفها نهايةً محتملة، بل كسؤالٍ معلّقٍ يتكئ عليه الزمن كله. من هذه اللحظة، يتراجع السرد إلى البدايات، ثم يعود، ويتشظّى، ويعيد ترتيب الذاكرة وفق منطق الشعور لا التوثيق، فالسرد هنا تراكمي. لا يهتم بإحصاء المحطات بقدر ما يهتم بما تتركه من أثر داخلي. لذلك تُطرح الطفولة، والحب، والمرض، والخيبات، والانتصارات، وساعات العمل الطويلة بوصفها حالات شعورية متناوبة، لا كوقائع تاريخية مصفوفة. تعود لحظة السقوط في منتصف الفيلم ونهايته لتُعيد تأطير المعنى: ما بدا ضعفاً في البداية يلمّح في المنتصف إلى دور السياسة والصحافة في إعادة صوغ الوقائع من وجهة نظرها، ويزيد التشويق والتوق لمعرفة ماذا حدث فعلاً، ثم مع اكتمال هذا المشهد في الختام، يظهر حدث الوقوع كذروة مطلقة للمكانة الأسطورية لسوما، فالسقوط لا يعود سقوطاً، بل علامة من علامات التقديس، واندفاع الحب الشعبي إلى أقصاه حين يقتحم المعجب المسرح لتقبيل قدمها. بهذا البناء الدائري، يحوّل الفيلم “الهشاشة” إلى مفتاح قراءة، ويجعل من السرد نفسه فعلَ إنصاف: إنصافٌ لإنسانةٍ عظيمةٍ لم تُختزل يوماً في الصعود فقط، بل في قدرتها على النهوض ومن ثم بلوغ المجد.وإلى ذلك، لم يغفل مراد إدراج بعض المواقف الطريفة على الفيلم لتضفي تكاملاً يحاكي الحياة المعاشة. مثل المشهد اللطيف لشخصية ضابط التحقيق (أحمد حلمي) وخروج شخصيتيّ أم كلثوم ومحمد القصبجي عن رصانتهما المعهودة فيه.عنصر التكثيف… اختيار ما يُروى وما يُسكت عنهمنذ البداية، يعلن الفيلم خياره الجوهري: التكثيف. عدد الشخصيات محدودٌ، والوقائع منتقاةٌ، والزمن يُضغط لصالح الدلالة لا الاستعراض، فبالنسبة للعائلة، كان التركيز على رجال تلك الأسرة الذين رافقوا سيدة الغناء العربي، أم كلثوم، في رحلتها الفنية، وبشكل خاص والدها إبراهيم البلتاجي (سيد رجب) بوصفه الداعم الأول.يُمنَح الأب حضوراً محورياً، لأنه المفتاح الأول لفهم شخصية أم كلثوم. هو من جال بها في الريف، وغنّى معها الموشحات الدينية، ومن دعم موهبتها، لكنه أيضاً مارس عليها شيئاً من القمع حين شعر أن “سمعتها” باتت مهدَّدة. العلاقة بينهما تتأرجح بين الوفاق والخلاف، بين الحماية والتسلط. حين يقرر إعادتها إلى قريتها السنبلاوين بعد أن بدأت الألسن تدور عنها، تتخذ قراراً قيادياً: تعود معه إلى الريف، لكنها ترفض الغناء في الموالد والاحتفالات الدينية ــ قرارٌ ذكيٌ يجنبها الصدام ومعاندة الأب، وهنا يظهر أخوها خالد حليفاً لها، فيقتنع والدهما من جهته.ذلك لم يكن تفصيلاً سردياً، وإنما تأسيس مبكر لشخصية امرأةٍ تفاوض السلطة الأبوية، لا تنكسر لها.وفي مشهد بالغ القسوة، حين يهددها رجل سكران بالسلاح لتغني “شيئاً معاصراً”، ترفض تلك اليافعة الانصياع لرغبته. فما كان من والدها إلا أن ضربها ليمتصّ غضب الرجل. هنا، يرصد هذا الحدث المخاطر التي واجهتها بمسيرتها المحفوفة بالمشقة، ويحافظ على التشويق، وكذا يلمح إلى العنف ضد المرأة، فتدخل الموسيقا كتعليق شعري حين نسمع من الأطلال: (أعطني حريتي أطلق يديّ).ويبدو أن تغييب الأم والأخت خيارٌ واعٍ، فلا حضور حقيقي لهما إلا في لقطاتٍ عابرةٍ باعتباره خياراً إخراجياً متعمداً لتجنّب التشتيت والإطالة، وللحفاظ على تركيز السرد حول الصراع المركزي.ثم يأتينا تكثيف المسار الفني. فالفيلم لا يغرق في أسماء الملحنين والشعراء، ولا يحوّل نفسه إلى أرشيف، وإنما يختار محطاتٍ مفصليةً ضمن حفلات كوكب الشرق أو تعقيباً عبر الموسيقا على بعض الأحداث:محمد عبد الوهاب في أنت عمري، خلال حفل الأوليمبيا في باريس، حيث تنتهي الرحلة قبل مشهد الجنازة، في إحالةٍ ذكيةٍ إلى شراكةٍ خالدةٍ حصلت بينهما.بليغ حمدي في ألف ليلة وليلة، التي تتحول إلى لازمةٍ شعوريةٍ، حيث تتكرر “يا حبيبي” كتعليق على لحظات الحب في حياة بطلتنا، والأكثر حباً ووجعاً: عندما صاحبت موكب التشييع حتى بلوغ التيترات.محمد الموجي في مصر التي في خاطري والتي غنتها في الذكرى الأولى لثورة يوليو.إضافة إلى الأطلال لإبراهيم ناجي ورياض السنباطي، وانا في انتظارك لمحمود بيرم التونسي وزكريا أحمد. أما أحمد رامي والقصبجي فهما حاضرين في الحكاية. الكاميرا بوصفها وسيط حبفي مشهد لقاء سوما مع شريف صبري، خال الملك فاروق، يُدار الحوار بلا كلامٍ تقريباً بل عبر تبادلهما التصوير بالكاميرا. إيقاع المشهد حيويٌ وحركة كاميرا المخرج مروان حامد رشيقةٌ، حميمةٌ، تخلق قرباً وتنقل لنا أم كلثوم الواقعة في الحب دون المساس بهالتها. ومن خلفهما الأهرامات مع أشعة الشمس ليبدو المشهد نابضاً بالحياة ومفعماً بسحر البدايات. لأول مرة تظهر سوما بالبنطلون. لونه بيج يحاكي لون الأهرامات. أليست الست هي الهرم الرابع؟التيمة النسوية… امرأة تقود وامرأة تساند وأخرى تحطميتبنى الفيلم وضوحاً تيمةً نسوية، لا عبر الشعارات، بل عبر الوقائع، فهو يرتكز على ثلاث سيداتٍ بأدوار مفصليةٍ درامياً: أم كلثوم: امرأةٌ قائدة، سبقت الثورة بثوريتها، أصبحت أول نقيبٍ للموسيقيين وانتقدت في مجلتها تردي أحوال الناس في عهد الملك. آخر الأمر، إنها كوكب الشرق: الشخصية رقم واحد في العالم العربي في القرن العشرين، وفق مفهوم الزمن لمقاربة الخلود والأثر الحقيقي حتى يومنا هذا.فريال: امرأةٌ نسويةٌ من الطبقة الأرستوقراطية، تلعب دور المنقذة الأولى للسيدة أم كلثوم وتمهد إلى انطلاقها صوب العالم من القاهرة لأول مرة وخارج الجلباب الأبوي.الملكة نازلي: الخصم الندّ. حضورها محدود، لكنه ذو رمزيةٍ كبيرةٍ وتأثيرٍ عميق، فهي الشخصية الوحيدة التي استطاعت أن تمسّ أم كلثوم في عمقها عبر الشريط البالغ ساعتين ونصف.بالعودة إلى البدايات، تُقابل أم كلثوم بالرفض، في بيت أحد الباشاوات بسبب مظهرها الريفي وزيها الرجالي، فقد اعتادت أن تلبس العقال منذ صغرها في جولات الإنشاد الديني، وهنا تتدخل فريال، ابنة الباشا، التي تحتوي الموقف، وتلبسها زياً أنثوياً ومعاصراً، تقنعها به قائلة:”نحن في سنة 24… النساء خلعت البرقع”.تلك جملةٌ تصفع الحاضر عبر الماضي، وتفتح مقارنةً موجعةً بين (1924 و2024). مئة عامٍ مضت، حين بدأت المرأة اقتحام المجال العام بشجاعة، فيما نعيش اليوم زمناً أكثر ارتباكاً، بل وأقل يقيناً بحقوق النساء في عالمنا العربي. أما عن وجهة نظر أم كلثوم في الزواج فهي استثنائيةٌ في زمنها لامرأة طموحها لا يشق له غبار: لما سألها صحفي: “لماذا لم تتزوجي وقد غنّيتِ أكثر من مئة أغنية عن الحب؟”تجيب: “طباخ السم لا يذوقه”، ثم تضيف: ” لمَ لا تسألني لماذا لا توجد امرأة مصرية تكتب؟” وبالفعل، ترفض عرض الزواج من الشاعر أحمد رامي، لأنها لا تريد أن تحد طموحها بتكوين أسرة، فذلك من شأنه أن يجعلها تتراجع إلى الوراء بسبب هذا الالتزام، وأيضاً، فهي لن تعود ملهمةً له شعرياً. وبذلك، تبقى العلاقة بينهما أبدية، تتجاوز الجسد إلى الخلود.وفي ملمح آخر للتيمة النسوية في الفيلم تنجح سوما في أن تصبح أول نقيب للموسيقيين، وتفضح نفاق أحد العازفين بحوار سريع، يُجتزأ منه بتصرف: “عزفتَ معي 12 مرة، ومع غيري 3 مرات… كيف لا تنتخبني؟” إذ تجعله يعيد حساباته بخصوص بنية تفكيره المتحيزة على أساس الجنس.قرار صعب… لبّ الفيلم ونقطة انعطاف لا في الفيلم وحسب بل في تاريخ الأغنية العربية:إذا كانت بنية الفيلم متشظيةً في معظمها فهي مع ذلك تسير وفقاً لخطوطٍ خفيةٍ تشكّل ذرىً متفرقةً هنا وهناك، ولعل قرارها في الامتناع عن إجراء عملية لاستئصال الورم قرب الغدة هو بيت القصيد أو مقولة الفيلم: المجد يتطلب تضحيات. فعبر هذا القرار توضع بطلتنا على المحك: إما الغناء أو الجمال والأمومة. ألا يشكل قرارها في التعايش مع المرض ثورةً على الصورة النمطية للدور الجندري الذي أُطرت فيه المرأة؟بل إنه قرار امرأة تضع الفن فوق الجسد، والرسالة فوق الذات، وإذ نالت الست المجد على أثره فقد حظي الجمهور العربي بكنز خالد، وما نراه من استماتة في الدفاع عن صورتها بين كارهٍ للفيلم ومعجبٍ به يؤكد امتنانه لعظمتها عبر العقود.البعد القومي: حين كانت مصر تقود القطار العربيينجح “الست” في ترسيخ بعدٍ قوميٍ عميق، لا عبر الخطب، بل عبر السياق التاريخي والوجداني. فالفيلم لا يحكي فقط سيرة فنانةٍ استثنائية، بل يستعيد قرناً عربياً بأكمله، منذ الاستعمار الأوروبي، مروراً بمشروع الدول القومية، وصولاً إلى نكسة حزيران 1967، وما تلاها من محاولة ترميم الكرامة العربية.في هذا السياق، تبدو أم كلثوم أكثر من مطربة: إنها صوت زمن. زمن كانت فيه مصر، وإلى جانبها سوريا، في صدارة المشروع القومي العربي، تقود القطار سياسياً وثقافياً، وتشكّل مركز الثقل الوجداني للعرب. لذلك، لا يعمل الفيلم على قومنة الشخصية قسراً، بل يترك الوقائع تقوم بالمهمة: حفلاتها، جمهورها العابر للحدود، وحضورها كمرجعية ثقافية جامعة.تبلغ هذه الدلالة ذروتها بعد النكسة. هنا، لا يقدّم الفيلم أم كلثوم كشاهدةٍ على الهزيمة، بل كفاعلةٍ في تحويلها. قرارها تنظيم حفلاتٍ لدعم المجهود الحربي، وجمع التبرعات، ليس مجرد حدثٍ تاريخي، بل فعلٌ رمزي: الفن بوصفه أداة مقاومةٍ وجدانية.إنه انتقال من المجد الفردي إلى المسؤولية الجماعية، ومن الحزن إلى التمهيد المعنوي لحرب تشرين/أكتوبر والتي شكّلت، بطريقة ما، ردّ اعتبار على هزيمة النكسة في الخامس من حزيران/يونيو 1967.ولعلّ مشهد اقتحام المعجب الجزائري للمسرح في حفل الأوليمبيا يحمل دلالةً قوميةً مكثفة: أم كلثوم ليست بطلة مصر فقط، بل بطلة الشرق كله. وهذا المشهد يعيد تعريف “السقوط” بوصفه صعوداً وسمواً. من هذا المنظور، يفسَّر الأثر الوجداني العميق الذي يتركه الفيلم لدى الجمهور السوري تحديداً. فالتقاطع التاريخي والسياسي بين سوريا ومصر، وتجربة القومية العربية المشتركة، يجعل من “الست” استعادة لزمن كان فيه للأحلام الكبرى مكان، وللكرامة العربية حظوةٌ أعلى مما نعيشه اليوم.وهذا ما يفسر خروج الكثيرين من الصالة بدموعٍ مزدوجة. دموع فخرٍ وتأثرٍ برحيل كوكب الشرق، ودموعٌ فيها شيءٌ من خيبةٍ من الحاضر، فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، سُحب البساط من المشروع العربي الجامع، وحلّت محله سيولة المفاهيم، وتمييع الهوية، وتصدر الفن الاستهلاكي السريع، في مقابل أصالةٍ كانت يوماً جزءاً من الوجدان الجمعي، ولا تزال الملاذ الآمن للكثيرين وسط هذا الواقع الجديد. بهذا المعنى، يصبح “الست” تذكيراً، غير مباشر، بدور الفن الأصيل في تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع العربي، وبزمن كان فيه هذا الصوت العربي الكبير قادراً على جمع الشعوب.الصورة… حين تتكلم الكادراتإننا أمام سينما تراهن على الصورة. الحوارات مكثفة، والكادرات هي التي تنطق على حساب الكلام، فهو فيلم إبهار بصري يعتمد على ما لم يقل وعلى نقل الزخم عبر لقطاتٍ قريبةٍ تنقل مشاعر الشخصيات بواسطة تعابير الممثلين. تجلى هذا وبتأثير ذي وتيرة تصاعدية في علاقة السمّيعة معها. فجمهور السمّيعة انتقل في شكله من نشوة الطرب إلى حالةٍ من الوجد الصوفي مع التصاعد الدرامي للفيلم، إذ أفرد “الست” مساحةً مركزيةً للجمهور تولت إيصالها الكاميرا، لا الموسيقا التصويرية ولا الحوارات أو حتى الهتافات. ففي الحفلات الأولى، نرى وجوهاً سعيدة، منتشيةً طرباً: لقطاتٌ قريبةٌ على الابتسامات، والعيون الشغوفة، ولاحقاً، يتحول التلقي إلى حالة من الوجد: عيونٌ معلقةٌ إلى الأعلى، دمعةٌ، ابتهالٌ، كل هذا مصحوبٌ بحركةٍ بطيئةٍ (سلو موشن) وخلفياتٍ سوداء، وكأن المستمع دخل عالمه الروحي الخاص في ذروةٍ طربيةٍ على أنغام أنا في انتظارك. الصراع الدرامي على أشُدّه عبر حوار بصري ناشب بين أم كلثوم والملكة نزلي يسبق دخول أم كثوم حفلتها التي يحضرها الملك فاروق ووالدته أن تتلقى رسالةً من شريف (أخو الملكة) تُعلمها برحيله بعد أن تدخلت شقيقته نزلي في قراره. خلال وقوف الست على المسرح وهي تغني “حب إيه” تتناوب اللقطات بينها وبين الملكة. كاميرا تواجه كاميرا. نظرةٌ مقابل نظرة. خصومةٌ أنثويةٌ صامتة، تُدار بالصورة لا بالكلام. كادراتٌ قريبةٌ وتصعيدٌ قابلٌ للانفجار. في مشهدٍ بصريٍ قصير، إلا أنه قد يتحول إلى أيقونيٍ يدوم طويلاً في الأذهان. نيللي كريم قالت كل شيء بأنفها المشرئب المدبب، وذقنها المتوترة وفمها المشدود المقفل.في هذا المشهد، كانت براكين سوما تغلي من الداخل، نيران ألم تجيش في صدرها وهي تغني مقطع “بعتني وبعت قلبي ليه”، فيما الجمهور يتلقى أمواجاً من أحاسيسها بمتعةٍ خالصةٍ من السعادة والإعجاب الغامر.وهذه تيمةٌ بارزةٌ أخرى تبثّها الصورة للمتلقي عن الفرق الجوهري بين الفنان الذي يعاني، والجمهور الذي يُداوى بالفن. المطرب الذي ينزف قلبه وحنجرته والمستمع الذي ينعم بالنتيجة دون قدرته على تخيّل درب الألم الذي يسير عليه من يصنعون الخلود. وهنا أيضاً يناوب حامد في التقطيع بين أم كلثوم الحانقة والجمهور الهائم بسعادته لإبراز الفرق بينهما، فتصل هذه المشاعر المؤلمة؛ هذه الحقيقة المرة لنا باقتدار.الألوان داكنة عموماً، يتخللها مشاهد بالأبيض والأسود، استخدمت في البداية للدلالة على الماضي، ثم تحول استعمالها لرصد المزاج النفسي السيئ من عزلة وأسى الست. حين تتلقى اتصالاً من مكتب الرئاسة، يكون المشهد بالأبيض والأسود، بعد ابتعادها عن جمهورها مدة عامٍ إثر نسبها إلى العهد البائد، لتعود الألوان إليها مع عودتها لفنها أثناء التحضير لحفل إحياء الذكرى الأولى لثورة يوليو.اللون الأحمر والذرى النفسية: في مشهد اتخاذها لقرار رفض إجراء الجراحة، تظهر في لقطة عامة، تدخن بحبور، وخلفها جدار أحمر. اللون الأحمر دلالة على الشغف والجرأة: ذاك القرار التاريخي.يلي ذلك ارتداءها الأحمر لأول مرة وهي توزع الهدايا على الأطفال. حب أمومي متسامٍ، مشبعٌ بالتضحية. حبٌ وحسرةٌ في آن معاً.أما المونتاج، فإيقاعه سريع، ينسجم مع حركة الكاميرا، ومعاً يقدمان شريطاً رشيقاً حابساً للأنفاس على طول الفيلم، فيما تكون اللقطات القريبة ثابتةٍ ويتخللها إبطاء الحركة (سلو موشن) في اللحظات المفصلية لنقل الزخم الشعوري إلى المشاهدين. حين تُنصت السينما للصوت بدل أن تتكئ عليهيتعامل “الست” مع الموسيقا لا بوصفها مادةً جاهزةً للنوستالجيا، بل كعنصرٍ دراميٍ مستقلٍ يخضع لمنطق السرد. على غير المتوقع، الفيلم عن سيرة أعظم صوت عربي، لا يُغرق المشاهد في أرشيف أم كلثوم، بل يقلّل حضوره عمداً، في قرار يحرر الصورة من هيمنة الأغنية. تنقسم البنية الصوتية في الفيلم إلى ثلاث طبقاتٍ متمايزة:أولًا، الموسيقا التصويرية غير الغنائية، التي تميل في بدايات الفيلم إلى إيقاعاتٍ غربيةٍ قريبةٍ من الجاز، وتُستخدم خصوصاً في مراحل ما قبل اكتمال “الأسطورة”. هذا الخيار لا يهدف ربما إلى التغريب، بل إلى خلق مسافةٍ زمنيةٍ وشعوريةٍ بين الشخصية وهي في طور التشكل، وبين الصوت الذي سيصبح لاحقاً مرجعاً كاسحاً للطرب الشرقي. يساهم هذا التمايز أيضاً في شدّ الإيقاع العام لفيلمٍ طويلٍ نسبياً، وكذا من شأنه أن يمنح المشاهد غير العربي والأجيال الجديدة مدخلاً سمعياً سلساً، وإن كانت هناك مبالغةٌ في استخدامه وصدمةٌ في اختياره للوهلة الأولى. وتغدو الموسيقا التصويرية ملحميةً في لحظات الافتخار الوطني ولا سيما عندما أطلقت الست حملة تبرعاتٍ لدعم المجهود الحربي.ثانياً، الأغاني المختارة من رصيد أم كلثوم، التي تأتي كتعليقاتٍ داخليةٍ على الحالة النفسية للشخصية. تدخل الأغنية جزئياً، أو عبر لازمةٍ واحدة، أو مقطعٍ محدد، وغالباً تُقاطع أو تُحاط بالصورة بدل أن تقودها. هنا تصبح الأغنية لغةً باطنية: تعتمد على الإيحاء، لا عرضاً طربياً، وبالتالي، يعاد توظيفها درامياً لا احتفالياً.ثالثاً، التدخلات الصوتية الإلكترونية (بادpad – ) المصاحبة لصوت أم كلثوم كخلفيةٍ تصنع جسراً بين النغمة والصورة فتضفي على الغناء طابعاً شبه طقسي، قريباً من القداس. هذا المزج لا يُضعف الصوت الأصلي، بل يعظّمه، ويضعه في مقامٍ رمزيٍ أسمى، يتماهى وحالة الوجد الصوفي عند المتلقي. ويخلق حالةً متكاملةً تنقل اللحظة من السمّيعة إلى المشاهدين فيصبح جمهور السينما بطريقةٍ ما جزءاً من الحدث – مطروبين بدورهم.ولا يقل الصمت أهميةً عن الموسيقا في هذا البناء. لحظات الصمت المدروسة تتيح للصورة أن تتنفس، وللمشاعر أن تُقال بلا وسيط، وتؤكد أن الفيلم لا يخشى الفراغ السمعي، بل يستخدمه كأداة تعبيرٍ فتفسح المجال للصوت الأهم: صوت السينما نفسها.التمثيل… من الأسطورة إلى الإنسانربما لا تمتلك منى زكي كاريزما أم كلثوم الأسطورية، لكن الفيلم لا يريد تجسيد الست بصفتها الأسطورة المعهودة، وإنما إنسانةً من لحم ودم. امرأة تفرح، تحزن، تمرض، تمزح، تخطئ، وتراجع نفسها.رصدت زكي بنجاح تحولات الشخصية الانفعالية ويمكن تقبّل حضورها إذا ابتعدنا عن المقارنة تبعاً للشكل، وربما كان إبقاؤها أقرب إلى ذاتها بعيداً عن توخي الماكيير تقريبها شكلياً كخيارٍ إخراجيٍ لتعزيز الصدق في الأداء وتعابير الوجه.راكم فيلم “الست” لحظاتٍ مختلفةً من حياة كوكب الشرق أم كلثوم، يتقاطع فيها الإنساني مع النسوي، ويتسلل البعد القومي إليها بتهذيب، ليفجرها في ثلاثة أحداثٍ عظيمةٍ متتاليةٍ في نهايته: بدءاً من حملات التبرع بالمصاغ التي قادتها، ثم حفل الأوليمبيا التاريخي في باريس ضمن جولتها الموسيقية لدعم المجهود الحربي، وصولاً إلى الجنازة المهيبة التي خرج فيها الملايين لتوديع ملكتهم. فعبر ساعتين ونصف، نجح الشريط المعاش بالحواس في بعثها إلى الحياة، ثم جعلنا نعيش مرارة الفقد وفداحته.وعليه، يمكن لنا الزعم أن “الست” خاض رهانه الأصعب وخرج منتصراً، بأن جعل الصورة تطرب كما يطرب الغناء. في مفارقةٍ نادرة، لم تستدع عظمة سيدة الغناء العربي عبر اكتمال الصوت فحسب، بل عبر بناء بصري حسّي جعل من الكادر إيقاعاً، ومن المونتاج نَفَساً، ومن المقاطع الكلثومية المباغتة طعنات خناجر تردي المشاهدين مقتلاً.
ـسينما العالم ـمجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم