الليدي جين دغبي: من صالون فيكتور هوجو إلى خيمة في بادية حمص، رحلة العمر
تركي المصطفى
قبل أن نبدأ الحكاية، لا بد من وقفة قصيرة عند حال أوروبا في القرن الثامن عشر. كانت القارة العجوز آنذاك تخرج من عصورها الوسطى كما يخرج السجين من زنزانته بعد سنين طويلة: عيناه لا تطيقان النور، ورجلاه ترتجفان، وروحه معلقة بين الماضي الذي ترك خلفه والمستقبل الذي لا يعرف له طريقًا. كانت أوروبا تعيش أزمة أخلاقية عميقة، بين انهيار القيم القديمة وبطء بناء قيم جديدة. وكثيرًا ما يحدث في مثل هذه المراحل الانتقالية أن يضرب اليأس في قلوب الناس، فيبحثون عن الخلاص في أي مكان. بعضهم بحث في الثورات، وبعضهم بحث في المال، وبعضهم بحث في المغامرات… وواحدة منهم، هي بطلتنا اليوم، بحثت عنه في خيمة بدوية وسط صحراء العرب.
المولودة بقصر… والمحتارة بين العشاق
في عام 1807، وفي قلب لندن الأرستقراطية، ولدت طفلة أطلقوا عليها اسم جين دغبي. أبوها هو السير هنري دغبي، أميرال البحرية البريطانية، ورجل من أثرياء الأرض. نشأت في قصور، وتعلمت فنون الحياة من رسم ونحت ولغات، حتى أتقنت العربية من بين عدة لغات. وكانت كما يصفها معاصروها: فتاة ذكية حد العبقرية، محدثة بارعة تأسر قلوب من يستمعون إليها، وجميلة حد أنها علقت صورتها في صالون الجميلات بميونخ. شعرها الأشقر الحريري، وبشرتها البيضاء اللؤلؤية، وقدها الطويل الرشيق… كانت تحلم بها الفتيات وتتغنى بها الصحف.
لكن الجمال والمال والذكاء لم يمنحوها السعادة. تزوجت للمرة الأولى من اللورد النبرة، رجل يكبرها بعشرين عامًا، وكان وزيرًا للعدل ثم حاكمًا للهند. انشغل عنها بالسلطة، وتركت وحدها في قصر بارد. وهنا بدأت رحلة العذاب: بدأت تقرأ الكتب، ثم تعرفت على شباب، ثم أقامت علاقة مع أمير نمساوي، ثم تبعت حبيبها إلى باريس، ثم طالبت بالطلاق، ثم أقامت صالونًا أدبيًا يضم فيكتور هوجو وبلزاك وغوته… وكل هذا لم يملأ فراغها.
تزوجت مرة ثانية، ومرة ثالثة، ورابعة. أنجبت أطفالًا، ومات طفلها الحبيب بسقوطه من شرفة القصر. عشقت رجالًا، وهرب منها رجال. وكانت كلما ظنت أنها وجدت الحب، اكتشفت أنه كان مجرد وهم. وفي الأربعين من عمرها، كانت منهكة، خائبة، لكنها لم تستسلم. قالت لنفسها: “ربما ما أبحث عنه ليس هنا. ربما يكون هناك… هناك في الشرق”.
الشرق… حيث تختلف القواعد
في عام 1850 تقريبًا، وفي لحظة ربما كانت أشبه باليأس، قررت جين السفر إلى سوريا لزيارة تدمر. لم تكن تعرف أنها ستزور تدمر، لكنها لن تغادرها كما أتت. كانت الرحلة إلى البادية خطيرة، واحتاجت إلى حماية من شيوخ البدو. وقع اختيارها على رجل اسمه مجول المصرب، من قبيلة عنزة.
سارت القافلة. وفي النهار كانت ترى الصحراء والصيد والآثار، وفي الليل كانت تجلس حول النار تسمع قصص العرب وأخبار البدو. وكانت في كل مرة تنظر إلى مجول، ترى شيئًا لم تره في رجال أوروبا: عزة نفس لا تذل، وشهامة لا تتاجر، وقوة لا تتعالى. وفي أحد الأيام هاجم قطاع طرق القافلة، فخافت، لكن مجول قاد فرسانه وهزمهم. وهنا، في تلك اللحظة، قررت جين: هذا هو الرجل.
عرضت عليه الزواج. تردد مجول. لماذا؟ لأن البدوي لا يتزوج من أجل المال، ولا من أجل الجاه، ولا من أجل النسب. وتردد كثيرًا، لكنه وافق أخيرًا.
من قصر ميونخ إلى خيمة عنزة
سافرت جين إلى أثينا لتنهي طلاقها من زوجها اليوناني، وجمعت ثروتها، وعادت إلى سوريا، وتزوجت من مجول في حمص وسط احتفال بدوي مهيب. وهنا حدثت المفارقة التي لا تصدق: المرأة التي تعودت على الحرير والذهب والخدم والحشم، انتقلت إلى خيمة من شعر، صارت تحلب الناقة وتكنس الخيمة وتطبخ على النار. أطلق عليها البدو اسم “أم اللبن”، لأنها كانت بيضاء ناصعة كاللبن.
عاشت معه خمسة عشر عامًا في البادية، تقول عنها إنها أسعد سنوات حياتها. ثم بنت قصرًا في دمشق بإذنه، تقضي فيه الشتاء والخريف، أما الصيف والربيع فتعود إلى الخيمة. وهنا نصل إلى السؤال المحير: كيف تحولت المرأة التي كانت فضيحة أوروبا إلى زوجة عفيفة مخلصة؟
السر: عندما يحبك أحدهم لشخصك لا لشيء آخر
هي نفسها أجابت على هذا السؤال في مذكراتها. تقول: “لم يحبني مجول لجمالي، فقد عرفني حين ذوى جمالي وفارقني الشباب. ولم يحبني لوفرة مالي، فماذا يستفيد منه وهو العربي الذي يأنف أن يمد يده إلى مال زوجته؟ ولم يحبني لعراقة نسبي، فهو لا شك يعتقد أنه أشرف مني نسبًا. إنما أحبني لشخصي فقط. وهذا لعمري أسمى أنواع الحب التي عرفتها. وقد جعلني حبه النبيل هذا أحترم شخصي وأقدسه”.
هنا الدرس، وهنا الفرق بين أوروبا والبادية، بين القصور والخيام، بين رجال المال والسلطة ورجل يرى في المرأة إنسانًا لا جسدًا ولا حسابًا بنكيًا.
جين في دمشق: صديقة الأمير والمفتي
في دمشق، كونت جين صداقات مع رجالات الدولة والدين. كانت صديقة للمجاهد الكبير الأمير عبد القادر الجزائري، وكانت صديقة لمفتي الديار الشامية محمود الحمزاوي. وكانت تلعب الشطرنج معهما، ويُقال إن الأمير عبد القادر كان يغضب إذا غلبته. وكان بيتها مجمعًا لأعيان دمشق وشيوخ القبائل. ورغم أنها بقيت على ديانتها المسيحية، إلا أنها في فتنة 1860 فتحت دارها للمسيحيين الهاربين، وجاءت قبيلة عنزة لحمايتهم.
النهاية: ماتت بالكوليرا… وبكى عليها البدوي
في عام 1881، ضرب وباء الكوليرا دمشق. هرب الأجانب، لكن مجول رفض أن يهرب، وبقيت معه جين. أصيبت بالمرض وماتت. نُقل جثمانها إلى الكنيسة، وحضر أعضاء السلك الدبلوماسي وأصدقاؤها. ولما بدأت التراتيل النصرانية، خرج مجول مسرعًا لأنه مسلم، فظن الناس أنه تخلى عنها. لكنهم رأوه بعد ذلك واقفًا عند قبرها يبكي بحرقة. بكى البدوي على زوجته الإنجليزية، ليس لأنها كانت جميلة أو غنية، بل لأنها كانت الشخص الوحيد الذي فهم معنى أن تكون زوجة لرجل أحبها لذاتها.
خاتمة: الحب الذي يغير الإنسان
قصة جين دغبي ليست مجرد قصة حب عابرة. إنها قصة امرأة بحثت عن السعادة في كل مكان: في القصور، في المال، في العشاق، في الشهرة، فلم تجدها. ثم وجدتها في أبسط مكان: تحت خيمة من شعر، مع رجل لا يقرأ ولا يكتب، لكنه عرف كيف يحب. وهي درس لنا جميعًا: أن السعادة لا تُشترى، وأن الحب الحقيقي لا يرى المال ولا الجمال ولا النسب، بل يرى الإنسان. ومتى وجد الإنسان من يراه كما هو، تغير، وأصبح أفضل مما كان.
الموقع: #سوريات _ souriat


