فيلم رجلٌ يُدعى أوڤا A Man Called Oveتبدأ حكاية الفيلم من حيٍّ سويديٍّ هادئ، شديد الانضباط، يبدو كأنه بُني ليعيش الناس فيه كما لو أنهم ساعاتٌ دقيقة داخل آلة واحدة. في هذا الحي يظهر “أوڤا” رجلٌ متجهم في أواخر الخمسينات، يمشي وكأنه يفتّش العالم عن الخطأ كي يعاقبه. يراقب البوابات، يفتش الأقفال، يتأكد من أن السيارات لا تدخل في غير أوقاتها، ويعامل قوانين الحي كأنها شريعة لا يجوز المساس بها. حتى بائعة الورد لا تسلم من صرامته حين يشتري باقةً ليضعها على قبر زوجته “سونيا” ، إذ يدخل معها في جدلٍ جادٍّ حول السعر، فيختلط المشهد منذ اللحظة الأولى بين الجدّ والكوميديا، وبين الألم والسخرية.غير أن هذا الرجل الذي يبدو متسلطاً لم يعد يملك في الحقيقة سوى شيء واحد ، روتينٌ صارم يحتمي به من الانهيار. فبعد أن فقد زوجته، وبعد أن أُحيل إلى التقاعد من عمله الطويل في السكك الحديدية، يشعر وكأن الحياة سحبت منه آخر سببٍ للبقاء. عندها يبدأ بتدبير محاولاتٍ متكررة للانتحار ، يهيّئ المكان بدقة، يكتب، يرتب، يعلّق الحبل… ثم يأتي ما يفسد خطته في اللحظة الحاسمة. مرةً بسبب ضوضاء، ومرةً بسبب جارٍ يطرق الباب، ومرةً بسبب حدث طارئ يجبره على إرجاء النهاية. وهكذا يتحول الانتحار في الفيلم إلى سلسلة مواقف كوميدية سوداء، لكنها في جوهرها شديدة المأساوية، لأنها تكشف حجم الفراغ الروحي الذي ينهش الرجل من الداخل.في خضم ذلك، تصل إلى الحي عائلة جديدة، تقودها امرأة من أصول إيرانية اسمها “پروين”، مرحة وحازمة في الوقت نفسه. تدخل عالم أوڤا كما تدخل الريح إلى غرفة مغلقة: تخطئ في ركن سيارتها فتُحطم صندوق البريد الخاص به، ثم تواصل اقتحام حياته بطلبات المساعدة وبالحديث وبالأكل الذي تحمله وبالابتسامة التي لا تهزمها صرامته. شيئاً فشيئاً تتحول “پروين” وطفلاها إلى السبب الذي يمنع أوڤا من الانطفاء، لا لأنها تواسيه بالكلمات، بل لأنها تشغله بالحياة، تجرّه إليها جراً، وتجعله يكتشف أنه ما زال قادراً على العطاء وإن حاول إنكار ذلك.ومع توالي الأحداث نكتشف عبر الاسترجاع كيف أصبح أوڤا على ما هو عليه ، طفولة قاسية فقد فيها الأب مبكراً، وحياة شابٍ يؤمن بالنظام الصارم والعمل الشريف، ثم اللقاء الذي غيّر مصيره كله ، لقاؤه بـ”سونيا” المرأة التي فتحت في قلبه نافذة، وعلّمته أن الحب لا يلغي القواعد لكنه يلطّفها. كانت “سونيا” ضوءه الداخلي، وحين رحلت، انطفأ الضوء وبقي الرماد. لذلك فإن الفيلم لا يقدم زوجة ميتة كذكرى عابرة، بل يجعل منها القلب الحقيقي للشخصية: فكل قسوةٍ في أوڤا هي في الحقيقة وجعٌ مؤجل.وعندما تتشابك علاقات أوڤا بجيرانه ، من الرجل العجوز الذي يحتاج عوناً، إلى الشاب الذي انكسر أمام الحياة، إلى القطة التي يجدها أمام بيته ، يتغير معنى وجوده تدريجياً. يتحول من شرطيّ الحي الصارم إلى قلبٍ خفيّ للحي نفسه. يساعد دون أن يعترف، ينقذ دون أن يتباهى، ويمنح الآخرين ما كان يظن أنه فقده ، معنى البقاء.هنا يكمن سحر الفيلم ، إنه فيلم عن رجلٍ يبدو صعباً… لكنه طيب. عن إنسانٍ يتكلم بحدة… لأنه لا يعرف كيف يقول “أنا موجوع”. ينتمي الفيلم بوضوح إلى الكوميديا السوداء التي تجعل الضحك طريقاً غير مباشر إلى الدموع. فالمشاهد يبتسم من مواقف أوڤا الساخرة وسلوكه الفظّ، لكنه ما يلبث أن يكتشف أنه يبتسم أمام مأساة كاملة ، مأساة رجل يعيش وحده، يدفن حنينه في جيبه، ويستند على الروتين كي لا يسقط.التمثيل كان عمود الفيلم الأساسي. الممثل رولف لاسغارد جعل أوڤا شخصية نابضة بالحياة، لا كاريكاتيراً عن “العجوز المتذمر”، بل رجلاً يحمل تاريخاً كاملاً من الانضباط والفقد. وفي المقابل، جاءت بهار پارس في دور “پروين” كطاقة حياة صافية ، امرأة لا تملك نظريات فلسفية لتغيير الآخرين، لكنها تملك سلاحاً أقوى: الحنان العملي، والإصرار البسيط، والقدرة على تحويل الغريب إلى فردٍ من العائلة.الفيلم مأخوذ عن رواية الكاتب السويدي فريدريك باكمان التي حصلت على شهرة عالمية قبل أن تصبح فيلماً. والرواية ، كما الفيلم تقوم على فكرة إنسانية بسيطة وعميقة ، أن الناس الذين يبدون صعبي المراس ليسوا بالضرورة سيئين، بل ربما هم الأكثر حاجةً إلى لمسة تفهمهم دون أن تفضحهم. لذلك لم يكن ترشيح الفيلم للأوسكار مجرد مصادفة ، فهو ينتمي إلى ذلك النوع من السينما التي تجعل المشاهد يرى نفسه، أو يرى أباه، أو يرى جاره… في شخصية واحدة.في النهاية، يترك الفيلم أثره لأنه لا يرفع الشعارات، ولا يعظ، ولا يبالغ في العاطفة. إنه يروي حكاية رجلٍ يُراد له أن ينتهي، لكنه يكتشف على يد الآخرين أن الحياة يمكن أن تبدأ متأخرة. وأن الحب لا ينتهي بموت من نحب، بل قد يتحول إلى رسالة نكمل بها الطريق… كي لا نموت نحن أيضاً.اخرج الفيلم السويدي هانِس هولم، وهو من المخرجين الذين تدرّبوا طويلاً في فضاء الكوميديا الاجتماعية والأعمال التلفزيونية، قبل أن يقدّم تجربته الأبرز ، فيلم رجلٌ يُدعى أوڤا الذي أصبح العلامة الأهم في مسيرته، وفتح له أبواب الحضور العالمي عبر ترشيح الأوسكار. وقد ترك هولم بصمته أيضاً في أفلام سويدية معروفة مثل آدم وإيڤا، وعائلة أندرسون، وفيلم سوني في اليونان ، وهي أعمال تؤكد ميله إلى السينما التي تمزج الضحك بالحس الإنساني، وتلتقط وجع الحياة من داخل تفاصيلها اليومية. هكذا يصبح فيلم أوڤا تتويجاً لمسار مخرجٍ يعرف كيف يحوّل الكوميديا إلى معنى، ويحوّل الحكاية البسيطة إلى أثرٍ لا يُنسى.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلمشاهدة الفيلم اضغط على الرابط التالي https://ok.ru/video/1643716938366
ـسينما العالم
ـ مجلة ايليت فوتو ارت.


