كارلو هارتيون..
رائد الصورة الدرامية
خارج حدود الاستوديو
وُلد الفنان والمخرج العراقي القدير كارلو هارتيون عام 1933، وبدأ رحلته الفنية بدراسة الفنون المسرحية في معهد الفنون الجميلة ببغداد، حيث تخرج عام 1957. غير أن شغفه بالصورة المتحركة قاده إلى آفاق أرحب، فسافر إلى المجر ليدرس فن السينما في أكاديمية السينما بمدينة بودابست، وأكمل دراسته هناك عام 1965.
خلال سنوات إقامته في المجر عمل لفترة في التلفزيون المجري، وأسهم في عدد من الأعمال السينمائية، من بينها: الأشقياء المساكين ويعجبني وقلق. وبعد عودته إلى العراق عام 1965، كان من أوائل المساهمين في تأسيس وحدة الإنتاج السينمائي في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون، واضعًا بذلك لبنة مهمة في مسيرة السينما العراقية الحديثة.
في عام 1967 التحق بتلفزيون بغداد، ثم عمل لفترة قصيرة في لبنان عام 1968 قبل أن يعود إلى العراق ليستأنف نشاطه الفني. وخلال تلك المرحلة أخرج عددًا من التمثيليات التلفزيونية القصيرة، قبل أن يحقق نقلة نوعية بإخراجه الفيلمين التلفزيونيين الروائيين «اللوحة» (1978) و«البندول» (1979)، اللذين رسخا اسمه بوصفه واحدًا من أبرز المخرجين العراقيين.
كما شارك ممثلًا في عدد من الأفلام، منها «نبوخذ نصر» عام 1962 و«الرأس» عام 1976، إلا أن بصمته الأبرز تجلت في مجال الإخراج السينمائي والتلفزيوني.
ويحتل كارلو هارتيون مكانة خاصة في تاريخ الفن العراقي؛ إذ يُحسب له أنه كان من أوائل المخرجين الذين نقلوا الدراما التلفزيونية من فضاء الاستوديو المغلق إلى المواقع الخارجية. وقد واجه في ذلك تحديات تقنية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بتسجيل الصوت، الذي كان يمثل معضلة حقيقية في سبعينيات القرن الماضي وما قبلها. ومع ذلك نجح في التصوير والتسجيل المتزامن داخل السيارات المتحركة وفي المواقع المفتوحة، محققًا سبقًا فنيًا وتقنيًا مهمًا في الدراما العراقية.
كان أول أفلامه الوثائقية البارزة «النهر الثالث»، الذي حظي بإشادة واسعة في مهرجانات دولية، منها مهرجانا موسكو ولايبزك. كما أخرج الفيلم الوثائقي «البديل»، قبل أن ينتقل إلى عالم الدراما الروائية، حيث قدم فيلم «اللوحة» المأخوذ عن قصة الكاتب الراحل معاذ يوسف، وبطولة الفنان جلال كامل في بداياته الفنية، وقد نال الفيلم جوائز وتقديرًا داخل العراق.
ثم أخرج فيلمه الثاني «البندول»، قبل أن يبلغ ذروة نشاطه السينمائي بفيلمه الروائي الطويل «شيء من القوة» المأخوذ عن قصة الكاتب صباح عطوان وبطولة الفنانة ليلى محمد. كما أخرج فيلمه السينمائي الآخر «زمن الحب»، مضيفًا إلى رصيده أعمالًا شكلت محطات مهمة في تاريخ السينما العراقية.
وعندما واجهت السينما العراقية سنوات التراجع والتعثر بسبب ظروف الحصار وقلة الإنتاج، لم يتوقف عطاؤه الفني، بل توجه إلى الدراما التلفزيونية، حيث قدم مجموعة من المسلسلات الناجحة والمتميزة، من بينها «سيد المنزل» بطولة سامي قفطان وابتسام فريد، و«تبادل المراكز»، و«شارع ستين»، فضلًا عن أعمال أخرى تركت أثرًا واضحًا في ذاكرة المشاهد العراقي.
ظل كارلو هارتيون حاضرًا في المشهد الثقافي والفني العراقي بوصفه مخرجًا مجددًا وصاحب رؤية فنية متميزة، أسهم في تطوير لغة الصورة الدرامية والسينمائية، وترك إرثًا فنيًا غنيًا ما زال يحظى بالتقدير والاحترام.
توفي الفنان الكبير كارلو هارتيون عام2018 عن عمر ناهز الخامسة والثمانين عامًا، بعد مسيرة حافلة بالإبداع والعطاء، بقيت شاهدة على دوره الريادي في خدمة السينما والتلفزيون العراقيين.

