الإدمان كعرضٍ للانهيار النفسي: دراسة ميتا-سيكولوجية ودينامية في فكر كارل أبراهام .
نحو فهم أعمق للإدمان
إن طلبكم المستمر للتعمق يفرض علينا تجاوز الشرح التقليدي والولوج إلى قلب الميتا-سيكولوجيا التي صاغها كارل أبراهام، أحد أعمدة التحليل النفسي الأوائل وتلميذ فرويد النجيب. إن فهمنا للإدمان في هذا السياق لا يقف عند حدود الظاهرة السلوكية، بل يغوص في أعماق البنية النفسية التي تُنتج هذا السلوك وتتغذى عليه.
هذه الدراسة هي محاولة لإعادة بناء الشبكة المفاهيمية التي صاغها أبراهام، والتي يظهر فيها الإدمان ليس كفعل معزول، بل كعرضٍ لانهيار نفسي، وكنكوصٍ مأساوي إلى مراحل بدائية من الوجود النفسي، حيث تذوب الحدود بين الذات والآخر، وحيث يصبح “الابتلاع” هو الوسيلة الوحيدة للتواصل مع عالمٍ محبط. سنبحر في نصوص أبراهام، ليس فقط في ورقته الشهيرة عن “الجنسانية وإدمان الكحول” (1908)، بل أيضاً في أعماله الأكثر تعقيداً مثل “دراسة قصيرة لتطور الليبيدو” (1924) و”مساهمات في نظرية الشخصية الشرجية” (1921)، لنكشف عن الديناميات الخفية التي تحكم العقل المدمن.
- الإطار الميتا-سيكولوجي: الليبيدو والتثبيت في المرحلة الفمية
لفهم رؤية أبراهام للإدمان، يجب أولاً أن نفهم نظريته عن تطور الليبيدو. المرحلة الأولى هي المرحلة الفمية (Oral Phase)، حيث يكون الفم هو مركز الإدراك واللذة. الرضيع لا يأكل ليشبع جوعه البيولوجي فقط، بل ليشبع دافعاً ليبيدياً للامتصاص والاتصال بثدي الأم، الذي يمثل “الموضوع” (Object) الأول للحب.
يطرح أبراهام فكرة “التثبيت” (Fixation): إذا تعرض الطفل لإحباط شديد أو إشباع مفرط في هذه المرحلة، فإن جزءاً من الليبيدو “يثبّت” عند هذه المرحلة، مما يخلق نقطة ضعف في بنيته النفسية. هذا الشخص “المثبّت فمياً” سيظل طوال حياته يحمل ميلاً للبحث عن إشباعات فمية الطابع، خاصة عند مواجهة الإحباط أو القلق. الإدمان، من هذا المنظور، هو نكوص (Regression) إلى هذه النقطة التثبيتية.
يقسم أبراهام المرحلة الفمية إلى مرحلتين فرعيتين، وهذا التقسيم حاسم لفهم ديناميات الإدمان:
- المرحلة الفمية الأولى (مرحلة الامتصاص): علاقة الطفل بالموضوع (الثدي) هي علاقة امتصاص سلبي. التثبيت عند هذه المرحلة يخلق شخصية متفائلة، اتكالية، تنتظر من العالم أن يمنحها كل شيء. الإدمان هنا يأخذ طابعاً “سلمياً” نسبياً، حيث يكون الهدف هو استعادة حالة النعيم الهادئ للرضاعة.
- المرحلة الفمية الثانية (مرحلة العضّ السادية): تبدأ مع ظهور الأسنان. هنا، يصبح الطفل قادراً على “العض”، أي على تدمير الموضوع والسيطرة عليه. هذه المرحلة تتسم بالازدواجية الوجدانية (Ambivalence): حب وكراهية تجاه نفس الموضوع. التثبيت عند هذه المرحلة يخلق شخصية أكثر عدوانية، ساخرة، تميل إلى “استنزاف” الآخرين. الإدمان المرتبط بهذا التثبيت يكون أكثر تدميراً، حيث لا يهدف فقط إلى الإشباع، بل إلى تدمير الذات والموضوع معاً.
- ديناميات الإدمان: النرجسية، فقدان الموضوع، والميلانخوليا
الإدمان ليس مجرد نكوص إلى المرحلة الفمية، بل هو أيضاً انهيار في العلاقة مع الواقع ومع “المواضيع” (الآخرين). • النكوص إلى النرجسية الأولية: المدمن، في فعل التعاطي، يحاول استعادة حالة “النرجسية الأولية” (Primary Narcissism). المادة المخدرة تصبح هي “الموضوع” الذي يمكن امتلاكه والتحكم فيه بالكامل، والذي لا يخذل أبداً. إنها تخلق وهماً بالاستغناء عن العالم الخارجي، وعودة إلى حالة من الاكتفاء الذاتي الوهمي.
• فقدان الموضوع والميلانخوليا: يربط أبراهام بين الإدمان والميلانخوليا بشكل وثيق. يرى أن كلاً من المدمن والمكتئب يعانيان من عدم القدرة على تحمل “فقدان الموضوع” (Object Loss). بدلاً من التخلي عن الموضوع المفقود، يقوم المدمن باستبداله بالمادة المخدرة، التي تصبح “الموضوع البديل” الذي يملأ الفراغ الداخلي.
• الإدمان كدفاع ضد الميلانخوليا (الهوس الاصطناعي): الإدمان هو دفاع ضد الميلانخوليا. حالة النشوة أو “الهوس” (Mania) التي يسببها الكحول هي في جوهرها “هوس اصطناعي”. الكحول يحاكي عملية التحرر من عبء الموضوع المستدمج، حيث يعطل وظيفة الأنا الأعلى ويطلق الطاقة الليبيدية المكبوتة، مما يمنح المدمن شعوراً مؤقتاً بالانتصار على الاكتئاب والقلق. - ديناميات العدوانية وتكوين الشخصية في الإدمان
• العدوانية الارتدادية (Retroflexed Aggression): الإدمان هو شكل من أشكال “العدوانية الموجهة نحو الذات”. المدمن يوجه عدوانيته إلى الداخل، نحو ذاته. فعل التعاطي، خاصة الجرعات الزائدة، هو في جوهره “محاولة انتحار بطيء”. المدمن يعاقب ذاته (أو يعاقب الموضوع المستدمج داخل ذاته) من خلال تدمير جسده وحياته.
• الشخصية الفمية-السادية (Oral-Sadistic Character): التثبيت في المرحلة الفمية الثانية يشكل نمطاً كاملاً من الشخصية يتميز بـ الحسد المفرط و الطموح المفرط و التشاؤم والسخرية. المدمن، بصفته شخصية فمية-سادية، يرى العالم كمصدر للإحباط، ويحاول “استنزاف” المادة المخدرة أو الآخرين للحصول على الإشباع.
• فشل التسامي (Sublimation Failure): الإدمان هو نكوص إلى اللذة الأولية، مما يسحب الطاقة الليبيدية من الأنشطة العليا. المدمن يفقد قدرته على العمل والإبداع والاهتمام بالآخرين، لأن كل طاقته موجهة نحو الإشباع الفوري للمتطلبات الفمية. - اقتصاديات الليبيدو والتداخل مع المرحلة الشرجية
• الليبيدو الاقتصادي (توفير الجهد): يرى أبراهام أن الإدمان يمثل “اقتصاداً” في الجهد النفسي. فالعلاقات الإنسانية الواقعية تتطلب استثماراً ليبيدياً هائلاً. الإدمان، في المقابل، يقدم إشباعاً فورياً وكاملاً بأقل قدر من الجهد، مما يمثل انسحاباً ليبيدياً من العالم الخارجي.
• التداخل مع المرحلة الشرجية (الاحتفاظ والتبذير): يلاحظ أبراهام تداخلاً مع المرحلة الشرجية (التي تتميز بالصراع حول الاحتفاظ/التبذير). يظهر هذا في: - الاحتفاظ بالموضوع (المادة): هوس المدمن بـ “الاحتفاظ” بالمادة المخدرة وتأمين مصدرها، حيث تصبح المادة “كنزاً” يجب حمايته.
- التبذير (الإنفاق السادي): التبذير المالي والجسدي الذي يعكس الجانب السادي-الشرجي من الشخصية الذي لا يستطيع تحمل أي قيود.
- الأبعاد الميتا-سيكولوجية الأكثر عمقاً: تفكيك البنية النفسية
للوصول إلى أقصى درجات العمق، يجب أن نغوص في المفاهيم التي تمثل قمة التحليل النفسي الدينامي في فكر أبراهام، والتي تمهد الطريق لنظرية علاقات الموضوع. • انشطار الموضوع (Splitting of the Object): الإدمان يعيد تمثيل الصراع البدائي في المرحلة الفمية بين “الثدي الطيب” و “الثدي السيئ”.
◦ الثدي الطيب: هو المادة في لحظة الإشباع الفوري، التي تمنح الدفء والراحة والوهم بالنرجسية المطلقة.
◦ الثدي السيئ: هو المادة في لحظة الانسحاب، أو عندما تفشل في تحقيق الإشباع الكامل، أو عندما تسبب الألم والتدمير.
المدمن لا يستطيع دمج هذين الجانبين المتناقضين في موضوع واحد متكامل (الأم الواقعية). لذا، يلجأ إلى المادة التي يمكن أن تنقسم بسهولة: هي إما خير مطلق (في لحظة التعاطي) أو شر مطلق (في لحظة الندم والانسحاب). هذا الانشطار هو آلية دفاعية بدائية تحمي الأنا الهش من التناقض.
• الأنا الأعلى المتطفل (The Parasitic Super-ego): في الإدمان، يتم تفكيك الأنا الأعلى التقليدي (الذي يمثل سلطة الوالدين والقيم الأخلاقية) واستبداله بـ “سلطة المادة”. المادة المخدرة تصبح هي “الأنا الأعلى” الجديد الذي يمنح الغفران أو العقاب.
◦ الغفران: عند التعاطي، يشعر المدمن بالتحرر من الشعور بالذنب (تعطيل الأنا الأعلى).
◦ العقاب: بعد زوال التأثير، يعود الأنا الأعلى بقوة مضاعفة (الندم، لوم الذات، الاكتئاب)، مما يدفع المدمن إلى التعاطي مرة أخرى للهروب من هذا العقاب.
المادة هنا تعمل كـ “متطفل” يسيطر على الجهاز النفسي، حيث يصبح المدمن عبداً لقانون المادة بدلاً من قانون المجتمع.
• الفقر الليبيدي والارتباط بـ “اللاشيء”: يصف أبراهام حالة من “الفقر الليبيدي” (Libidinal Poverty). المدمن يسحب طاقته الليبيدية من جميع المواضيع الخارجية (العمل، العائلة، الأصدقاء) ويعيد استثمارها في ذاته (النرجسية) وفي المادة. هذا الانسحاب يترك العالم الخارجي “فارغاً” و”باهتاً”. المدمن لا يعود قادراً على الاستمتاع بأي شيء آخر، مما يخلق حلقة مفرغة: الإدمان يسبب الفقر الليبيدي، والفقر الليبيدي يدفع نحو الإدمان. المادة تصبح هي “اللاشيء” الذي يملأ الفراغ المطلق.
• دينامية “العود الأبدي” (Compulsion to Repeat): يربط أبراهام، في أواخر أعماله، فعل الإدمان بـ “قهر التكرار”، وهي دينامية مرتبطة بغريزة الموت (Thanatos). لماذا يكرر المدمن فعل التدمير الذاتي رغم معرفته بالعواقب؟
◦ تكرار الصدمة: فعل التعاطي يكرر الصدمة الأصلية للإحباط الفمي أو فقدان الموضوع. المدمن يعيد تمثيل اللحظة التي شعر فيها بالعجز المطلق، محاولاً هذه المرة السيطرة عليها من خلال المادة.
◦ غريزة الموت: الإدمان هو التعبير الأكثر وضوحاً عن غريزة الموت الموجهة نحو الذات. هو سعي لاواعي للعودة إلى حالة “اللاشيء” (Nirvana Principle)، حيث لا يوجد صراع أو توتر. المادة المخدرة توفر هذا الهدوء المؤقت، مما يجعل المدمن يكرر الفعل بحثاً عن هذا السلام النهائي.
إرث أبراهام في فهم الإدمان
إن عبقرية كارل أبراهام تكمن في أنه لم ينظر إلى الإدمان كخيار أخلاقي أو كمرض بيولوجي محض، بل كشف عن جذوره العميقة في التاريخ الليبيدي للفرد. لقد أوضح لنا أن المدمن ليس مجرد شخص ضعيف الإرادة، بل هو إنسان يعاني من جرح نرجسي عميق، ومن تثبيت في مرحلة بدائية من التطور النفسي، ومن عدم قدرة على تحمل فقدان الحب. الإدمان هو محاولته اليائسة والمأساوية للشفاء الذاتي، وهي محاولة تنتهي دائماً بتدمير الذات.
إن فهم هذه الديناميات الميتا-سيكولوجية لا يبرر سلوك المدمن، ولكنه يفتح الباب أمام علاج تحليلي حقيقي لا يكتفي بإزالة العرض (السلوك الإدماني)، بل يسعى إلى معالجة الصراع الأساسي في بنية الشخصية. العلاج، من منظور أبراهامي، يجب أن يساعد المدمن على “الحداد” على خساراته، وعلى التخلي عن الإشباع الفمي النرجسي، وعلى بناء علاقات ناضجة مع “مواضيع” حقيقية في العالم الواقعي. إنه طريق طويل وصعب، ولكنه الطريق الوحيد نحو الشفاء الحقيقي.
اعداد: د.جينا جلال
المرجع؛- selected papers of Karl Abraham
ملاحظة تم اعداد هذا المقال بواسطة Manus pro max AI و تمت مراجعة الأفكار و الترجمات و التاكد من صحته# الموسوعة الصحية# مجلة ايليت فوتو ارت


