📚 “دراسة في الأدب الإفريقي الحديث” ✒️لورنس كورباندييُمثِّل كتاب “دراسة في الأدب الإفريقي الحديث” للأديب والدبلوماسي لورنس كورباندي كوديس، والصادر في طبعته الثانية عن الدار المصرية اللبنانية، محاولةً تأسيسيةً لرسم ملامح حقل أدبي مُعقَّد وحيوي، كُتب من داخل السياق الإفريقي نفسه. لا يكتفي الكتاب بسرد تاريخي أو استعراضي، بل يقدم رؤية نقدية تضع الأدب الإفريقي في قلب المعركة الوجودية للقارة: معركة الهوية والتحرر، أولاً من الاستعمار السياسي، ولاحقاً من مخاطر العولمة الثقافية.📖الإطار المنهجي والخلفية الفكرية للمؤلفيتميز الكتاب بكونه نتاج مثقف إفريقي منخرط في قضايا وطنه؛ فالمؤلف، الشاعر الجنوب سوداني والدبلوماسي ، كتب هذا العمل وهو طالب بكلية الحقوق في جامعة بغداد عام 1985، مما يعكس رؤية تجمع بين الوعي القانوني بالحقوق والتحليل الأدبي للنضال. ينطلق كورباندي من فرضية مركزية مفادها أن الأدب الإفريقي الحديث تشكل كـأدب مُلتزم، وظَّفه أبناؤه كـسلاح في معركة التحرر الوطني، ومن ثم كحصن ثقافي في مواجهة التحديات المعاصرة. هذا المنظور يجعل من الدراسة أكثر من مجرد بحث أكاديمي، بل هي شهادة وبيان فكري.♻️ هيكلية الكتاب والمحاور التحليلية الرئيسية📘ينقسم الكتاب إلى فصلين رئيسيين، يتناولان القضايا النظرية والتطبيقات الأجناسية.◼️ الفصل الأول: الأسس النظرية والهوية. يركز هذا الفصل على الإجابة عن الأسئلة التأسيسية: ما الأدب الإفريقي؟ وما حدوده الجغرافية والثقافية؟ يرفض المؤلف التعريفات الضيقة، ويؤكد أن الأدب الإفريقي هو أدب الشعوب الإفريقية بغض النظر عن لغة كتابته (عربية، فرنسية، إنجليزية، برتغالية). كما يتعمق في: ◼️إشكالية اللغة: يناقش المعضلة التاريخية المتمثلة في كتابة الأدب الإفريقي بلغات المستعمر، ليس كخضوع، بل كـآلية من آليات المقاومة، حيث يتم تحويل لغة المُستعمِر إلى وسيلة لتقويض مشروعه وتعبئة الجماهير. ◼️الجذور والتراث: يؤكد على أن الأدب الحديث ليس قطيعة مع الماضي، بل هو امتداد وتفاعل مع التراث الشفوي الإفريقي الثري الذي سبق الاستعمار بآلاف السنين. ويُدحض الادعاءات الاستشراقية التي صورت إفريقيا كقارة بلا تاريخ أو حضارة، مستشهداً بممالك وحضارات ما قبل الاستعمار. 📖 مدرسة الزنوجة (Négritude): يولي كورباندي أهمية خاصة لهذه الحركة الثقافية-الأدبية التي أسسها سينغور وداماس وسيزير، معتبراً إياها رداً فلسفياً وجمالياً على عنصرية المستعِمِر، ووسيلة لتأكيد الخصوصية والهوية والجمال الأسود. بل ويدعو إلى إحيائها مجدداً لمواجهة “مد العولمة الآخذ في ابتلاع الثقافات الإفريقية الأصيلة”.◼️ الفصل الثاني: الأجناس الأدبية وتجليات المقاومة. ينتقل هذا القسم من التنظير إلى التطبيق، بتحليل مظاهر الأدب الإفريقي في الشعر والمسرح والفنون. 🔹️ الشعر: يُظهر كيف تحول الشعر إلى منبر للتحرر، مجسداً “هموم الوطن وكفاحاته”. ويُبرز نماذج مثل ليوبولد سيدار سينغور وديفيد ديوب، حيث يصبح تمجيد “اللون الأسود” تعبيراً سياسياً عن الكرامة والرفض. 🔹️المسرح: يتتبع نشأة وتطور المسرح في إفريقيا، كفن جماعي استوعب التراث الشفوي (الحكايات، الطقوس) وحوَّله إلى عروض توعوية ونضالية. 🔹️ الفنون والحرف: يمتد تحليل المؤلف ليشمل الحرف اليدوية، معتبراً إياها شكلاً من أشكال التعبير الجمالي والتاريخي الذي يحمل ذاكرة الجماعة.⏺️ القضية المحورية: الأدب كأداء للمقاومةالخيط الناظم الذي يربط أجزاء الكتاب هو مفهوم “أدب المقاومة”. يجادل كورباندي بأن الأدب الإفريقي، في مرحلة التكوين، لم يكن يصور المقاومة فحسب، بل كان هو المقاومة ذاتها. لقد نجح الكتاب في تحويل الفن إلى “حالة من حالات المقاومة”، حيث كان الكاتب جزءاً لا يتجزأ من جماعته، ومصيره مرتبطاً بمصيرها. هذا الالتزام الجذري يفسر هيمنة الموضوعات السياسية والاجتماعية، من فضح الاستعمار إلى نقد الواقع ما بعد الاستعماري.✒️. تقييم الإسهام والحدوديُعد الكتاب إسهاماً مهماً للأسباب التالية:1. الرؤية الداخلية: يقدم منظوراً “من الداخل” يختلف عن العديد من الدراسات الغربية التي قد تتعامل مع الموضوع من خارج سياقه.2. الربط بين التاريخ والسياق: يربط بشكل وثيق بين التطور الأدبي والتحولات السياسية الكبرى في القارة.3. الدعوة التجديدية: دعوته لإحياء “الزنوجة” في مواجهة العولمة تُعد مقاربة استباقية لأزمة الهوية الثقافية في عصر الرأسمالية العالمية.⏺️ الخاتمة: الأثر والراهنيةيظل كتاب لورنس كورباندي وثيقة أدبية وفكرية ذات قيمة عالية. إنه لا يروي فقط قصة ولادة أدب، بل يروي قصة صياغة وعي وتشكيل إرادة جماعية عبر الكلمة. في وقتنا الحاضر، حيث تستمر التحديات الثقافية والهوياتية، تكتسب دعوة الكتاب إلى التمسك بخصوصية التراث والحذر من التميع الثقافي الجديد أهمية متجددة. وبالتالي، فإن هذه “الدراسة” تتحول من عمل في تاريخ الأدب إلى منظور لفهم الحاضر واستشراف آليات الحفاظ على الذات الثقافية الإفريقية في عالم معولم.
الموسوعة الصغيرة للطباعة والنشر.
#مجلة ايليت فوتو ارت.


