رسل كرو يتالق في فيلم نورمبيرغ الذي يكشف خفايا محاكمات النازيين
معد فياض
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عام 1945، وبينما كان الأهالي يعودون إلى قراهم ومدنهم في الأراضي النمساوية، تصادف مجموعة من جنود القوات الأميركية الناقمين على النازية سيارةً ألمانية فاخرة تبدو عائديتها لقائد ألماني نازي، فيشهرون أسلحتهم لإيقافها، ليهبط منها هيرمان غورينغ، المشير الأعلى للرايخ، والرجل الثاني في قيادة هتلر، معلناً استسلامه مع عائلته للقوات الأميركية في النمسا.
من هنا تبدأ قصة فيلم (نورمبيرغ) الذي يستعرض بأحداث شبه وثائقية ومثيرة قصة قيام محكمة نورمبيرغ في ألمانيا لمقاضاة القادة النازيين الذين تسببوا بجرائم حرب وإبادة للإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية، التي تسببت بمقتل ما بين 55 إلى 80 مليون شخص، معظمهم من المدنيين، مع خسائر هائلة في دول مثل الاتحاد السوفيتي (20-27 مليون) والصين (13.5-20 مليون)، إلى جانب المحرقة (الهولوكوست) التي راح ضحيتها حوالي 6 ملايين يهودي، مما يجعلها الصراع الأكثر دموية في التاريخ، كما تشير تقديرات مختلفة، مع التركيز على الخسائر العسكرية والمدنية الكبرى. تلك المحكمة التي صارت أساساً لمحاكمة مجرمي الحروب في أغلب دول العالم، وأرست الأساس للملاحقة الدولية لجرائم الحرب.
“نورمبيرغ” فيلم إثارة نفسية تاريخي أميركي صدر العام الماضي، 2025، من تأليف وإنتاج وإخراج جيمس فاندربيلت. وهو مقتبس من كتاب “النازي والطبيب النفسي” للكاتب جاك الحاي، الصادر عام 2013. يتناول الفيلم قصة الطبيب النفسي في الجيش الأميركي، دوغلاس كيلي، يجسد دوره الممثل المصري الأصل رامي مالك، الذي يُكلّف بمهمة التحقيق في شخصيات ومراقبة الحالة العقلية لهيرمان غورينغ، يجسد شخصيته الممثل راسل كرو، مع واحد وعشرين قائداً نازياً آخرين أُودعوا في سجن باد موندورف في لوكسمبورغ تمهيداً لتقديمهم لمحكمة نورمبرغ. ويشارك في الفيلم أيضاً كل من ليو وودال، وجون سلاتري، ومارك أوبراين، وكولين هانكس، ووين شميدت، وليديا بيكهام، وريتشارد إي. غرانت، ومايكل شانون في أدوار مساعدة.
فور تلقيه نبأ استسلام القائد النازي هيرمان غورينغ، يُدرك القاضي الأميركي روبرت جاكسون، العضو المنتدب في المحكمة العليا، أنه بدلاً من إعدامهم بإجراءات موجزة، يجب مقاضاة القيادة النازية أمام محكمة دولية لمحاسبتهم وفضح ممارساتهم الإجرامية ضد الإنسانية.
يُستدعى الرائد دوغلاس كيلي، الطبيب النفسي في الجيش الأميركي، إلى باد موندورف، لوكسمبورغ، لتقييم الحالة النفسية لغورينغ وواحد وعشرين قائداً نازياً آخرين محتجزين، تم اختيارهم للمحاكمة المحتملة، مع الحرص على منعهم من الانتحار.
تتسم اللقاءات الأولى مع غورينغ بالود، بينما يُظهر سجناء آخرون، مثل روبرت لي وجوليوس شترايشر، ازدراءً واضحاً. يُقيّم كيلي حالة غورينغ بأنه ذكي ونرجسي ويتمتع بشخصية جذابة للغاية، ويُخطط لاستخدام ملاحظاته من لقاءاتهم لتأليف كتاب يكشف فيه كل شيء. وخلال قيام كيلي بحيلة خفة يد، يخبره غورينغ بأنه هو الآخر يعرف لعبة سحرية حيث سيختفي من المشنقة أثناء التنفيذ، فيسأله كيلي: كيف؟ ليجيبه: هذه مفاجأة.
يتغلب جاكسون على معارضة الحكومة الأميركية بالضغط على البابا بيوس الثاني عشر في الفاتيكان، الذي وقّع اتفاقية الرايخ مع النازيين عام 1933، لدعم محاكمة تهدف إلى استعادة مصداقيته الأخلاقية، ويوافق البابا مضطراً. يُعيّن جاكسون والمحامي البريطاني السير ديفيد ماكسويل فايف مدّعين عامّين في المحكمة العسكرية الدولية المُنشأة حديثاً في نورمبرغ، ألمانيا، إذ تم اختيار قاعة مكتبة واسعة مهدّمة ليُعاد بناؤها وتهيئتها لتكون قاعة محكمة. ويُوجّهان للمعتقلين تهمًا بارتكاب جرائم ضد السلام، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والتآمر.
يُساعد غورينغ كيلي في استجواب نائب الفوهرر السابق رودولف هيس مقابل أن يُوصل كيلي رسالة من غورينغ إلى زوجته إيمي وابنته إيدا. يُصبح كيلي وسيطاً بين غورينغ وعائلته، ويبدأ في التقرب منهم، ومع ذلك، ينجح جاكسون في إقناعه بمشاركة نتائج تحقيقه سراً مع النيابة.
ينتحر لي، الذي قيّم كيلي حالته النفسية بشكل إيجابي، خنقاً في زنزانته. على إثر ذلك، استدعى مدير السجن، العقيد بيرتون أندروس، الطبيب النفسي غوستاف جيلبرت لتقديم رأي ثانٍ.
عند بدء المحاكمة، مُنع المتهمون من الإدلاء ببيانات افتتاحية رغم محاولة غورينغ ذلك، ودفعوا ببراءتهم. خلال فترات الاستراحة، علم كيلي أن عائلة غورينغ قد اعتُقلت على خلفية سرقاته للوحات فنية، فطلب من أندروس التدخل. فاجأ جيلبرت غورينغ بإبلاغه بالأمر، مما أثار غضب كيلي.
عرض الادعاء لقطات مصوّرة وثائقية للفظائع المرتكبة ضد اليهود في معسكرات الاعتقال. واجه كيلي، وهو في حالة غضب، غورينغ الذي أنكر أي علم له بالأمر، وكاد أن يفلت من الإدانة بهذه الجرائم.
يقارن غورينغ المحرقة التي اقترفتها ألمانيا النازية ضد اليهود بإلقاء أميركا القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي، وأعلن أنه سيُخلّد اسمه في التاريخ أكثر من كيلي. في حالة من الذهول، كشف كيلي، وهو في حالة سُكر، عن محادثاته الخاصة مع غورينغ لليلى، وهي صحفية في صحيفة بوسطن غلوب كان قد التقاها في القطار قبل وصوله إلى لوكسمبورغ ودار حديث مقتضب بينهما، وقامت بنشر المعلومات. يأمر مدير السجن أندروس، وهو في حالة غضب شديد، بإعفاء كيلي من الخدمة وتسريحه، ويخبره أن إيمي زوجة غورينغ وابنته إيدا قد أُطلق سراحهما وتم نقلهما إلى جهة غير معروفة.
خلال وجوده في محطة قطار باد موندورف، نشاهد كيلي قبل سفره إلى الولايات المتحدة متخلياً عن القضية بعد عزله عن المحكمة. يكشف له مترجمه ومرافقه منذ وصوله، الرقيب هوارد تريست، أنه يهودي ألماني المولد، ورغم أن أخته هربت إلى سويسرا، إلا أن والديه اختفيا في أوشفيتز، البلدة الألمانية التي قامت فيها أفران حرق اليهود عام 1942. يحذر تريست من أن اللامبالاة تجاه الشر تركت وحشية النظام دون رادع، طالباً منه عدم الهروب والتخلي عن القضية في هذا الوقت بالذات.
يعود كيلي ويحضر المحكمة باعتباره متابعاً غير رسمي للقضية كونه أُبعد عنها، ليُسلّم ملاحظاته عن غورينغ إلى الادعاء العام، جاكسون وفايف، متوقعاً أن يستغل غورينغ المحاكمة للدفاع عن سلوك النظام، ومقترحاً عليهما انتزاع اعتراف منه باللجوء إلى شعوره بالعظمة. يتلعثم جاكسون في المحكمة العلنية بينما يُصرّ غورينغ على أنه لم يكن ينوي أن يكون الحل النهائي لـ”المسألة اليهودية” هو الإبادة. يُجبر فايف غورينغ على الاعتراف بأنه كان سيتبع هتلر حتى مع علمه الكامل بالإبادة الجماعية، فينهار نفسياً ويعترف بذلك.
يُحكم غورينغ بالإعدام شنقاً، وفي الليلة التي سبقت إعدامه انتحر باستخدام كبسولة سم السيانيد السريع والقاتل التي كان يخفيها عن الحراس بين ملابسه طوال فترة اعتقاله، وهذا ما قصده عندما قال لكيلي سأختفي بلعبة سحرية عن المشنقة. استمرت عمليات الإعدام المتبقية كما هو مقرر. تردد تريست في الكشف عن أصوله اليهودية لشترايشر اليائس، وساعده برفق على الوصول إلى المشنقة.
عاد كيلي، الذي صُدم من المحاكمة، إلى منزله في أميركا ونشر كتابه الذي كشف فيه كل شيء. لم يحقق كتابه “اثنان وعشرون زنزانة” نجاحاً تجارياً، وانغمس كيلي في إدمان الكحول، وقضى بقية حياته يحذر من أولئك الذين تشبه ميولهم النفسية ميول النازيين العائدين إلى السلطة، قبل أن ينتحر عام 1958. والتقى الرقيب تريست مجدداً بأخته التي كانت قد هربت إلى سويسرا.
فيلم نورمبيرغ جدير بالمشاهدة، وكان قد عُرض لأول مرة عالمياً في قسم العروض الافتتاحية لمهرجان تورنتو السينمائي الدولي في 7 سبتمبر 2025، وتم إصداره في دور العرض في الولايات المتحدة بواسطة شركة سوني بيكتشرز كلاسيكس في 7 نوفمبر 2025. وحقق إيرادات بلغت 31 مليون دولار، وتلقى مراجعات إيجابية بشكل عام من النقاد، مع إشادة خاصة بأداء راسل كرو.
يُذكر أنه كانت قاعة المحكمة التي تتسع لـ600 شخص في “قصر العدالة” في نورنبرغ ممتلئة عن آخرها عندما بدأ المدعي العام روبرت جاكسون في قراءة الأسماء واحداً تلو الآخر. كانت قائمته طويلة. بدأت “محاكمة المجرمين الرئيسيين في الحرب” ضد 24 من كبار قادة النازية في 20 تشرين الثاني 1945 في نورنبرغ. تم استجواب أكثر من 230 شاهداً خلال 218 يوماً من المحاكمة، وقراءة 300 ألف إفادة، وكتابة 16 ألف صفحة من المحاضر. تبعتها سلسلة محاكمات لبقية مجرمي الحرب، حيث شكّلت هذه المحاكمات الأساس لوضع قانون دولي ضد مجرمي الحروب، والتي قادت إلى تأسيس المحكمة الجنائية الدولية.
ولم يكن اختيار نورنبرغ كمكان للمحاكمة مصادفة. كانت المدينة البافارية في السابق مسرحاً لمؤتمرات الحزب النازي. هنا استعرض النظام النازي قوته، وهنا تم إعلان قوانين نورنبرغ العنصرية التي مهّدت الطريق للهولوكوست، ولهذا السبب بالذات كان يجب أن يتم إقامة العدل هنا.
وتُعتبر محاكمات نورنبرغ اليوم علامة فارقة في تاريخ القانون الدولي. في عام 1945 كان هناك أمل في أن المعايير القانونية المطبقة في نورنبرغ ستنطبق على الجميع في المستقبل. لم يعد بإمكان أي مجرم حرب الاعتماد فقط على سلطة منصبه أو قوانين بلده.
“إذا افترضنا أن القانون الجنائي الدولي ظهر لأول مرة في قاعة المحكمة الجنائية في “قصر العدل” في نورنبرغ عام 1945، فيمكننا أن نرسم خطاً مباشراً يربط بين تقاليد محاكم الأمم المتحدة لمجرمي الحرب في التسعينيات وصولاً إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية”، حسب خبير القانون فيليب غريبكه. “لكن هذا لم يؤدِ بالتأكيد إلى تطبيق القانون الجنائي الدولي بشكل كامل منذ عام 1946 أو كما نراه اليوم”.
لم يتم تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي إلا في عام 1998 وبدأت عملها في عام 2002. لكن ليست كل الدول تعترف بها. من بين 125 دولة طرفاً في الاتفاقية تغيب القوى العظمى الأهم: الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند، كما أن إسرائيل أيضاً ليست من بين الدول الأطراف.
ـسينماالعالم
ـمجلة ايليت فوتو ارت


