حين ينضج الصمت ويصحو العقل في الأربعين

بقلم: أحمد رشدى

قالها لي رجل كبير في السن يومًا: «يا بُني… العقل لا يكتمل إلا عند الأربعين.»

ابتسمت يومها مجاملة،
وربما شيئًا من الغرور كان يندسّ بين ثنايا نظرتي. كنت أظن ككثيرين في العشرينات والثلاثينات أن النضج فكرة مبالغ فيها،
وأن الحكمة ليست مرتبطة برقم في سجلّ الأحوال المدنية.

لكن الأعوام تمضي، ومعها يحدث شيء لا ننتبه إليه إلا حين يصبح واقعًا نعيشه: تتغيّر اهتماماتنا، يبرد صخب الروح، ويصبح للهدوء مذاق عجيب لا يشبه أي لذة أخرى.

اليوم، بعد أن جاوزت الأربعين بسنوات،
فهمت ما لم أفهمه حينها. صار فنجان قهوتي، وأنا أرتشفه ببطء، أهمّ عندي من كثير من الأمور التي كنت أعدّها «مصيرية».

أصبحت أفكّر أكثر، وأتكلّم أقلّ. صرت أدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الصمت في كثير من الأحيان موقف لا يجيد الوقوف فيه إلا من جَرّب الدنيا بما يكفي.

لكن… هل يكتمل العقل حقًا عند الأربعين؟

أم أن الفكرة مجرد إرثٍ اجتماعي تبادلناه جيلاً بعد جيل؟
تقول الأبحاث العصبية الحديثة إن الدماغ يواصل التطوّر حتى منتصف الثلاثينات وأحيانًا إلى بداية الأربعينات. القشرة الجبهية وهي الجزء المسؤول عن اتخاذ القرارات،
وضبط الانفعالات، وتقييم العواقب لا تبلغ نضجها الكامل إلا في هذه المرحلة.

ولذلك، ليس غريبًا أن يشعر المرء في الأربعين بنوعٍ من الاتزان الداخلي، كأن شيئًا ما قد «استقام» فجأة.

لم يعد يستجيب للمواقف بالاندفاع السابق،
ولم يعد يلهث خلف الأشياء،
بل يختار منها ما يليق بروحه.

القرآن الكريم يلمّح إلى هذا العمر في قوله تعالى:
«حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً…»
وقد ربط المفسّرون بين سنّ الأربعين وبين بلوغ الإنسان تمام قوته العقلية والنفسية.

وفي السيرة، كان عمر النبوة حين بُعث النبي ﷺ أربعين عامًا، وكأن الرسالة لا يحملها إلا من اكتمل وعيه وهدأت روحه واستوت بصيرته.

يرى علماء النفس أن الأربعين ليست «كمال عقل» بالمعنى الحرفي، بل مرحلة إعادة تشكيل.

العمر الذي يدفعك للنظر في المرآة لا لترى وجهك… بل لترى حياتك.
إنه سنّ المراجعات الكبرى وما الذي أردته؟ ما الذي حققته؟ ما الذي لم يعد يناسبني؟

في هذه المرحلة يتوقف الإنسان عن الركض خلف كل شيء،
ويبدأ في الركض نحو ما يريده فقط.

لا شيء ينضج العقل مثل التجربة. قد يبلغ المرء الأربعين دون حكمة إذا أمضى حياته غارقًا في السطحية، وقد تجد شابًا في الثلاثين يحمل عقل حكيم في السبعين لأنه ذاق ما يكفي من التجارب وتألم بما يكفي ليفهم.

لكن الأغلب… أن الحياة كانت قد منحت الأربعيني ما يكفي من الدروس ليصبح أكثر هدوءًا، أقلّ خوفًا، أقل اندفاعًا، وأكثر ميلًا للعمق.

الحقيقة أن العقل لا «يكتمل» بمعنى يتوقف، لكنه يصل إلى مرحلة اتزان.

مرحلة يرى فيها الإنسان الدنيا بعيونه لا بعين الآخرين. يقدّر النعمة قبل أن يفقدها.

ويفهم أن الوقت ليس طويلًا كما ظنّ،
وأن أجمل ما يفعله المرء أن يعيش بوعي…
لا بردود فعل.

إن الأربعين ليست عمرًا نبلغ فيه الحكمة فجأة، لكنها العمر الذي نستطيع فيه أخيرًا أن نسمع صوتنا الداخلي بعد أن خفت ضجيج العالم. وربما… كان ذلك الرجل الكبير على حق.

لكننا لا نفهم بعض الحقائق إلا متأخرين، حين نكون قد أصبحنا مستعدين لها.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم