حين يلتقي العقل والضمير .. طريق المجتمع إلى التوازن

بقلم : أحمد رشدي

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الآراء وتتصادم أحيانًا قبل أن تتحاور يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على الجميع كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على توازنه دون أن يُقصي رأيًا أو يُهمش صوتًا أو يُصادر اختلافًا مشروعًا إن الإجابة التي يتفق عليها كثير من المفكرين والخبراء وعلماء الاجتماع وعلماء الدين تكمن في كلمة واحدة جامعة هي
الوعي.

يرى خبراء علم الاجتماع أن المجتمعات لا تنهض بالقوة ولا تستقر بالصوت الأعلى بل تنمو حين يمتلك أفرادها وعيًا نقديًا قادرًا على التمييز بين الاختلاف والخلاف وبين التنوع والانقسام فالاختلاف سنة كونية لا يمكن إنكارها ولا ينبغي محاربتها بل إدارتها بعقل راشد يحترم الإنسان ويحتكم إلى المنطق والقيم المشتركة.

ويؤكد علماء النفس الاجتماعي أن المجتمعات التي تتقبل التعدد الفكري هي الأكثر قدرة على تجاوز الأزمات لأنها لا تهدر طاقتها في الصراع بل توظفها في البناء.

ومن زاوية أخرى يؤكد خبراء التربية أن الوعي لا يُولد فجأة ولا يُفرض بقرار بل يُبنى عبر التعليم والإعلام والأسرة حين يتعلم الطفل منذ صغره أن رأيه مهم لكن رأي غيره أيضًا مهم وأن الحقيقة قد تكون متعددة الزوايا لا أحادية الاتجاه ، هنا فقط ينشأ جيل قادر على الحوار لا على الإقصاء وعلى الإصغاء لا على الاتهام ويشير التربويون إلى أن غياب هذا المفهوم هو ما يحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع حاد يهدد السلم المجتمعي.

أما علماء الدين فيجمعون على أن جوهر الأديان السماوية جميعًا يقوم على حفظ كرامة الإنسان وإعلاء قيمة العقل وترسيخ مبدأ الرحمة والعدل وقد أكد شيوخ وعلماء أن الإسلام على وجه الخصوص قد رسخ منذ بداياته ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر وضرب أروع الأمثلة في قبول الاختلاف الفقهي والفكري دون تكفير أو تخوين مشددين على أن التعصب ليس من الدين في شيء وأن الخلاف إذا افتقد الأخلاق تحول من نعمة إلى نقمة.

ويذهب مفكرون معاصرون إلى أن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس الفقر ولا نقص الموارد بل فقر الوعي لأن غياب الوعي يفتح الباب واسعًا أمام الشائعات ويجعل العقول فريسة سهلة للتضليل ويحول الخلافات البسيطة إلى معارك كبرى لا رابح فيها ويؤكد هؤلاء أن الإعلام الواعي مسؤولية كبرى لأنه إما أن يكون جسرًا للفهم أو وقودًا للاحتقان.

إن المجتمع المتوازن هو ذاك الذي تتجاور فيه الآراء دون أن تتناحر وتختلف فيه الأفكار دون أن تتكسر وتتنوع فيه الرؤى دون أن تتنازع وهذا لا يتحقق إلا حين يلتقي العقل بالعلم والضمير بالقيم والدين بالحكمة وحين ندرك جميعًا أن قوتنا الحقيقية لا تكمن في تشابهنا الكامل بل في قدرتنا على العيش مع اختلافنا باحترام ووعي ومسؤولية.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم