بقلم : أحمد رشدي
لم يكن الخلاف في الرأي يومًا عيبًا، بل كان علامة صحةٍ فكرية، ودليل حيويةٍ حضارية. غير أن ما نشهده اليوم ليس اختلافًا منضبطًا، بل فوضى آراء تتزاحم فيها الأصوات حتى يضيع المعنى، ويختلط العلم بالظن،
والخبرة بالادعاء.
لقد أصبح الجميع خبراء في كل شيء في الطب، والاقتصاد، والسياسة، والتربية، وحتى في أدق التخصصات العلمية التي تحتاج سنواتٍ من الدراسة والبحث والمراجعة.
في عصر المنصات الرقمية، لم يعد الوصول إلى الجمهور حكرًا على أهل الاختصاص.
ضغطة زر تمنحك منبرًا، وكلمة عابرة قد تتحول إلى “حقيقة” متداولة. وهنا تكمن المفارقة لقد توسعت حرية التعبير وهو مكسب لا يُنكر لكن في المقابل تراجعت هيبة التخصص،

وأصبح الرأي الشخصي يُقدَّم أحيانًا في ثوب المعلومة المؤكدة.
التخصص ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة منهجية. فالعلم يقوم على تراكم معرفي، وعلى أدوات تحليل وضوابط استدلال، وعلى مراجعة الأقران وتصحيح الأخطاء. الطبيب لا يُفتي في الهندسة، والمهندس لا يُشخّص الأمراض، والاقتصادي لا يُصدر أحكامًا فقهية بغير علم. هذا ليس تقوقعًا، بل احترام لطبيعة المعرفة وحدودها.
لكن وتيرة الحياة المتسارعة، وثقافة “الترند”، وحب الظهور، كلها عوامل دفعت كثيرين إلى اقتحام مساحات ليست لهم.
فالمشهد العام يكافئ الصوت الأعلى لا الفكرة الأعمق، ويمنح الانتشار السريع قيمةً تفوق أحيانًا قيمة الدقة.
وهنا يبدأ الخلل الأخلاقي حين يتكلم الإنسان فيما لا يعلم، وهو يدرك أو يفترض به أن يدرك أن كلامه قد يؤثر في قرارات الآخرين وصحتهم ومستقبلهم.
إن خيانة التخصص ليست مجرد خطأ معرفي، بل خلل في واعز الضمير. فالضمير العلمي يقتضي أن يعترف المرء بحدود معرفته، وأن يقول “لا أعلم” حين لا يعلم.
وهذه الكلمة، على بساطتها، تحتاج شجاعة أخلاقية نادرة في زمن الاستعراض. إن الادعاء يمنح وهجًا لحظيًّا، لكن الاعتراف بالجهل في مسألةٍ ما يمنح احترامًا دائمًا.
لقد أظهرت دراسات علم النفس الاجتماعي ما يُعرف بتأثير “دانينغ-كروجر”، حيث يميل بعض الأفراد ذوي المعرفة المحدودة إلى المبالغة في تقدير فهمهم، بينما يكون الخبراء الحقيقيون أكثر حذرًا وتواضعًا في أحكامهم.
وهذه المفارقة تفسر جانبًا من فوضى المشهد؛ فالواثق بلا علم يتقدم الصفوف، والمتخصص المتأني يتأخر، خشية الوقوع في التعميم أو التبسيط المخل.
غير أن المسؤولية لا تقع على من يتكلم بغير علم وحده، بل أيضًا على المتلقي. فثقافة الاستهلاك السريع للمعلومة، دون تحقق أو تمحيص، تُسهم في تضخيم الأصوات غير المؤهلة.
إن إعادة الاعتبار للعلم تبدأ من سؤال بسيط: ما مصدر هذه المعلومة؟ وما مؤهلات قائلها؟ وهل يوجد إجماع أو خلاف معتبر بين المختصين؟

أما دور الفرد في المواجهة، فيبدأ من الانضباط الذاتي. أن نتحرى الدقة قبل النشر، وأن نفرّق بين الرأي الشخصي والحقيقة العلمية، وأن نُحيل إلى أهل الاختصاص عند الحاجة.
فليس عيبًا أن يكون للإنسان رأي، لكن العيب أن يلبسه ثوب الخبرة دون سند.
كما أن للمؤسسات التعليمية والإعلامية دورًا حاسمًا في ترسيخ قيمة التخصص، عبر إبراز النماذج العلمية الرصينة، وتقديم المعرفة في صورة مبسطة دون إخلال بجوهرها. فالمعركة ليست ضد حرية التعبير، بل ضد الاستسهال المعرفي الذي يُسوّي بين من أفنى عمره في البحث، ومن قرأ منشورًا عابرًا.
إن الغيرة على المفاهيم الأخلاقية والعلمية ليست تشددًا، بل دفاع عن كرامة العقل. فالمجتمعات التي تُهمل التخصص، وتُساوي بين العالم والمدّعي، تدفع ثمن ذلك قراراتٍ خاطئة، وخياراتٍ مضللة، وثقةً مهزوزة في كل شيء.
في نهاية المطاف، لا يمكن أن يتقدم مجتمعٌ يتكلم فيه الجميع في كل شيء، بينما يُتهم المتخصص بالتعقيد.
فالعلم لا يصرخ، لكنه يبني.
والضجيج قد يجذب الانتباه،
لكنه لا يُقيم حضارة.
وحين يتكلم الجميع… يجب أن نتعلم كيف نُصغي لمن يستحق أن يُسمع.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


