دينا أبو شادي
استيقظت القاهرة على مشهدٍ لم تألفه من قبل في صباح ربيع عام 1517.
عند باب زويلة، لم يكن الحشد ينتظر إعدام رجلٍ فحسب، بل كان شاهدًا على نهاية عصرٍ كامل.
في تلك اللحظة، أدركت المدينة أن ما يُقتل ليس طومان باي وحده، بل دولةٌ حكمت مصر قرابة ثلاثة قرون.
طومان باي ملكا للدولة:
كان الأشرف طومان باي آخر سلاطين المماليك اعتلى العرش في زمنٍ حروب. فبعد مقتل السلطان قنصوه الغوري في معركة مرج دابق، ورث طومان باي دولةً منهكة؛ جيشها متصدع، وأمراؤها منقسمون، بينما كانت المدافع العثمانية تقترب بلا رحمة. ورغم ذلك، لم يختر الاستسلام، بل حمل عبءَ الحكم والمقاومة معًا، مدفوعًا بإحساسٍ عميق بالمسؤولية تجاه مصر.
دخول العثمانيين القاهرة :
خاض طومان باي معركة الريدانية ضد السلطان العثماني سليم الأول، في مواجهةٍ غير متكافئة بين سيوفٍ أنهكها الزمن وجيشٍ يمتلك أحدث الأسلحة النارية.
انتهت المعركة بالهزيمة، ودخل العثمانيون القاهرة، غير أن تلك الهزيمة لم تكن إعلان النهاية.
طومان باي في مواجهة العثمانيين:
على مدى قرابة عامين، واصل طومان باي مقاومة العثمانيين، متنقلًا بين المعارك ومحاولات إعادة تنظيم الصفوف، رافضًا أن يسقط الحكم المملوكي دون مقاومة تليق بتاريخه.
تنقّل متخفيًا بين أزقة القاهرة والوجه البحري، وجمع من تبقّى من أنصاره، كأن روحه ترفض الإعتراف بالأفول السريع لكن الخيانة كانت أسرع من الأمل.
أُلقي القبض عليه وسُلِّم إلى العثمانيين. وعندما وقف تحت المشنقة عند باب زويلة، واجه الموت بثباتٍ نادر، حتى إن خصومه تأثروا بصموده.
طومان باي رمز الشعبية:
بموته انتهت دولة المماليك رسميًا، وبدأ عهدٌ جديد في تاريخ مصر. غير أن اسم طومان باي لم يُدفن مع جسده، بل بقي حيًا في الذاكرة الشعبية رمزًا للشجاعة والمقاومة والكرامة، في زمنٍ صار فيه الصمود فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون عسكريًا. لم يكن بطلًا منتصرًا، لكنه كان شاهدًا صادقًا على لحظة انتقالٍ قاسية، حين اختلط الدم بالسياسة، والحزن بالأمل، والنهاية ببدايةٍ جديدة رسمت ملامح التاريخ الحديث لمصر والمنطقة، وتركَت سؤالًا مفتوحًا عن معنى السلطة، والولاء، والمصير الإنساني عند سقوط الدول.
******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت


