حين كانت الساعة تُخبر الناس بالوقت، ويُخبر المكان الناس بأنهم في مدينة حمص.

حمص العِدِيّة… حين كانت الساعة تُخبر الناس بالوقت، ويُخبر المكان الناس بأنهم في حمص

أنظروا إلى هذا المشهد جيدًا…

الرجل الجالس في ظل الساعة القديمة، يستريح بهدوء وكأن الزمن نفسه أخذ استراحة معه. الساعة تشير إلى الواحدة إلا ربعًا تقريبًا، والشمس ـ كما يقول أهل حمص ـ “أفَت”الشمس، أي بدأت تميل من الشرق نحو الغرب، فصار للظل قيمة، وللجلوس تحته متعة يعرفها أبناء المدن القديمة.

وهناك في الوسط فارسٌ على مهرته، يعبر الساحة مطمئنًا، وكأننا نسمع وقع الحوافر على حجارة اللبون الحمصية. يا راكب الحمرا

يا راكب الحمرا قنا طير

طير

سلّم على احباب قلبي قناطير

قناطير قناطير

أه ويلي واني المجروح وبجريي قناطير .

وفي طرف الصورة حافلةٌ تقطع المشهد ببطء، وبينها وبين المارة حكايات عمل ومدارس وأسواق. أما صاحب الدراجة الهوائية فيبدو كأنه خرج يبحث عن رزقه أو عن فرصة عمل بالصيف ، أرسلته عائلته صباحًا وهو يحمل أملًا أكبر من عمره.

تلفت النظر أيضًا ملابس الرجال والنساء؛ بساطتها وأناقتها واحتشامها الذي كان جزءًا من روح المكان. طفلٌ يمشي قرب أمه بلباسه الصيفي الخفيف، لا يعرف أنه بعد عقود سيصبح جزءًا من صورة تاريخية يتأملها الناس بشغف.

وفي الخلفية لافتة معلّقة بين الأشجارفي المنصف الذي كان على جانبيه الأشجار والترتوار البسيط للأرضية ، وإعلانات بسيطة تظللها الأغصان، لا صخب فيها ولا ألوان صارخة، بل كانت المدينة تتحدث بهدوء يشبه أهلها.

أما أكثر ما يأسر القلب فهو الأرض…

هذه الساحة المفروشة بحجر اللبون الحمصي، المرصوف بعناية ودقة هندسية مدهشة. حجارة صغيرة متناسقة، تسمح للماء بالنفاذ، وتعيش عشرات السنين، وتحفظ هوية المكان. تقنية عمرانية ورثناها عن أجدادنا متعاقبة منذ قرون طويلة، وربما منذ آلاف السنين، ثم أهملناها واستبدلناها بطبقات الإسفلت التي تخفي جمال الأرض وتزيد حرّ الصيف وتفقد المدن شخصيتها.

في هذه الصورة لا نرى شارعًا فقط…

نرى مدينة تسير على مهل.

نرى بشرًا لم تكن هواتفهم تسرق أعينهم.

نرى ظلًا له معنى، وحجرًا له ذاكرة، ووقتًا كانت الساعة فيه تُقرأ من برجٍ في الساحة لا من شاشة في الجيب.

هذه ليست صورة قديمة فحسب…

إنها درسٌ في العمران، وفي الإنسان، وفي جمال المدينة عندما كانت تُبنى لتُعاش لا لتُستهلك.

حمص… مدينة كانت تعرف كيف تصنع المكان، قبل أن ننسى نحن كيف نحافظ عليه.

y_z_r

أخر المقالات

منكم وإليكم