سنجعل هذه الكلمات تخرج هذه المرة كأنها نُقشت على لوحٍ من طينٍ رطب في أوغاريت
مع أول خيط من نور الفجر
حين كانت التراتيل ترتفع من المعبد
ويكتب الكتبة حكمتهم قبل أن تجفّ الألواح تحت شمس الساحل.
في فجرٍ قديمٍ من فجر أوغاريت
حين كان البحر ما يزال يهمس على الشاطئ
وحين كانت السنابل تنتظر مطر بعل
جلس الكاتب في ظلّ المعبد
وضع أمامه لوحاً من طينٍ دافئ
وقال:
إن في هذا العالم عجائب كثيرة
لكن أعجب ما فيه
قلبُ أب
وقلبُ أم.
قلب الأب
تحفةٌ صنعتها الطبيعة في صمتٍ طويل
قلبٌ يشبه الجبل حين تقف عليه الرياح
فلا ينحني
ويشبه السنديانة حين تضربها العواصف
فتبقى واقفةً تحرس الأرض.
في قلب الأب قوةٌ لا تُرى
وصبرٌ لا يُكتب
ويدٌ تمتدّ لتمنح
حتى إذا خلت اليد من كل شيء.
هو لا يضيء كالمصباح
ولا يتكلم كالماء
لكنه يحمل البيت على كتفيه
كما يحمل العمود سقف المعبد
فإذا غاب
شعر الجميع أن الجدران مالت
وأن الريح صارت أقرب.
أما قلب الأم
فهو شيء آخر
لا يشبه الجبال
ولا يشبه الأعمدة
بل يشبه النار المقدسة التي لا تنطفئ.
قلب الأم
شمعةٌ وضعتها الآلهة في ليل الحياة
تضيء بهدوء
وتحترق بصمت
وتذوب قليلاً قليلاً
لكي يبقى النور.
هي لا تقول: أنا أتعب
ولا تقول: أنا أعطي
بل تعطي كما تعطي الأرض قمحها
وكما يعطي المطر ماؤه
وكما تعطي السماء نورها
دون أن تنتظر شكراً من أحد.
وفي قلبها رقةٌ
لو وُضعت في حجرٍ لتفتّح
ولو وُضعت في ليلٍ طويل
لصار الفجر أقرب.
قال الكاتب الأوغاريتي وهو ينقش على الطين:
إذا كان الأب
هو السور الذي يحمي البيت
فإن الأم
هي النار التي تجعل البيت بيتاً.
وإذا كان الأب
هو الطريق الذي نسير عليه
فإن الأم
هي الضوء الذي يجعلنا نرى الطريق.
وفي ذلك الفجر البعيد
حين انتهى الكاتب من نقش كلماته
رفع اللوح نحو الشمس
وقال:
مباركٌ البيت
الذي فيه قلب أبٍ صابر
وقلب أمٍ مضيء
فإن الآلهة تمرّ من هناك
وتترك على بابه
أثر البركة.
عاشق أوغاريت…غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة هكذا تخيلني الذكاء الاصطناعي بالزي الاوغاريتي احمل في اليد اليسرى رقيمًا فخارياً وفي اليد اليمنى صولجان .. انقش ترتيلة الصباح لكي اتلوها لكم في معبد اوغاريت.


