حين تتحول الحماية إلى قيد .. علاقة الأهل بأبنائهم في سن المراهقة

بقلم .. إيمان سيد عبدالله

في مرحلة المراهقة، لا يكون الأبناء مجرد أطفال كبروا قليلًا، بل هم عوالم كاملة تتشكل من جديد. أفكار تتغير، مشاعر تتقلب، وهوية تبحث عن نفسها وسط ضجيج الحياة. هنا تحديدًا، تصبح علاقة الأهل بأبنائهم إما جسرًا يعبرون عليه بأمان… أو فجوة تتسع يومًا بعد يوم.

المشكلة ليست في حب الأهل، فالحب موجود بالفطرة، لكن في الطريقة التي يُترجم بها هذا الحب. كثير من الآباء والأمهات يعتقدون أن السيطرة هي الوسيلة الوحيدة للحماية، وأن الشدة تعني التربية السليمة، فيتحول القلق إلى أوامر، والخوف إلى رقابة خانقة. في المقابل، يرى المراهق نفسه كائنًا مستقلًا، يريد أن يُسمع صوته، وأن يُحترم رأيه، حتى وإن كان خاطئًا أحيانًا.

وهنا يبدأ الصدام.

المراهق لا يرفض أهله، بل يرفض الطريقة التي يُعامل بها. يرفض أن يُنظر إليه كطفل لا يفهم، أو كشخص يجب أن يُقاد دون نقاش. وعندما لا يجد مساحة للحوار داخل بيته، يبحث عنها خارجه، بين أصدقاء قد لا يكونون دائمًا الخيار الأفضل.

في المقابل، يشعر الأهل بأن أبناءهم “تغيروا”، أصبحوا عنيدين، غامضين، وربما متمردين. لكن الحقيقة أن هذا التغير طبيعي جدًا، بل ضروري. فالمراهقة ليست أزمة، بل مرحلة بناء… تحتاج إلى احتواء لا قمع، وإلى توجيه لا تحكم.

العلاقة الصحية في هذه المرحلة لا تقوم على فرض السلطة، بل على التوازن. أن يكون هناك حدود واضحة، نعم، لكن مع مساحة للحرية. أن يكون هناك نصح، لكن دون إهانة. أن يُسمع الابن كما يُطلب منه أن يسمع.

الكلمة الطيبة في هذا العمر قد تصنع إنسانًا واثقًا، بينما القسوة قد تزرع داخله خوفًا أو تمردًا أو حتى انكسارًا لا يُرى بسهولة.

والأخطر من كل ذلك هو الإهمال العاطفي… حين يكون الأهل موجودين جسديًا، لكن غائبين نفسيًا. لا يسألون، لا يستمعون، لا يلاحظون التغيرات. فيكبر المراهق وهو يشعر أنه وحيد، حتى وسط أسرته.

إن العلاقة بين الأهل وأبنائهم في سن المراهقة ليست معركة يجب الفوز بها، بل مسؤولية يجب فهمها. فكل كلمة، كل تصرف، كل رد فعل… يترك أثرًا قد يمتد لسنوات طويلة.

وفي النهاية، لا يحتاج المراهق إلى أهل مثاليين… بل إلى أهل يحاولون فهمه، حتى وهو لا يعرف كيف يشرح نفسه.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم