دينا أبو شادي
العمال عمود من عواميد الحضارة المصرية القديمة:
لم تكن الحضارة المصرية القديمة مجرد ملوك عظماء أو حروب فقط ، ولم يعمل المصريين كعبيد كما يعتقد البعض بل كانوا عمال مدفوعين الأجر و لهم سكنهم الخاص أيضاً، فقد كان الفلاحون يشكلون العمود الفقري للاقتصاد و الحرفيون الذين امتلكوا مهرات دقيقة كالنحث المثالي الذي يظنه الناس أنه منحوت باستخدام آلات متطورة، والنجارون يصنعون الآثاث الجنائزي المستخدم ف المقابر، والصاغة فكانوا يصنعون الحلي الذي ينبهر بها العالم حتى الآن كالتي وجدت في مقابر الملوك مثل الملك الصغير توت عنخ امون.
ولا يجب أن ننسى العمال المتخصصون المشاركون في مشاريع كبيرة مثل نقل الاحجار من المحاجر إلى موقع البناء وكانت بيئة العمل منظمة مثل الوقت الحالي بنظام انصراف و حضور و تقديم إجازات، فالعمال هم القوة الخفية التي أعطت للحضارة روحها و استمراريتها وجعلت منها واحدة من أعظم حضارات العالم القديم.
العمال في عصر بناة الأهرامات:
الملك لم يكن فقط قاهر للاعداء بل كان كالحامي الروحي لشعبه فكان يوفر لهم مكان قريب من مواقع البناء كمدينة العمال الموجودة في هضبة الجيزة ، وجدوا فيها بيوت منظمة ومخابر و مخازن كما أنه يوجد مقابر للعمال أيضاً، وهذه المقابر أوضحت لنا عن نظام حياة منظم.
ومن هذه المدينة عرفنا من قام ببناء اهرامات الجيزة العظيمة ، كما أننا علمنا أنهم كانوا ينقلون الاحجار من طرة و اسوان، وكانوا مقسمين لفرق كل فرقة مسؤولة عن مهمة ما كفرقة اصدقاء خوفو، ومن الأدلة الأثرية التي وجدت هي برديات وادي الجرف، وهي مذكرات العامل مرر المشرف على نقل الاحجار الجيرية من طرة إلى الجيزة كما أنه ذكر عدد الرحلات اليومية و تسجيل العمل تحت إشراف الدولة ،ايضاً توجد برديات حسابات زراعية توضح دور العمال ف الاقتصاد ك حساب الضرائب، تسجيل كمية القمح الذي يزرعها الفلاحين و توزيع الحبوب كأجور للعمال أيضا .
العمال في الدولة الوسطى و توسع المهام:
في الاسرات ١١ و ١٢ ، لم يعد دور العمال مقتصر على البناء فقط، بل توسع ليشمل الري ، الزراعة و الدفاع أيضاً ، فقد ركزت الدولة على استصلاح الأراضي خاصه منطقة الفيوم حيث تم تنفيذ مشاريع ضخمة لتنظيم المياه هناك وحرص العمال على بناء حصون لحماية حدود مصر ك حصن بوهين ف الجهة الجنوبية لمصر وحصن سمنة و اورونارتي ، لم تتواجد مجتمعات منغلقة ك مدينة عمال الجيزة ولكن كان يوجد تجمعات موقتة ظهرت ف المشروعات الكبيرة وكانت اماكن السكن بسيطة من الطوب اللبن.
كما أنه تم اكتشاف مدينة بالقرب من منطقة اللاهون تسمى ب (كاهون) واتضح أنها مدينة سكنها العمال و الحرفيين و موظفين إداريين للإشراف على مشروع ك هرم الملك سنوسرت الثاني، كما تواجدت اماكن تجمعات مؤقتة حول السدود و القنوات ل استصلاح الأراضي و تجفيف الأرضٍ المستنقعية و تحويلها لزراعة و بناء سدود للتحكم في المياه.
الدولة الحديثة في عصر الإمبراطورية و العمال المتخصصين:
بعد توحيد مصر مرة أخرى تحت رايه واحدة على يد الملك احمس ، أصبحت الدولة الحديثة علامة مؤثرة في تاريخ العالم القديم، ومن اشهر مدن العمال في مصر هي دير المدينة التي عرفت ب ست ماعت اي مكان الحق التي بنيت في عهد ابن الملك احمس ، الملك امنحتب الأول الذي اشتهر ب اهتمامه بالعمال و البناء لذلك عبده بعض العمال هو و والدته احمس نفرتاري.
كانت قرية مخططة و مقفولة نسبيا ، مخصصة لعمال حفر و زخرفة المقابر الملكية كما تواجدت فيها بيوط منظمة و شوارع و مخازن وظهر ما يشبه “نقابات عمل بسيطة” داخل فرق العمل وكان فيه اهتمام واضح بتقسيم العمال إلى مجموعات صغيرة لكل مجموعة مهام محددة في البناء أو النقل أو الزخرفة.
عمل العمال في مواقع ضخمة ومهمة من أشهرها وادي الملوك و الملكات، معبد الكرنك و معبد الأقصر ، مناجم الذهب في الصحراء الشرقية و محاجر الحجر في اسوان لاستخراج الجرانيت ، وتوفر لهم اجر خبز و بصل و جعة و حبوب و زيت، كما توضح لنا برديات دير المدينة تسجيل الحضور و الغياب يومياً ، تواجد اجازات رسمية فالاعياد ، طبيعة الأجور كما ذكرنا و وجود نظام عقاب و مكافأة.
كما أننا وجدنا ادوات عمل كالأزاميل و المطارق ، رسومات على الجدران تصور العمل نفسه، مقابر للعمال المزخرفة ، وكان العمال واعيين لحقوقهم جيداً حيث أننا وجدنا بردية اضراب عن العمل في دير المدينة لتأخر الأجور و توقف العمال عن العمل بشكل جماعي وتم إجبار الدولة على حل المشكلة و صرف المستحقات وهذا يعتبر من أقدم أشكال الاحتجاج العمالي فالتاريخ.
العمال هم القوة التي صنعت الحضارة:
عندما تتبع تاريخ العمال في مصر القديمة عبر الاسرات ستجد أنهم لم يكونوا عبيد أو مهمشين بل كانوا عنصر أساسي في كل مرحلة من مراحل تطور الدولة ،من بناء المقابر و المعابد حتى عمال الري و الدفاع عن الحدود ، ظل العامل المصري حاضراً في كل إنجاز و عاش و ترك أثراً لا يمكن أن يمحى مهما حدث فالحضارة المصرية لم تكن حضارة ملوك.. بل حضارة شغب كامل وكان العمال هم البطل في هذا المجد.
******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت


