حين تبدل القدر

قصة يعقوب وعلي التي أبكت الجميع

في عام 2002، شهد أحد مستشفيات المملكة العربية السعودية حدثًا غير عادي، بل مأ*ساويًا بمعنى الكلمة. في لحظة من الفرح العارم، وُلد طفلان بفارق دقائق: أحدهما لعائلة سعودية، الأب محمد آل منجم، الذي طالما حلم بأن يصبح أبًا؛ والآخر لعائلة تركية تقيم في المملكة، الأب يوسف جوجا، الذي استقبل طفله الأول بدموع الامتنان.

لكن الفرحة تحوّلت إلى مأساة صامتة… خطأ بشري بسيط في غرفة الولادة أدّى إلى تبديل الطفلين. دون أن يدري أحد، تم تسليم يعقوب آل منجم للعائلة التركية، وعلي جوجا للعائلة السعودية.

لم يشك أحد في شيء، فكل طفل عاد إلى منزل دافئ، وحُمل على الأذرع، وغُمر بالمحبة. السنوات الأولى مرّت بهدوء… لكن في تركيا، بدأ الأب يوسف يلاحظ شيئًا لا يستقيم: ملامح “يعقوب” لا تشبهه ولا تشبه أمه، وتصرفاته لا تعكس جيناتهم، وحتى فصيلة دمه مختلفة.

مدفوعًا بالشك والمحبّة، أجرى فحصًا للحمض النووي… وكانت الحقيقة صادمة: الطفل ليس ابنه!

لم يتردد لحظة. حزم أمتعته وسافر إلى السعودية ليبحث عن الحقيقة. وبالفعل، وبعد مراجعة السجلات والتحقيقات، تم العثور على العائلة السعودية. وتبيّن أن “علي” الذي يعيش في بيت محمد آل منجم ليس ابنه البيولوجي، بل ابن يوسف جوجا.

الصمت خيّم، والدموع سالت، والصدمة أصابت الجميع في العمق. كيف يمكن لقلب أن يتخلى عن طفل ربّاه أربع سنوات؟ وكيف يمكن لطفل أن يُسلَّم لعائلة يراها لأول مرة ويقال له: “هذه عائلتك الحقيقية”؟

الدولة تصرّفت بحكمة وإنسانية. لم تترك الأمر للقدر فقط، بل هيّأت فريقًا متكاملًا من الأخصائيين لمرافقة الطفلين والعائلتين في هذه الرحلة المعقدة. بل تم إسكان الأسرتين بجانب بعضهما، حتى لا يشعر أي طفل بأنه انتُزع من حضن ليُلقى في آخر.

وبهدوء… وبكثير من الحنان… بدأ كل طفل يتعرّف على عائلته الأصلية. يعقوب بدأ يلمس وجه أمه الحقيقية، ويتعلم لهجة أبيه، بينما علي بدأ يسمع لأول مرة قصص عائلته في تركيا، ويرى ملامحه منعكسة في عيون والده البيولوجي.

وفي النهاية، عاد كل طفل إلى بيته الحقيقي، لكن الروابط التي تشكلت في السنوات الأربع لم تنك*سر. بل تحوّلت إلى جسر بين العائلتين. أصبح علي ويعقوب أكثر من إخوة، يتزاوران باستمرار، ويحتفلان بالأعياد سويًا، ويعيشان حياة مرتبطة بجذور مزدوجة… جذور بالد*م، وأخرى بالمحبة.

إنها قصة تُثبت أن الأبوة ليست فقط في الجينات، بل في العطاء… وأن قلوب البشر، حين تنكسر، قد تبني جسورًا أقوى من كل شيء. 

#مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم