حيث يكتب البحر والجبل حكايا الأجداد.أرجوان الذاكرة التي لا تشيخ: الساحل السوري.- د.غسان القيم.

أرجوان الذاكرة التي لا تشيخ: الساحل السوري.. حيث يكتب البحر والجبل حكايا الأجداد
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في الساحل السوري لا يبدأ التاريخ من الكتب بل يبدأ من صرخة بحارٍ قديم دفع قواربه نحو الأفق.. ومن مزارعٍ رصّ حجارة “السناسل” الجبلية ليحمي شتلة زيتون.
هنا حيث يمتزج اللون الأزرق بالأخضر نجد تراثاً لا يشبه غيره تراثاً صاغته أمواج المتوسط وعمّدته شمس الفينيقيين.
تبدأ الحكاية من “أرواد” قلعة البحر التي لا تنام.. تلك الجوهرة الطافية التي تعتبر المتحف الحي الوحيد في عرض البحر. تراث أرواد ليس فقط في أسوارها الضخمة التي صدت الغزاة بل في “صناعة السفن” الخشبية التي ما زالت تقاوم عصر الفولاذ. إنها مهارة يورثها الأب لابنه حيث تتحول الأخشاب الصماء إلى كائنات بحرية رشيقة في طقسٍ تراثي يعيدنا إلى آلاف السنين حين كان السوريون أسياد البحر وأول من نشر الأبجدية عبر الموانئ.
وعلى مقربة من اللاذقية تقف “رأس شمرا” (أوغاريت) شاهداً على أعظم هبة قدمها التراث السوري للعالم الأبجدية.
الحجر الذي نطق بالحروف
عندما تتجول في أزقة أوغاريت المتبقية تشعر بأنك لا تمشي على ركام بل على أرضٍ شهدت ولادة الفكر الإنساني المنظم. تراث أوغاريت المعماري بقصورها ومكتباتها تخبرنا أن الساحل السوري كان “مختبر الحضارة” الذي علّم البشرية كيف توثق أحلامها وتجارتها وقوانينها.
إذا صعدنا قليلاً نحو الجبال التي تطل على البحر، سنجد تراثاً من نوع آخر؛ القلاع التي تتربع على القمم مثل “قلعة المرقب” و”قلعة صلاح الدين”.حراس السحاب هذه الصروح ليست مجرد أبراج مراقبة بل هي تجسيد لعبقرية هندسية في اختيار المواقع وتطويع التضاريس القاسية. تراثنا هنا يحكي قصص الصمود وتمازج الثقافات التي مرت من هنا وتركت بصماتها في الحجر والنقوش.
لكن الساحل السوري لا يسكن القلاع فقط بل يسكن في “الموال الساحلي” الذي يخرج من حناجر الصيادين محملاً بالشجن والقوة يسكن في “الدبكة” التي تضرب الأرض لتهز الجبال وفي طقوس حصاد القمح و”قطاف الزيتون” التي تجمع العائلات في احتفالية سنوية هي جوهر الانتماء للأرض.
ولا يكتمل الحديث عن تراث الساحل دون استحضار “المطبخ الساحلي” من “السمكة الحرة” إلى “الشنكليش” و”الخبز بفليفلة” والمجدرة والبرغل بحمص والقائمة تطول وهي أطباق تحمل في طياتها نكهات توارثتها الأجيال، وتعكس كرم الضيافة السورية الأصيلة.
في اليوم العالمي للتراث ننظر إلى ساحلنا السوري لا كوجهة سياحية فحسب بل كأمانة تاريخية. إن حماية “النواعير” الحجرية الصغيرة في الوديان والحفاظ على الحرف اليدوية كصناعة “الفخار” و”الحرير” في القدموس والدريكيش هي واجب مقدس ليبقى وجه سورية مشرقاً وأصيلاً.
إن تراث الساحل السوري هو “الأرجوان” الذي صبغ تاريخنا بالتميز وهو البوصلة التي تخبرنا أننا أبناء بحرٍ لا يحدّه أفق وجبالٍ لا ينال منها.
د.غسان القيم

أخر المقالات

منكم وإليكم