حول فيلم ” زوجتي تبكي ” لانكيلا شانلك.والذي ترشح لجائزة الدب الذهب ببرلين ٧٦.

تحفة #برلين_76؟!؟مع #زوجتي_تبكي لأنغيلا شانلك، المنافس على “دبّ” مهرجان برلين السينمائي، نجد أنفسنا مرة أخرى أمام فيلم سيحبّه مَن يحبّه ويكرهه مَن يكرهه. لا حلّ وسطاً. سيرى بعضهم فيه ما يثير الملل، بينما سيجد آخرون متعة لا يمكن إنكارها. هذه هي روعة الفنّ. خرج كثيرون من العرض الصحافي، لكن مَن بقي استلذّ بالاحتكاك مع جسد غريب يسكن قاعة السينما. الذين صبروا نالوا متعة فريدة. من الصعب القول إنني فهمتُ كلّ شيء من الفيلم. لكن، هل الفهم هو ما تدعونا إليه المخرجة أنغيلا شانلك؟بعد مجموعة أفلام رتيبة ومتكررة، جاءتنا المسابقة بلغز سينمائي؛ عمل يذكّرنا بسؤال لماذا نحبّ السينما، رغم أننا لا نستطيع تفسير سبب حبّنا للفيلم نفسه. لا قصّة واضحة، ولا بناء سردياً يوصلنا إلى “نتيجة”، ولا حتى بهجة. لا، بل يمكن القول إنه لا ينقصه الملل في بعض الأحيان. هذا فيلم لمحبّي الارتقاء بالسينما، لأولئك الذين يؤمنون بأنها ليست ملزمة سرد القصص، ولا عليها أي واجب تجاه شيء أو أحد. شانلك تعرض لنا شذرات حياتية: حوارات، تجوال، مواقف صغيرة تضعها أمام الكاميرا، تحاول أن تصنع منها شيئاً، أو تتركها لتضيع في الفراغ. أطروحتها بسيطة للغاية، والبساطة هنا تختلف تماماً عن التبسيط، وهي تتطلّب تعقيداً داخلياً، كما كان يؤمن عباس كيارستمي.حتى كلمة “تحفة” تبدو وصفاً لا يليق بهذا الفيلم الذي يتجاوز التصنيفات. فماذا يعني أن نصف فيلماً هو بالفعل لا يُقارَن بشيء ولا مرجعية له؟ له وجوده الذاتي، لا يحاول أن يقلِّد، ولا يكترث لأي شيء آخر. إنه قطعة فنية قائمة في ذاتها، تتجوّل بين الأنواع السينمائية بحرية كاملة، دونما شعور بأنها جزء من أي منها.كيف نروي فيلم شانلك؟ يكاد يكون من المستحيل أن نجد ما يعادله في اللغة المنطوقة. المفارقة أن الفيلم نفسه، رغم هذا، يقوم على الكلام. ليس ذلك الكلام الذي نراه في “عشائي مع أندريه” للوي مال، حيث تتطوّر الأحداث الدرامية وفقه، بل نوع الكلام الذي يبدو كأنه انتفاء للأحداث، تخريب لها، وكأنه تأكيد أن واحداً زائداً واحداً لا يساويان إثنين.ملخّص الفيلم في الملف الصحافي يقول: “يوم عمل عادي في موقع بناء. توماس الذي يبلغ من العمر 40 عاماً، يتلقّى اتصالاً من زوجته تطلب منه أن يأتي ليصطحبها من المستشفى. عندما يصل، يجدها تنتظره وهي تبكي”. بضع جمل باردة لا تقول شيئاً عن التجربة التي يعيشها المُشاهد. ذكّرني هذا بملخص “حصان تورينو” لبيلا تار، فيلم آخر عصيّ على الرواية التقليدية. أما شانلك نفسها، فتختصر الأمر بالقول: “ثلاثة أيام في حياة توماش وكارلا. إنها قصّة هذه الأيام. فالزمن يمضي، لكن حالة الألم لا تتغير”.هناك شيء خاص للغاية في المونولوغات التي تنطقها الشخصيات. تخرج من أفواهها بعذاب، كأننا في مخاض لا ينتهي، رد صاعٍ بصاعين. هذا بالضبط ما تقوله المخرجة في مقابلة معها: “نعم، يصبح واضحاً مدى قوة الكلمات وما يمكن أن تسبّبه. كلمة واحدة، جملة واحدة، قد تؤلم بشدّة. وحتى مجرد التحدّث، أو الشعور بأنك مضطر للتحدّث، يمثّل بالنسبة لي حالة جسدية. وأجد أحياناً ما يقوله الإنسان مضحكاً حين يريد أن يكون صادقاً. حتى أثناء الكتابة كنت أضحك. اللغة لها حياة خاصة، وأحياناً لا نتحكّم بها”.الفيلم مصوَّر بالشريط الخام، ممّا يجعله يمعن في المزيد من التجريد. هناك دلائل كثيرة على أن المادة عندما تكون قوية وغنية ومتأصّلة في وجدان المخرج، يصبح كلّ ما حولها ثانوياً. في هذا يكشف لنا الفيلم درساً في الاقتصاد الفنّي: فيلم لا يحمل معه شيئاً ومع ذلك يحتوي على كلّ شيء.بعد أكثر من 130 عاماً على اختراع السينما، لا يزال هناك مَن يتجرأ على اكتشاف مناطق جديدة داخل هذا الفنّ. رغم عمرها، لا تزال السينما أكثر الفنون شباباً، ولم يُستكشف مداه بعد. هناك مَن يضع كاميرا في مكان لا يحدث فيه شيء، ومع ذلك يستطيع إدهاشنا وإبهارنا.تضعنا أنغيلا شانلك أمام رائعة سينمائية غامضة، غير مفهومة في تفاصيلها، لكنها مفتوحة لكلّ التأويلات. الفيلم ينظر في الفراغ، شأنه شأن نظرة السيدة في اللقطة التي تختتم الفيلم، نظرة تتمادى في التحديق، على أمل أن تكتسب الأشياء معنى جديداً معها.# هوفيك حبشيان # محلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم