حول رهانات الذاكرة البصرية(الصورة)والواقع الممزق.

بقلم فريد الزاهي

عاشته البلدان العربية مع مباريات كأس العرب، ثم مباشرة بعد ذلك مع كأس الأمم الأفريقية (الكان)، يجعل المرء يحسّ بأن الحماسة، كما المتابعة الحثيثة والترقّب، أمور غدت تغطي على كل شيء، حتى على ضرورة العمل، وصرامة المواعيد، ومتابعة الفيلم أو الكتاب أو المهمة التي لم تكتمل وتنتظر ذلك… فلينتظر كل شيء إذن، لأن هذه التظاهرات الكروية توقف الوقت وسيولته، وتخلق زمنية جديدة، وتواصلات محددة، وموضوعات خاصة للحديث، وضرورة التفكير أحيانًا في اقتناء تذكرة للحضور المباشر للحفل الكروي، رغم غلائها الفاحش، أو حجز مقعد في المقهى المعتاد لمتابعة دحرجات الكرة.
ساعات طويلة قبل موعد المباراة، يكون طابور الملاعب قد طال والتوى كثعبان يتأهب للانقضاض على فريسته. وساعتين أو أقل بقليل تكون المقاهي قد غيّرت تأثيث فضاءاتها، وأعادت ترتيب الكراسي والطاولات كما في فصل دراسي، ووجّهتها نحو الشاشات الكبرى المتعددة التي أضحت لا تبث سوى تجاويد القرآن صباحًا والكرة بعد ذلك… لقد غدت المقاهي ذات الشاشات الكبرى حلبة للمصارعة الكروية، تستنسخ مدرّجات الملاعب وتشكل امتدادًا مباشرًا لها؛ تساهم في طابعها البصري الكلي تعدد الكاميرات في الملعب، والبث ذو الزوايا المتلاحقة. لقد غدا متابع البث ذا عين كلية تجوب أجواء الملعب والمدرّجات، وتمنحه، وهو في بيته أو في المقهى، من الإحاطة بمجريات المباراة ما لا يمنحه الموقع الثابت للمتفرج في الملعب. لا ينقصه في ذلك إلا الحضور العياني المباشر، وما يلفّه من مشاعر الانتماء للعالم الكروي المغلق في لحمته الحية التي تشبه حلم اليقظة.
رهان العيانية والثقافة الكروية

إذا كان رهان تنظيم الكان وكأس العالم رهانًا جيوسياسيًا واقتصاديًا لأي بلد أفريقي (والمغرب من ضمنه)، فإن البلد قد أبلى البلاء الحسن، وأبان عن قدراته على أن يكون في مستوى ما يُنتظر منه قارّيًا وعالميًا. الكان، من هذا المنظور، أشبه بمختبر لتجربة احتضان كأس العالم. تتوفر أغلب البلدان الغربية على بنيات تحتية قابلة لاحتضان أكبر التظاهرات الرياضية العالمية، وهي لا تتطلب إلا التوسيع والتحيين، وملاءمة المرافق التابعة (من طرق ومطارات ومواصلات وبنيات سياحية) لطبيعة المونديال. إن بلدًا غير مرتب في الدرجات الأولى عالميًا في كرة القدم، كقطر ثم المغرب اليوم (مع الاختلاف في الممكنات)، يجد نفسه مطالبًا بابتكار حداثته الكروية العالمية، بإيقاع ينظمه الزمن والضرورات اللوجستية.
كان السوسيولوجي الفرنسي ميشيل مافيزولي في تنظيره لما بعد الحداثة قد أكد منذ سنين على ما تخلقه مدرّجات كرة القدم من قبائل جديدة، تنمحي فيها الفواصل الطبقية والاجتماعية لتقوم مقامها المشاعر المتصلة بالهتاف الجماعي، والخيبة الجماعية، والحماسة المشتركة بتعبيراتها الموحدة، واللغة الجديدة القائمة على الموضوع الرياضي المشترك. وقد تأكد ذلك أكثر مع سيادة القنوات الرياضية المتخصصة التي أضحت، بترسانتها، تهيمن على القنوات التقليدية، وتشكل “تروستا” بصريًا يحرك وراءه ملايين المشاهدين من جميع أنحاء المعمورة.
بيد أن هذه القبائل الجديدة التي خلقها العالم الجديد أضحت تندرج، وبشكل غامر، في رهانات جديدة. فالكرة لم تعد تلك اللعبة المسلية التي نأخذها بجدية ثم نستعيد طابعها اللهواني وننغمس فيها بالخيال المنطلق الذي تخلقه في الأذهان. لقد تحولت كرة القدم لدى الحكومات إلى صناعة استراتيجية، وإلى سياسة موازية، كما إلى إجماع يضاهي الإجماع على الوطن والدين والهوية. بل إنها تحولت إلى وطن وديانة وهوية. يقول إدواردو غاليانو، صاحب “كرة القدم في الشمس وفي الظل”: “لقد حُوِّل اللعب إلى استعراض، فيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين. إنها كرة قدم للنظر. وتحول هذا الاستعراض إلى واحد من الأعمال التجارية الأكثر مردودية في العالم، لا يجري تنظيمه من أجل اللعب، وإنما من أجل منع اللعب. لقد أضحت تكنوقراطية الرياضة الاحترافية تفرض كرة قدم تعتمد السرعة المحضة والقوة الهائلة، وتستبعد الفرح والمرح، وتستأصل المخيلة، وتمنع الجسارة” (ص. 5).
تقنيًا”، اختفت الروح الرياضية في الملاعب أو كادت، فالأهم في غالب الأحيان هو اكتساح مستطيل الحارس. والإصابات بين اللاعبين غدت قاتلة، والفريق الفائز، ما إن يتأكد من اقتراب نهاية المباراة، حتى يتوقف عن اللعب، ويسعى لإضاعة الوقت وعدم الاهتمام بمتابعة اللعب. هكذا “تتوقف” العديد من المباريات قبل أوانها بكثير. فالمهم ليس هو اللعب والمواجهة، وإنما المناورة والمداورة. وتلكم هي تقنية الحرب لا اللعب المفتوح. فالحرب تتطلب ضحية وخاسرًا ومنتصرًا، لا فائزًا باللعبة. بل إن كلمة الانتصار الحربية عوّضت كلمة الفوز التي ألفناها في التعاليق الرياضية لعقود.
الانتصار يستدعي جدية “اللعبة”. واللاعب يغدو جنديًا لا يدافع عن قميص فرقته الوطنية، وإنما عن راية بلاده. وما يؤجج هذا الشعور هو الصناعة الموازية التي تتصل أساسًا وبشكل مباشر بالعلم الوطني ورموزه وألوانه. هكذا تجاوزت هذه “الغادجيات” الملعب لتصبح سمة اليومي. في هذه الأيام، نادرًا ما تجد الأطفال والشباب يتجولون بسترة “ميسي” أو غيره من اللاعبين العالميين. إنها سترة “حكيمي” وغيره من اللاعبين الوطنيين. وفي السياق نفسه، ازدهرت في المتاجر الإلكترونية تجارة حوّلت السترات الشتائية إلى سترات رياضية وطنية، وكأن الشارع العام واليومي غدا خلفية وامتدادًا لملعب كرة القدم وللاحتفالية الكروية الجارية. لا تكتفي الصناعة الكروية بالاتجار بالهوية ورموزها، إنها تحول الهوية إلى شعارية بصرية تكسو اليومي وتلبسه لبوس العرس الوطني.في طفولتنا، عشنا بعضًا مما يجري اليوم بطرق مغايرة وبسيطة. لكن ثقافة كرة القدم لم تكن تتجاوز الحومة والأزقة. كانت المعلومات عن اللاعبين تختلط فيها الأساطير بالمرويات الشفهية. وكانت صور اللاعبين الصغرى بمثابة تجارة يومية لنا، نجمعها ونبيع المتكرر منها بفرنك. كانت شاشات التلفزيون نادرة بين العائلات، لذلك ظلت الملاعب وجهتنا: ملعب الحي، ثم ملعب المدينة، نتسلق سوره في غفلة من الشرطة المخزنية، بمناورات ذكية كي نحظى بمشاهدة المباراة على المدرّجات الحجرية. أما اليوم، فالشاشات الكبيرة تجعلك تعيش المباراة كأنك حاضر فيها. لم يكن لنا الحق في الحديث عن الكرة في البيت. أما اليوم فقد صارت الثقافة الكروية مشاعًا، والحديث عنها ديدن الرجال والنساء والصبيان. بل إن اكتساح النساء للمدرّجات والمقاهي أضحى ظاهرة عادية لم تنفع في الحدّ منها لا فتاوى الإسلاميين المتعصبين ولا ذكورية الآباء التقليديين. فالقضية الوطنية الكروية باتت تذكرنا بمصاحبة النساء للرجال في غزوات الفتح الإسلامي. أما الكرة النسوية فإنها صارت تتطور بشكل متسارع لتغدو قضية النساء والرجال معًا
الحرب الكروية استعراضية، ولها استراتيجياتها وتكتيكاتها، لا في الملعب فقط، فذلك أمر يتحكم فيه المدرب ومساعدوه واللاعبون في حلبة الميدان، وإنما لدى الجماهير. يبلور جمهور المشاهدين استراتيجياتهم وتكتيكاتهم تبعًا لمحددات رياضية محضة أو سياسية علنية. فترى المشاهدين يناصرون فريقًا بعيدًا عنهم جغرافيًا وسياسيًا، ويعادون فريقًا تجمعهم به عوامل الجوار والهوية الدينية والإقليمية والعرقية (ومعها عوامل العداء السياسي). هكذا يصنع الجمهور خريطته الكروية ويحددها لبناء هويته الوطنية. وهكذا تغدو اللعبة الكروية أكبر مشهد للصراع السياسي والجيواستراتيجي. إن هذه القوة الناعمة ليست دوما ناعمة، لأنها تشكل المسرح الأعتى للحروب الحقيقية. فهي لها جنودها، وترسانتها الحربية، وقلاعها، وقنواتها، وخبراؤها، وجواسيسها، ومخابراتها، ومثقفوها، وإعلاميوها، وصانعو استراتيجياتها وتاكتيكاتها. إنها حرب ناعمة.
حروب (بصرية) متوازية
ليس من الغريب في هذه الظرفية الخاصة باحتضان الكان ثم المونديال، وما تشهده خارطة المدن والبنيات التحتية من تحولات متسارعة، ومن مشاريع متصلة بالإعداد لهما، أن تندلع بشكل علني وضمني حروب بصرية موازية، لعل أهمها ما حدث في وسائل التواصل الاجتماعي، كما في الشوارع، من حراك جماهيري لجيل الألفين (جيل Z)، الذي عبّر عن ضرورة إيلاء الاهتمام، بالمستوى نفسه، بقطاعات الصحة والتعليم والشغل، قصد عدم خلق التفاوت بين قطاعات المجتمع الحيوية.
بيد أن الحرب البصرية الأخرى، التي تتم بشكل خافت في وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الفترة بالضبط، وبشكل متنامي الكثافة، تتمثل في ذلك الاهتمام الذي بدأت توليه بعض الصفحات والأشخاص في وسائل التواصل الاجتماعي، من فيسبوك ويوتيوب وتيك توك وغيرها، لفترات بهيمة من التاريخ المغربي. الأمر لا يتعلق بالنبش التاريخي فقط من خلال التحليل والتعليق والكتابة التاريخية، وإنما بالكشف عن أشرطة سينمائية وصور تنتمي لفترة الاستعمار، أو لمرحلة المفاوضة على استقلال البلاد، أو لفترة تشكل المغرب الحديث بين 1956 و1973.
ثمة منافذ لصور مغايرة تجري عكس التيار الحاضر، غير عابئة برمزياته وأساطيرياته المتلاحقة التي يمحو بعضها بعضًا من لاعبين وأهداف وشحنات انفعالية تفرج عن كرب اليومي”
ففيما يهتم أحدهم بالمتابعة التاريخية للقواد الكبار الذين حكموا مناطق شاسعة من المغرب، كالقائد الباشا الكلاوي والقائد العيادي وغيرهما، يهتم آخرون بنشر فيديوهات عن مفاوضات إكس ليبان، وعن زعماء يساريين كبار كالمهدي بن بركة وحركة عدم الانحياز، أو عبد الرحيم بوعبيد وتصريحاته الحكيمة بصدد قضايا حساسة في تاريخ المغرب. ويسعى آخرون إلى النبش في اغتيال قادة اليسار، ويبثون صور محاكمات اليسار. وهكذا، نكتشف نحن الذين عشنا بعضًا من هذا التاريخ أو امتداداته، ونرى لأول مرة صور بعض شهداء اليسار، ونطلع على تصريحات لقادتهم في عز بناء الدولة الوطنية، أو نطلع على فيديو لثريا الشاوي، أول امرأة ربان طائرة بالمغرب، وهي تقود الطائرة…
ومع أن هذه القضايا معروفة في التاريخ المغربي، إلا أن تداول صورها ظل أمرًا نادرًا. بعض هذه الوثائق يوجد في الأرشيفات الفرنسية (أرشيف مدينتي باريس ونانت، ووزارة الخارجية الفرنسية، والمعهد الوطني للسمعي البصري INA)، والبعض الآخر مبثوث في الأرشيفات الأميركية والفردية، والبعض الآخر في أرشيف المخابرات المغربية. وحين يخرج هذا الفيض من الوثائق للعموم، يخلق رابطًا نفسيًا واجتماعيًا بالتاريخ وبالرموز التاريخية، كما بالوقائع. إنه رابط يجدد العروة الوثقى بتاريخ أضحى الحاضر يلتهمه بإيقاعه ويرمي به إلى هوة النسيان
في 1995 كنت أنظم مع عبد الكبير الخطيبي، بالمعهد الجامعي للبحث العلمي، ندوة تكريمية للفقيه محمد المنوني. واتجهت برفقة المؤرخ الراحل زكي مبارك (حفيد الصدر الأعظم للسلطانين الحسن الأول ومولاي عبد العزيز في نهايات القرن التاسع عشر) لزيارة مؤرخ المملكة عبد الوهاب بن منصور في مكتبه، لدعوته شخصيًا للمشاركة في هذا التكريم لمؤرخ علّامة من قبيل المنوني. وفي معرض الحديث معه جاء على لسانه أن ملك المغرب آنذاك يحتفظ بصندوق وثائق خاصة بمعاهدة “إكس ليبان” ومفاوضات الاستقلال، أمر بعدم فتحها إلا بعد مرور خمسين عامًا على وفاته. ما يؤكد أن تاريخ المغرب الحديث تلفّه الأسرار المكينة، ولا تتوفر فيه كافة الوثائق الكتابية والبصرية التي سجلت وقائعه الحقيقية؛ وأن التاريخ الرسمي هو الذي تتداوله الكتب والمصنفات والتصاريح.
يأتي تداول هذه الصور والوثائق والتحاليل اليوم استمرارًا للعديد من الكتابات التي دأبت على نشرها منذ بداية الألفية بعض الشخصيات الإعلامية والسياسية التي عايشت عن قرب هذه الفترات التاريخية. وهي كتابات، وإن وسّعت من حرية اقتناص المناطق العتمة من التاريخ الحديث، وسلطت الضوء على بعض الجوانب، إلا أنها تعتمد على الشهادة اللغوية، ونادرًا ما تتسلح بالوثائق البصرية. أما المنشورات التي نتحدث عنها راهنًا فإنها تنطلق من الصورة للتحليل، أو تكتفي بالصورة الثابتة أو المتحركة. وهي تستهدف بذلك خلق شفافية ممكنة في ذاكرة مثخنة بالكتمان والكبح والسرية. إن الهدف هنا ليس بالضرورة سياسيًا، وإنما كشفًا للحجاب وتوسيعًا لدائرة المعرفة البصرية. فإذا كانت الصور المعروفة والمتداولة للقواد المتحالفين مع الاستعمار تكتفي بالباشا الكلاوي، فإن أسماء أخرى كثيرة تظل مجهولة لا بصمة لها في ذاكرة القارئ أو المشاهد المغربي. كما أن طبيعة هذه الصور وسياقاتها تكفي أحيانًا لفهم طابع الشخصية من غير تحليل أو نقد (القائد وهو يتلقى وسامًا فرنسيًا، مثلًا، من القائد العسكري الفرنسي).
بيد أن الصور التي تشكل فتحًا في هذا المضمار هي صور الانقلابيين العسكريين الذين حوكموا بعد انقلابي بداية السبعينيات، وأسماؤهم وحكايتهم، ومعها صور المعارضين السياسيين من اليسار الاشتراكي والماركسي الذين حوكموا في سرية تامة منذ بداية السبعينيات. ناهيك عن لفتات بصرية من الحاضر والماضي يظهر فيها، بالصوت والصورة، بعض من بقي على قيد الحياة من معتقلي السجون السرية (تازمامارت بالأساس) من عسكريين ومدنيين.هكذا إذن، وفي خضم مهرجانات كرة القدم، تستمر وسائل التواصل الاجتماعي، التي ضجت بضجيج الملاعب واكتحلت بألوان الفرق الكروية، في احتضان الصورة المتفكرة (بلغة جاك رانسيير) التي تسائل الذاكرة وتجعل منها نبضًا حيويًا للتفكير في الحاضر. ثمة منافذ لصور مغايرة تجري عكس التيار الحاضر، غير عابئة برمزياته وأساطيرياته المتلاحقة التي يمحو بعضها بعضًا من لاعبين وأهداف وشحنات انفعالية تفرج عن كرب اليومي. إنها تؤسس لثقافة موازية مسائلة، وغمزات دالة تنصاع لفتنة ذاكرة بصرية حية يتناساها الحاضر. إنها عين مفتوحة على الماضي، تدعو باستمرار للتفكير في الأرشيف البصري، كما في الهوامش اليقظة والجراح التي لن تندمل في غمرة الفرح الكروي أو الخيبة، ولن تضمّدها كرة متدحرجة بين أقدام رجال تُنسى أسماؤهم في أمد قصير، وقد يقضي بعضهم نحبه منسيًا مهمَلًا وفي فقر مدقع بعد أن خانته قدماه…

ـصحيفة ضفة ثالثة

ـصحيفة العرب

ـمجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم