حول الشعر ..الانتحال، وهوية النص، والبيئة التي أنتجته.

مقال هذا المساء في غاية العمق والحساسية، لأنه يمسّ جوهر الشعر العربي وأعقد قضاياه: قضية الانتحال، وهوية النص، والبيئة التي أنتجته. إن مقالي اليوم هو همسات إحساسي بأن هذه المفردات لا تليق بصحراء جاهلية هو بالضبط ما قاد كبار النقاد والمستشرقين إلى إعادة فتح ملف هذه القصيدة العظيمة. سوف أغوص معكم أعزائي القراء في ملف ذو طبقات طبقةً بعد طبقة، بدءاً من شرح المفردات للقصيدة، وصولاً إلى العاصفة النقدية التي أثارها طه حسين ومن سبقه من المستشرقين.

في البداية القصيدة تحت مبضع جراح لغوي – لماذا هي “غير صحراوية”؟

المفردات هنا تنضح بالماء والخضرة والحضارة، لا الرمل والقفر. لننظر إليها عن كثب، فهي مفاتيح اللغز الذي طرحته:

· الأندَرِينَا: هذه هي الطعنة النقدية الأولى في خاصرة “جاهلية” القصيدة. الأندرين ليست خيالاً شعرياً بدوياً، إنها مدينة حضارية معروفة في الشام، تقع في سوريا الحالية بالقرب من حلب، وكانت مشهورة بخمورها الجيدة حتى بعد الفتح الإسلامي. ذكرها بهذا الشكل المباشر، كعلامة تجارية راقية للنبيذ، هو استدعاء لذهنية مستهلكٍ مدني يعرف أسماء الكروم ومواصفاتها، لا لذهنية ابن الصحراء الذي قد يصف الخمرة وصفاً حسياً دون أن ينسبها إلى “أبليكاسيون كونتروليه” كما نفعل اليوم. إنها إشارة إلى ثقافة خمرية مستقرة ومعروفة.
· مُشَعْشَعَة: كلمة غنية تدل على الخمرة التي مُزجت بالماء، فبدا فيها شعاع الضوء يتخللها، فصارت تلمع وتتلألأ. هذا الوصف البصري الدقيق لا يقتصر على الشرب، بل هو تذوق جمالي لفعل المزج نفسه، وهو فعل حضاري بامتياز. البدوي قد يشرب الخمر صرفاً، لكن طقس المزج بالماء وتأمل أشعته هو طقس مجالس اللهو في المدن والقصور.
· الحُصّ: هو الزعفران. تخيل الصورة: خمرة أندرينية مشعشعة، وقد أضيف إليها الزعفران (الحص) ليكسبها لوناً ذهبياً نارياً وطعماً ورائحة زكية. هذا ليس شراباً للنسيان أو للهروب من قسوة الصحراء، بل هو مشروب “جوك” رفيع، يُصنع بعناية لذواقة ومترفين يعرفون أسرار الخلطات وتحسين النكهة، تماماً كما يفعل خبراء الكوكتيلات اليوم.
· اللَّحِز الشَّحِيح: “اللحز” هو الضيّق الخُلق، الشديد البخل والحرص القبيح. القصيدة تقول إن هذا الشخص، الذي يمثل كل ما هو ضد الكرم والانبساط، حتى هو لو جرّب هذه الخمرة، لتهاون في ماله وسخا به. هذا المعنى يعكس بيئة اجتماعية معقدة، حيث توجد طبقات متفاوتة في الغنى والكرم، وتُنسج حول الخمرة فلسفة اجتماعية تجعلها قادرة على تحويل النفوس، وهو نقاش أدبي ونفسي متقدم جداً.
· صَبَحِينا، لا تَصْبَحِينا: “صَبَحَ” أي سقى الصبوح، وهو شراب الصباح. هذا طقس ترفي مطلق، شرب الخمر في الصباح، وهو ما لا يفعله إلا من تخلّى تماماً عن أي عمل أو كدح يومي، أي سادة القصور وأبناء النعيم. اللومُ على ترك الصبوح هو لومٌ منغمس في ثقافة اللهو، لا مجرد وصف عابر.
· قَاصِرِين: هي مدينة أخرى في سوريا (قرب حمص)، تُضاف إلى بعلبك ودمشق. هذا التحديد الجغرافي الحصري والدقيق لمسار رحلة شرب الخمر يجعلنا أمام ما يشبه “مذكرات لذّات” (Pleasure Memoirs) لشخص ارتاد أفضل الحانات في بلاد الشام، وليس أمام شاعر قبيلة يصف ناقة ورمالاً.

هذه المفردات، بتركيزها الشديد على أماكن بعينها، وطقوس ترفية محددة، ومزاجات ذواقة، تصنع إطاراً (Setting) في غاية الحضارية والدقة. وهذا ما جعلها قنبلة موقوتة في جسد الشعر الجاهلي المزعوم.

ثانياً: العاصفة النقدية – من طه حسين إلى د. س. مرغوليوث

نحن في مقالنا نضع إصبعنا مباشرة على الجرح الذي فتحه طه حسين في كتابه الصاعق “في الشعر الجاهلي” (1926). لم يكن طه حسين أول من شك، لكنه كان الأشجع والأكثر منهجية في توجيه الضربة القاضية للصورة الرومانسية عن الشعر الجاهلي. لقد تبنى وبشكل كامل تقريباً أطروحات المستشرق الإنجليزي الشهير ديفيد صموئيل مرغوليوث (David Samuel Margoliouth) الذي قاد مدرسة التشكيك الكبرى.

ماذا قال مرغوليوث؟
في كتابه الذي كان له أثر الزلزال “أصول الشعر العربي” (The Origins of Arabic Poetry)، جادل مرغوليوث بأن معظم ما نسميه “شعراً جاهلياً” هو منتحل، وأنه كُتب بعد الإسلام بقرون. حجته لم تكن مجرد حدس، بل استندت إلى نقاط بعينها نراها جلية في معلقة عمرو بن كلثوم:

  1. البيئة الحضرية: رأى مرغوليوث أن الوصف الدقيق للمدن، الخمور، والأسواق، والحياة المترفة لا يمكن أن يكون نتاج بيئة بدوية قبَلية بحتة. إنها، بالنسبة له، “أثر الحضارة” (The Stamp of Civilization) المتأخر.
  2. اللغة والمفردات: لاحظ أن كثيراً من مفردات هذا الشعر تحمل دلالات إسلامية أو تعكس مفاهيم دينية وقانونية (كالحلال والحرام، والبعث) لم تكن لتتبلور بعد في العصر الجاهلي. في معلقتنا، الغياب التام للروح الوثنية الجاهلية والاستغراق في وصف مجالس الخمر “الآثمة” بكل هذا الانحلال هو بحد ذاته علامة فارقة. أين أصنامهم؟ أين نُسُكهم؟ أين خوفهم من المجهول؟ القصيدة تعيش في حاضر لذتها المطلق.
  3. الغرض من الانتحال: استنتج مرغوليوث أن الدوافع كانت سياسية وقبلية في العصر الأموي، ثم أدبية محضة في العصر العباسي، حيث أراد الرواة إضفاء الشرعية على مذاهبهم الكلامية والفقهية، أو تزكية أنساب قبائلهم، أو حتى ابتكار نماذج لغوية فصيحة لمواجهة خطر العجمة.

وهنا يأتي دور طه حسين…
طه حسين أخذ هذه الأفكار، هضمها، وأعاد تقديمها بمنهج ديكارتي صارم قائم على الشك المنهجي. وقف عند معلقة عمرو بن كلثوم بشكل خاص، وهو الذي اعتبر أن إعلان شكه فيها كان بمثابة “القنبلة” التي ألقاها في وجه الجامدين. حجته تركزت بالضبط على همس احساسنا الذي يقول القصيدة ليست من الزمن الجاهلي ولا البيئة أو الجغرافيا

· روح القصيدة غير جاهلية إطلاقاً.
· القصيدة، بفخرها الحربي وبأسها، تتفق مع صورة عمرو بن كلثوم الزعيم القبلي، ولكن الخمريات فيها، بترفها الحضري وذكرها للأندرين، مستحيلة على ذلك العصر. قال بصراحة: هذا الجزء “متأخر جداً، وهو من صنع الشعراء في العصر الأموي أو العباسي”.
· لم يكتف طه حسين بالتشكيك في الأبيات الخمرية وحدها، بل قال بكل وضوح: “إنني لا أتردد في أن أعلن أن المعلقة بأسرها منحولة، وأنها ألفت بعد الإسلام”. لقد رأى في القصيدة وحدة عضوية مصطنعة، جمعت بين فخر قبلي أصيل قديم، وخمريات محدثة ألصقت بها إلصاقاً، فنتج هذا الخليط المريب.
· تخيل معي المشهد: عمرو بن كلثوم، الزعيم القبلي الذي قتل الملك عمرو بن هند، يقف في سوق عكاظ ليتحدى قريشاً ويتوعدهم؟ هذا، بالنسبة لطه حسين، عبث تاريخي. القصيدة تحكي قصة قبيلة كاملة في صراعها، وهذا أقرب إلى الملحمة (Epic) التي تُنسج بعد أجيال لتمجيد تاريخ القبيلة، لا قصيدة ارتجالية في سوق.

فكرة أن القصيدة “لا تدل أبداً على أنها خرجت من صحراء قاحلة” هي بالضبط جوهر أطروحة طه حسين ومرغوليوث. إنها خرجت من دمشق الأموية، حيث كان الترف والغناء والمجون في القصور، وحيث أصبح للمدن الشامية مكانة أسطورية في الذاكرة العربية. أو ربما خرجت من بغداد العباسية، حيث بلغت الخمرة منزلة رفيعة في الشعر، وأصبح الشاعر يتعامل معها كفن، وأصبحت الرحلة إلى ديارات الشام وكرومها ضرباً من ضروب الثقافة. بالنسبة للنقاد المحدثين، الأبيات ليست مجرد “خمريات”، بل هي “قصيدة خمرية عباسية” كاملة ضاعت في معلقة جاهلية.

توليف المشهد: ما الذي تبقى لنا؟

إذاً، الصورة ليست أبيض أو أسود. ما وصلنا إليه هو:

  1. النواة الجاهلية: يكاد يجمع النقاد أن هناك نواة شعرية قديمة جداً لعمرو بن كلثوم، تتمثل في الأبياب الحماسية والفخرية التي تتغنى بأيام العرب ومجد تغلب، والتي يمكن أن يكون قد قالها بالفعل. روحها القبلية الشرسة ومفرداتها قد تكون أصلية.
  2. الطبقات المضافة: على هذه النواة، أضيفت طبقات من الشعر عبر زمن الرواية الشفوية. الخمريات التي ذكرتها أنت، بوصفها المدني الدقيق، هي على الأرجح أحدث هذه الطبقات، وأكثرها تأثراً بالعصر الأموي حيث صارت الخمرة غزلاً بالحياة الحضرية، أو بالعصر العباسي حيث صارت فلسفةً ووجداناً.
  3. الذاكرة الجمعية: ما نقرؤه اليوم ليس قصيدة واحدة قالها رجل واحد، بل هو “نص” (Text) تشكل عبر قرون، يحمل ذاكرة القبيلة وتطلعات الرواة اللاحقين. إنه أشبه بكاتدرائية معمارية قديمة، أساسها روماني، وأعمدتها قوطية، وزخارفها من عصر النهضة. كل عصر ترك بصمته.

لذلك، فإن هذا الإحساس بأن هذه الأبيات “لا يمكن أن تخرج من صحراء” ليس مجرد حدس، بل هو نتيجة قراءة نقدية عميقة تتوافق مع أحد أهم المدارس النقدية الحديثة. ما تفعله هذه الأبيات ليس وصفاً للجاهلية، بل هي حلمٌ بالجاهلية، أو إسقاطٌ لمتع الحاضر على ماضٍ بطولي. إنها تجعل من عمرو بن كلثوم بطلاً أسطورياً يليق بأن يشرب خمر الأندرين في مجالس دمشق، لا مجرد شيخ قبيلة في نجد. وهذا، في جوهره، هو سر عظمة هذه القصيدة وإشكاليتها معاً … RAMI

#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم