حول ادغار موران كتب القاص محمد العتروس Med El Atrouss.

إدغار موران القاص محمد العتروس Med El Atrouss في مقهى شعبي بأحد الموانئ البعيدة التي أصابها الكساد، وهجرتها النوارس والأسماك، جلس “إدغار موران” مطرقا يفكر.. فيما كان البحارة ــ حزيني الوجوه، منهكي الأجساد ــ يتأففون من المخطط الأزرق الذي قضى على مصدر أرزاقهم، ويتذمرون من قلة ذات اليد والحيلة، فشكوا أمرهم إلى الله. كان “إدغار” يعيد حساباته في الحياة وفي الموت، ويتساءل إن كانت خلاصاته مقنعة. كان ينقل ناظريه بين الوجوه البائسة، ويحاول سبر أغوارها، واستنطاق كنهها؛ عجوز يجلس خلف الكونتوار يعد قهوة عربية، وإبريق شاي على النار.. رجلان ينتحيان زاوية ولا يوجهان لبعضهما الكلام، كل واحد منهما ينظر في اتجاه مختلف.. شاب في مقتبل العمر يتحدث إلى صديقه في الدين والرياضة والسياسة، ويلعن النظام والغلاء والفقر والفاقة، ويلعن كل شيء.. وصبي يلعب عند باب المقهى دون أن يركز على شيء، غير آبه بأي شيء.فكر “إدغار” أن يبتعد عن الحضارة التي تشوش صفاء فكره، وأن يتحد مع الطبيعة ومع ذاته دون قيد.. قرأ كثيرا في القبالة والرهبنة والتصوف، وفي أساطير الهنود والبوذيين، وأعجب بفكرة الحلول حتى كاد يعتقد أن روحا قديمة حلت في جسده، روحا أزلية انتقلت من أجساد إلى أجساد أخرى.. لتحل فيه، وتمنى = بعد عمر طويل = أن يحل في شجرة معمرة.رفع رأسه قليلا، كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية الداكنة، وهو ما يعني أنه، إضافة إلى ندرة الصيد، سوف لن ينـزل الصيادون إلى البحر هذه الليلة.اللون الرمادي يحرك مادته الرمادية، لتعود تشتغل من جديد بنفس الكفاءة والحيوية والتحفز والانضباط. يشعر أن هذه الكائنات هنا منذورة للموت، كأنها قرابين. الصبي منذ ولادته يبدأ في عد الساعات المتبقية لموعد موته.. كل الشعوب تحتفل بالحياة، لكن هذه البلدة تحتفل بالموت.. ليس بالمعنى الحقيقي للاحتفال، وإنما بمعنى الاحتضار.. الكل يحتضر هنا.. والذي لا يعرفه أحد، أن “إدغار” ما جاء إلى هذه البلدة إلا لكي يبحث عن حل لمعضلته الشخصية:”الخوف من الوقوع في العدم”.تصور “إدغار” أنه يمكنه في مجتمع، بسيط كهذا، وبعيد، ومنقطع عن العالم وعن الحضارة، أن يحصل على السكينة وعلى الراحة والانسجام، ويحصل على البديل…كثيرا ما نظَّر للبحث في مسألة الشعور بالخوف من الوقوع في العدم..أمس أحس بالعجز وهو يتجاذب أطراف الحديث مع العجوز، الذي قال إنه ينتظر ابنه الذي غرق حين حاول الوصول إلى الضفة الشمالية.. كان العجوز حزينا وهو يحكي عن أحلام ابنه، وعن قوته، وعن حبه للبحر، وحبه لصيد السمك، وحبه لهذه الأرض.. ويحكي كيف كان سعيدا وهو يلحظ ابنه يكبر أمام عينيه، ويشب، وتصقل شبكة الصيد عضلاته، ويصبح رجلا.. ثم فجأة كأن لم يكن شيء.. كأن لم يكن أحد.ابتلعه اليم.. ابتلعه العدم.كان العجوز حزينا وغير مقتنع بالمطلق أن ابنه مات.. لم يمت.. هل مات؟ لم يجد جوابا شافيا عن سؤاله المؤرق.. كما لو غرق في البقعة الرمادية.أخذ “إدغار” كأس الشاي من العجوز، وعاد إلى طاولته مطرقا؛ يا لقساوة الفقد.. ويا لقساوة اللايقين.. أن تظل العمر كله بين بين، فذاك هو العذاب الإلهي الأبدي. هل قلت العذاب الإلهي؟اكتشف “إدغار” أنه وقع في فخ القطيع، فخ الجماعة، ولم يستطع التنصل من ترسبات التفكير الديني، ولو بمنهاج لا ديني.حسد الصيادين على نعمة الجهل وعلى نعمة الفقر.حسدهم على الفقر، لأن الفقر لا يوفر لهم الفرصة في الانفتاح على الآخر.. الفقر يشدهم إلى الذات، وإلى هذا المكان، ويعصرهم في هذا الزمان.وحسدهم على الجهل، لأنهم لن يستطيعوا التفكير أبعد من أن “الإله هو الذي أراد”، وأن “البحر هو الذي ابتلع”، وأن “السلطان إله صغير” في الأرض، وأن “الزمن بحر” أكبر يبتلع الذين يولدون فيموتون.من هنا جاءت “إدغار” فكرة ترويض الموت، وإعادته إلى سياقه الديني، وربما ستتطور لخلق سياقات بديلة أخرى، مثل خلق طقوس جديدة في مقابل الطقوس الجنائزية الدينية.مرة وهو في مقبرة من مقابر ضحايا الحرب العالمية الثانية في بلجيكا استرعى انتباهه العدد الهائل للقبور.. آلاف القبور وكلها لجنود مجهولي الهوية، لم ولن يتعرف عليهم أحد. منتصبة هناك يزورها الجميع، ويترحم عليها الجميع، وتنتمي إلى الجميع، ولا تنتمي إلى أحد بالذات.. لا يعرف أحد أصحابها، ولكن الله يعرفهم.. هذا ماسجلته جميع الشواهد القائمة على القبور:”الله يعرفه”.تذكر ذلك لأنه كان يخشى أن يصبح لا أحدا، ويكتب على شاهده: “الله يعرفه”.هل سيعرفه الله؟يخشى أن يصبح رمادا كما عند الهندوس. ويخشى التحريق الذاتي.. التحريق يعني محو المكان المعلوم الذي يثبت الذكرى وبذلك يُثَــــبِّت الذكر. يحلم بقبر يحمل مواصفات قبر “أنطونيو ماتشادو”، يتحلق حوله العشاق والثوار، وينشدون بعض قصائده، وينثرون حوله الورود. يحلم أن تزوره بناته وزوجته وحبيباته القديمات وأصدقاؤه. الرماد للنسيان.. للامحاء.. للتحلل.. وهو يخشى التحلل، ويخشى العدم.. يمقت العدم، ويمقت أكثر البقعة التي سماها صديقه “ريجيس دوبريه” العمياء.يخشى أن يضيع مثل العجوز الذي اختزل كل حياته في بقعة معتمة خلف الكونتوار.. ويخشى من اللا يقين المستفحل مثل سرطان يهجم على الروح.”إدغار” يخشى الموت بلا خلود، الخلود لا يتحقق إلا بطقوس بديلة للعشاء الجنائزي.. طقوس تشكل نوعا من التطهر النفسي، وتحقق نفس الإحساس والاطمئنان، أو كما يقول:”نغوص في منبع الحياة، ونحن نغرق في الموت”.كم كان يتمنى لو لم يكن “لا دينيا”. لو كان، مثلا، مسيحيا صالحا مطمئنا مؤمنا، لما عاش هذه المتاهة الغريبة. كم كان يتمنى أن يكون مثل بورخيص، مسيحيا ومطمئنا، ويموت في مكتبته مستأنسا بأرواح نصوص تغرد في الجوار، وتملأ السمع، وتعرج به إلى الفردوس. كم كان يتمنى أن يكون مثل “فرونسوان ميتيرون”، ويَحْفَلُ بِقُداس كبير، وطقوس رائعة في كنيسة “نوتر دام دو باري”.. يخصصون لجثته غرفة راقية، ويزينونه بما يليق بمؤمن، يدرؤون عنه كل الخبائث، يغسلون أطرافه بالماء الزلال والبرد، يقلمون أظافره، يصففون شعره، ويعطرون كل جسده، ثم يلبسونه أفضل الثياب، ويضعونه في تابوت من الخشب المرصع بالذهب والزمرد، والمفروش بالحرير الأبيض، ويضعونه على تكة الكنيسة ليُقْرِئَه السلام الأخير كل الأهل والأصدقاء.. يضعون عند قدميه الورود والياسمين، ويذرفون الدموع، ويشيعون جنازته بعد قداس يليق بالكبير “إدغار موران”.وفي المقبرة يتلون ما تيسر من إنجيل، وكلمات تأبين، ثم ينزلون التابوت في الحفرة ببطء شديد، حتى يتمكن من رؤية وجوه كل من أحبهم وهم يمرون على قبره واحدا واحدا، يلقون كلمة ثم وردة، ليعودوا مساء إلى البيت لإحياء عشاءهم الجنائزي.الأهم من كل هذا طبعا هو أنه سيحصل على قبر، وسيحصل على ذكرى غير قابلة للامحاء أو التحلل، ولن يكون وحيدا محروما يواجه العدم بدون إله منقذ.كان ما يزال يجلس في مكانه، يرتشف من كأس شايه، عندما علا صوت المؤذن: “الله أكبر.. الله أكبر”.خرج كل من كان في المقهى قاصدين المسجد القريب على الناصية المقابلة، تبعهم الطفل الصغير يجر نعليه، وبقي “إدغار” والعجوز. كان العجوز يفكر في قبر لابنه، وكان “إدغار” يخمن:ـ أنا لا يليق بي قبر، وتليق بي كل القبور.. وما يليق بي أكثر، قداس في مكان ما.. لا يهم أن يكون في مقبرة “مونمارتر”، أو في مقبرة “بير لاشيز”، أو في مقبرة “مونبارناس”، أو فقط في مكان منزو من حديقة بيتي.. المهم أن تعزف فيه موسيقاي المفضلة.. أحب ان أفتتح قداسي بــ “إديث بياف”، ويتبعها “شاغل أزنافور” ثم يختتم “بافاروتي”، ثم تتلى قصائد من “أزهار الشر” لبودلير، ومقاطع من كتابي: “الطريق نحو مستقبل البشرية”، ثم أغيب في البقعة العمياء.#كتاب القصة القصيرة#مجلة ايليت فوتو ارت،

أخر المقالات

منكم وإليكم