بقلم السيد عيد
في زمنٍ أصبحت فيه الحكمة تُباع في علب صغيرة على رفوف السوشيال ميديا، ويُعاد تدوير الفلسفة كما يُعاد تدوير الزجاجات الفارغة، قررتُ لأسباب صحية بحتة أن أتأمل العالم قليلًا من بعيد، دون أن أصفّق أو أشارك أو أضع “لايك”. فقط أتأمل… وأتنهّد… وأبتسم سخرية.
كان الفلاسفة قديمًا يعتكفون في الكهوف أو تحت شجرة تين، يبحثون عن معنى الوجود. أمّا اليوم، فالفيلسوف الحديث يعتكف أمام شاشة زرقاء، يكتب اقتباسًا منسوبًا خطأً إلي صفحته ثم يطلب من أصدقائه أن يعيدوا نشره “ليصل للجميع”. لكن الحقيقة أن الاقتباس لا يصل للجميع… بل يصل فقط لمن لا يهمهم أصلًا.
يقولون إن العالم يدور، وإن الحياة حركة. نعم… لكنها حركة تشبه عجلة عربة سوبرماركت قديمة: تتحرك… نعم، لكن في الاتجاه الخطأ، ومع صوت صرير مزعج، وتحتاج شخصًا شجاعًا يدفعها بثبات بينما ينظر الناس إليه بشفقة. أما نحن، فنمشي وراء العربة بصمت، نحاول أن نقنع أنفسنا بأن “كل شيء تمام”.
في كل عمارة مصرية، يوجد رجل عجوز بواب العمارة يجلس على كرسي خشبي متهالك، يشاهد العالم يمرّ أمامه في صورة سكان يطالعون حياتهم بسرعة.
هذا الرجل يملك فلسفة كاملة: يعرف من السعيد ومن التعيس، من تزوّج عن حب ومن تزوّج عن “ضغط أسري”، من يدّعي الثراء ومن يعيش على السلف. ولو سألته عن معنى الحياة سيخبرك ببساطة: “يا ابني… الدنيا دي زي المصعد… فيها اللي بيطلع وفيها اللي بينزل… بس أهم حاجة محدّش يقطعلك الكهربا وانت جوّاه.” وهي جملة لو تأمّلها سقراط لأعاد كتابة مؤلفاته.
نحن المخلوقات الوحيدة التي تطمح لراحة البال بينما يحتفظ ببال ممتلئ بالقلق، يريد السعادة بينما يتصفّح أخبار الكوارث قبل النوم، يدعو للسلام ثم يشتم في الزحمة، ويقول “عايز بس أعيش بسيط” بينما يشتري أشياء لا يحتاجها ليُعجب أشخاصًا لا يعرفهم. أتظنها سخرية؟ لا يا صديقي… إنها مجرد حياة طبيعية تمامًا!
ورغم كل الجنون… رغم الفلسفة المعلّبة والعبارات المزيفة وصرير عربة السوبرماركت… نصحو كل يوم ونحاول، كأننا نؤمن سرًا أن وراء العبث معنى لا يراه إلا من يبتسم وهو يراقب. وربما… فقط ربما… الحكمة الحقيقية ليست أن تفهم الحياة، بل أن تدرك أنها لن تُفهم أبدًا، ومع ذلك تصرّ أن تعيشها بروح ساخرة… وروحك تهمس لنفسها: “ما علينا… نكمل.”
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت


