“جون ميلتون”من شاعر الثورة في انكلترا عام(١٦٦٠ )الى مطلوب للعدالة.

بعد الحرب الأهلية، وعودة الملك تشارلز الثاني إلى عرش إنجلترا عام 1660. وجد “جون ميلتون” نفسه محاصراً في زاوية معتمة من التاريخ. تحول الشاعر، الذي شغل منصب “لسان الثورة” ومدافعاً شرساً عن إعدام الملك الأب، إلى مطلوبٍ للعدالة الملكية، ومجردٍ من أملاكه، ومنبوذٍ يعيش في ظلال الفقر والخوف. تزامنت هذه الهزيمة السياسية القاسية مع حلول ظلامٍ شخصي. فقد انطفأ نور عينيه تماماً بفعل “الزرق” (Glaucoma)، ليغرق في ليلٍ دائم وعزلة فرضت عليه تأمل الكون بعين البصيرة وحدها، متخذاً من ذاكرته وخياله المشبع بالميثولوجيا واللاهوت ملاذاً وحيداً.في غرفته الضيقة بلندن، وحين تخلى عنه الرفاق والسلطة، شرع ميلتون في تشييد كاتدرائية من الكلمات. جلس الكهل الأعمى ساعات طويلة كل صباح، يملي أبيات ملحمته “الفردوس المفقود” على بناته أو من يتطوع من أصدقائه، ساكباً آلاف الأبيات التي اختمرت في ذهنه ليلاً. حول ميلتون عجزه الجسدي إلى طاقة إبداعية جبارة، معتمداً على “النور الداخلي” لرسم مشاهد سقوط الإنسان وتمرد الشياطين بدقة بصرية مذهلة، وكأنه يرى بعينيه ما عجز المبصرون عن تخيله.تجلت عبقرية ميلتون في تصويره للجحيم ولقائده “الشيطان” (Satan). رسم الشاعر صورة درامية لعدو السماء، مانحاً إياه أبعاداً تراجيدية وعمقاً نفسياً معقداً يتجاوز صورة الشر التقليدية. ظهر الشيطان في الملحمة كقائد ثوري مهزوم، يمتلك كاريزما القيادة وكبرياءً يرفض الانحناء، مردداً عبارته الأيقونية: “أن تحكم في الجحيم خيرٌ من أن تخدم في الجنة”. عكس ميلتون، بوعي أو بدونه، ملامح من شخصيته ومن تجربته الثورية الفاشلة على هذه الشخصية، واصفاً قصر الشياطين “بانديمونيوم” وهول النيران بأسلوب جعل القارئ يشعر بلفح الحرارة وثقل اليأس، جاعلا السقوط من السماء تجربة إنسانية وسياسية عميقة.استكمل ميلتون ملحمته عام 1667، مقدماً للبشرية عملاً أعاد صياغة اللغة الإنجليزية والمخيال الديني للغرب. واجه صعوبات جمة في النشر بسبب سمعته السياسية، لكنه نجح في إخراج الكتاب إلى النور. باعت الملحمة نسخاً كثيرة، وترسخت كواحدة من أعظم نتاجات العقل البشري، ليبقى ميلتون في الذاكرة ذلك الرجل الذي خسر قضيته السياسية ليربح الخلود الأدبي.وتكتمل التراجيديا التي عاشها جون ميلتون في العقد المجحف الذي وقعه مع الناشر “صموئيل سيمونز” لنشر تحفته الأدبية. فقد باع حقوق نشر “الفردوس المفقود”، التي تضم أكثر من عشرة آلاف بيت من الشعر العظيم، مقابل مبلغ زهيد قدره خمسة جنيهات فقط (دفع فوري)، مع وعد بخمسة أخرى إذا بيعت الطبعة الأولى بالكامل. لم يجنِ ميلتون ثراءً من شعره وعاش حياة متواضعة، بينما تحولت ملحمته لاحقاً إلى كنز أدبي ومالي لا يقدر بثمن. ليؤكد التاريخ مرة أخرى أن القيمة الأدبية والفنية الحقيقية للأعمال الاستثنائية غالباً ما تتجاوز حسابات السوق والمال في زمن مبدعيها.

******

# حقبة تاريخ# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم