شتاينبك، قصص وسينما .. وغضب“أردت أن أضع وصمة عار على جبين الأنذال المسؤولين عن كل هذا”، بهذه الكلمات وصف جون شتاينبك دوافع كتابته روايته الشهيرة “عناقيد الغضب – Grapes of Wrath”، قصة المعاناة والألم والجوع والتشرد التي عاشها عمال زراعيون وآخرون خلال فترة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي.صدرت الرواية في عام 1939 وحصل كاتبها بفضلها على جائزة بوليتزر في عام 1940. وفي العام نفسه أعلن المخرج جون فورد نيته تحويلها إلى فيلم سينمائي سرعان ما أصبح واحدا من كلاسيكيات السينما الأميركية.حتى هذا اليوم يبقى عناقيد الغضب أيقونة مهمة في تاريخ السينما ببساطة تصويره بالأبيض والأسود ولغته المباشرة الراقية الخالية من الشتائم المنتشرة في كل الأفلام الحديثة وعرضه واقعا مزريا لا تتجرأ أفلام عديدة على التطرق إليه. لا أحد ينسى كلمات الوداع التي قالها توم جود (هنري فوندا) لأمه قبل رحيله. ولا أحد ينسى أيضا كلمات أمه في السيارة التي كانت تقلها هي وأسرتها إلى المجهول عندما تؤكد “نحن الناس، هم ماضون ونحن باقون” وتعني بهم أولئك الذين يستغلون الآخرين ويسببون معاناتهم.*** شتاينبك والسينمارفد هذا الكاتب السينما بقصص عديدة على مدى السنوات الخمس والسبعين الأخيرة. فعدا عناقيد الغضب هناك “شرقي عدن” East of Eden التي أعتبرها أهم رواية له وقال عنها “أعتقد أن كل ما كتبته قبلها كان مجرد تدريب عليها”. صدرت القصة في 1952 ثم تحولت إلى فيلم في عام 1955 من تمثيل جيمس دين وإخراج ايليا كازان.ثم “عن الفئران والرجال” التي صدرت قصة في 1937 وتحولت إلى فيلم لثلاث مرات في 1939 و1982 و 1992.بالمجموع تحولت قصصه إلى 17 إنتاج سينمائي وتلفزيوني، ناهيك عن النتاجات المسرحية وقد ترك شتاينبك وراءه 72 كتابا بينها 16 رواية و5 مجموعات قصصية.ولد شتاينبك في وادي ساليناس في كاليفورنيا في 27 شباط/فبراير 1902 وتوفي في 20 كانون الأول/ديسمبر 1968 وحصل على جائزة نوبل للآداب في عام 1962.لم يكمل دراسته على الإطلاق وبدأ حياته عاملا بسيطا وكان يعمل ويكتب حتى اشتهرت أولى قصصه “تورتيلا فلات” في عام 1935 وكانت فكاهية.بعد الشهرة تحول إلى الجد فأصدر “معركة مريبة” 1936 عن إضرابات عمال قطف الثمار في مزارع كاليفورنيا (أعيد إنتاجها سينمائيا في 1916). وأعقبها بروايات أخرى مهمة ولكن عناقيد الغضب هي التي منحته جائزة بوليتزر.له أيضا شتاء الاستياء 1961 والوادي الطويل 1938 ورحلات مع تشارلي 1962 وقصص أخرى عديدة.***غضبتدور أحداث أغلب قصصه في كاليفورنيا خاصة في وادي ساليناس حيث ولد وعاش وهو يكتب عادة عن الظلم وانعدام العدالة والاستغلال الاقتصادي والجشع والصراعات الاجتماعية وعُرف بتعاطفه مع البائسين المقهورين المتألمين الحالمين الذين لا يجدون وسيلة لتحقيق ما يريدون. ويركز أيضا على الغاضبين من الظلم والاضطهاد بسبب نظام اقتصادي حرص على إظهار نقاط ضعفه وكل مساوئه في قصصه وهو ما جعله يتمتع بإعجاب وشعبية كبيرين بين أفراد الطبقات الدنيا فيما أدانه رجال أعمال وأثرياء واتهموه بترويج أفكار اشتراكية وشيوعية. وهناك مناطق في الولايات المتحدة احرقت كتبه ومنعت تداولها ولا تسمح لها بدخول مدارسها ومكتباتها.كي يكتب عناقيد الغضب، زار شتاينبك العديد من المخيمات حيث يقيم عمال مهاجرون ورآهم بأم عينه كيف يعيشون على لا شيء تقريبا رغم أنهم يكدحون طوال ساعات النهار هم وأفراد أسرهم.ورغم أن المخرج جون فورد حاول الحفاظ على روح القصة غير أنه غير فيها بعض المشاهد لا سيما نهاية الكتاب.في الفيلم هناك نهاية سعيدة نوعا ما بعد معاناة أسرة جود وتشردها. أما في القصة فتنتهي بمشهد مؤلم عندما تقوم شقيقة توم جود التي تخلى عنها زوجها وولدت طفلا ميتا بإرضاع رجل يتضور جوعا لأنها لم تجد ما تعطيه ليأكل.قصة عناقيد الغضب هي قصة عن قسوة الجوع ومعاناة المهاجرين الذين يغادرون مناطقهم إما لأنهم طردوا منها أو لأنهم ما عادوا يجدون فيها لقمة عيش. وفيها إدانة لما يعتبره شتاينبك خطأ وهو استغلال إنتاج الأراضي الزراعية لغرض التسويق والتجارة أكثر منه لغرض إطعام الناس.قد ترتبط قصص شتاينبك التي تحولت إلى أفلام والتي لم تتحول بهموم محلية الطابع وآنية بأزمانها. ولكن القضايا التي طرحها فيها كونية وشاملة وعامة ومنتشرة وتتكرر في كل زمان ومكان تقريبا. # سينما العالم # مجلة ايليت فوتو ارت.


