جون ديلينجر”، الشاب الامريكي، الذي احترف السطو على المصارف، وتحول للص ظريف بشعبية واسعة في مكلع الثلاثينات.

بينما كانت الولايات المتحدة ترزح تحت وطأة “الكساد العظيم” في مطلع الثلاثينيات، بزغ نجم رجل وجد فيه العامة متنفساً لغضبهم المكبوت ضد النظام المالي. إنه “جون ديلينجر”، الشاب القادم من ريف إنديانا، الذي احترف السطو على المصارف بأسلوب سينمائي جمع بين الأناقة والجرأة، محولاً الجريمة في نظر الناس الى عمل بطولي، يقتص فيه من البنوك الجشعة التي سلبتهم مدخراتهم وبيوتهم.تميزت عمليات ديلينجر بلمسة مسرحية فريدة. فقد كان يقتحم البنوك ببدلاته الأنيقة ومعطفه الطويل، ويقفز برشاقة الرياضي فوق الحواجز الخشبية للوصول إلى الخزائن، في حركة أصبحت توقيعه الشخصي. وحرص خلال غاراته على معاملة الرهائن والموظفين بتهذيب مبالغ فيه، مميزاً بوضوح تام بين أموال المصرف المؤمن عليها وبين ممتلكات المواطنين الشخصية التي كان يرفض المساس بها، مما عزز صورته الشعبية كبطل يسرق من الأغنياء ولا يؤذي الفقراء، وجعل الصحافة تتابع أخباره بشغف يفوق متابعتها لأخبار الرئيس.وصلت أسطورة ديلينجر ذروتها في سجن “كراون بوينت” الحصين، الذي تفاخرت السلطات باستحالة الهروب منه. وهناك، نفذ جون ديلينجر واحدة من أذكى الخدع في تاريخ السجون. إذ نحت قطعة خشبية صغيرة من لوح غسيل لتشبه المسدس، وصبغها بملمع الأحذية الأسود. وبهذا السلاح الوهمي، نجح في إخضاع الحراس المدججين بالبنادق الحقيقية، وحبسهم في زنازينهم، ثم قاد سيارة الشريف الخاصة مغادراً السجن ببرود أعصاب، تاركاً الشرطة والسلطات غارقة في بحر من العار والسخرية العلنية.دفع هذا الإذلال العلني “إدغار هوفر”، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) الناشئ، إلى إعلان حرب شاملة وشخصية ضد العصابة، واضعاً ديلينجر على رأس قائمة “أعداء الشعب”. خصص هوفر فرقة نخبة بقيادة العميل “ملفين بيرفيس” لمطاردة ديلينجر عبر ولايات الغرب الأوسط، وتحولت المطاردة إلى صراع دموي سقط فيه العديد من رجال العصابة والشرطة، بينما ظل ديلينجر ينسل من بين أصابعهم كالزئبق، مختبئاً في مدينة شيكاغو المزدحمة.وفي والعشرين من يوليو 1934، حيكت خيوط النهاية بخيانة ناعمة. اتفقت “آنا سيج”، صديقة ديلينجر التي عُرفت بـ “سيدة الرداء الأحمر”، مع الفيدراليين على تسليمه مقابل الحماية من الترحيل. رافقته إلى سينما “بيوغراف” لمشاهدة فيلم عن الجريمة، وحين خرج ديلينجر مستمتعاً بالعرض، وجد العملاء الفيدراليين يحيطون به من كل جانب.حاول ديلينجر في تلك اللحظة الأخيرة سحب مسدسه والهروب نحو زقاق جانبي، غير أن الرصاصات العاجلة سبقته لتستقر في جسده، ويسقط صريعاً على الرصيف ووجهه للأسفل. تجمهر المارة حول الجثة في مشهد سريالي، حيث غمس بعضهم مناديلهم في دماء “البطل القتيل” للاحتفاظ بذكرى منه، معلنين نهاية حقبة رجل العصابات الرومانسي، وبداية صعود سطوة مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي بنى مجده على جثة ديلينجر.من الأشياء العجيبة في قصة ديلينجر، أن الفيلم الذي اختار مشاهدته في ليلته الأخيرة كان يحمل عنوان “مانهاتن ميلودراما” (Manhattan Melodrama)، وهو فيلم يروي قصة رجل عصابات ساحر ومحبوب (لعب دوره كلارك غيبل) يختار الموت بشرف على السجن المؤبد. جلس ديلينجر في الظلام يشاهد مصيره يُعرض أمامه على الشاشة، مبتسماً لتشابه الأحداث، غافلاً عن أن المخرج الحقيقي كان ينتظره عند باب الخروج ليسدل الستار عليه بالرصاص الحقيقي هذه المرة.# حقبة تاريخية # م٠لة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم