إنه الاقتصاد يا غبي
في عام 1992، اختصر جيمس كارفيل، استراتيجي حملة بيل كلينتون، الحملة الانتخابية كلها في جملة واحدة قاسية: «إنه الاقتصاد يا غبي». لم تكن الجملة اكتشافًا نظريًا، بل كانت اعترافًا صادمًا بأن ما يحرّك الجماهير ليس الخطب ولا الشعارات ولا حتى الأخلاق، بل جيوبهم ومستقبل أرزاقهم. ومنذ ذلك الحين، صارت العبارة تُردَّد كلما تعقّدت مشكلة سياسية، ليس لأنها بسيطة، بل لأنها تختصر حقيقة أعمق: أن السياسة، حين تُجرَّد من قناعها الأيديولوجي، تكشف عن صراع على الثروة وتوزيعها.
وإذا كان كارفيل قد قالها في القرن العشرين، فإن نيقولا ميكافيلي كان قد همس بها في أذن الأمراء قبل خمسة قرون، دون أن ينطقها بهذا الوضوح. يُقال إن ميكافيلي لم يكن يعرف شيئًا عن الحرير أو الصوف أو الأرباح والخسائر، واعترف هو نفسه بذلك في رسالة إلى صديقه فرانشيسكو فيتوري عام 1513: «بما أن الحظ قد أراد ألا أفهم في تجارة الحرير أو الصوف، ولا في الأرباح والخسائر، فعليّ أن أتحدث عن السياسة». لكن هذا الاعتراف الساحر لا يعني أن ميكافيلي تجاهل المال؛ بل يعني أنه فهم أن المال ليس موضوعًا اقتصاديًا فحسب، بل هو موضوع سياسي بامتياز.
لقد صدم ميكافيلي معاصريه بقوله إن «المال ليس عصب الحرب». ظُنّ ذلك دليلًا على أنه لا يفقه شيئًا في الاقتصاد، لكنه في الحقيقة كان يقلب المعادلة: ليس الذهب هو ما يجلب الجنود الجيدين، بل الجنود الجيدون هم من يجلبون الذهب. المال ضرورة، لكنها ضرورة ثانوية؛ القوة الحقيقية تكمن في الرجال والسلاح والتنظيم، ومن يملك القوة يملك المال حتمًا. لكنه في الوقت نفسه كان يدرك أن المال هو ما يجعل القوة ممكنة، وأن الصراع السياسي في الجمهوريات يدور في جوهره حول من يدفع ومن يحصل على ماذا. لهذا طالب بأن تكون الجمهورية غنية ومواطنوها فقراء، لا بدافع الشح، بل لأن ثروة الدولة هي ما يمكّنها من حماية المساواة التي تُبقي الجمهورية حية، أما ثراء الأفراد المفرط فيفتح باب الفساد والطمع والصراع على النفوذ. وهو الذي حذّر الأمير قائلًا إن الناس قد يغفرون لك قتل أبيهم، لكنهم لن يغفرون لك أخذ أموالهم أبدًا. المال هنا ليس مجرد وسيلة عيش، إنه خط أحمر سياسي، ومساس به مساس بشرعية الحكم ذاته.
ثم جاء أنطوان دي مونكرتيان بعد قرن من الزمان، فخطا خطوة أبعد، حين صاغ لأول مرة في التاريخ مصطلح «الاقتصاد السياسي» في كتابه الصادر عام 1615. لم يكن مونكرتيان مجرد اقتصادي، بل كان كاتبًا مسرحيًا ورجل أعمال، أدرك أن الاقتصاد ليس شأنًا منزليًا (من «أويكونوموس» اليونانية، أي تدبير المنزل)، بل هو شأن الدولة ككل. رأى أن ثروة الأمة لا تكمن في الذهب المكدّس، بل في العمل المشترك لليد والعقل، في السكان، في الصناعة، في التجارة التي تربط الناس بعضهم ببعض. وكان يرى أن الاقتصاد المزدهر هو شرط مسبق لدولة قوية قادرة على المنافسة العسكرية مع بقية العالم. وهكذا، حوّل مونكرتيان المال من مجرد خزينة يخفيها الأمير، إلى شبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تُبنى عليها قوة الدولة أو تُهدم.
بين ميكافيلي ومونكرتيان مسافة قرن، لكن الخيط الذي يربطهما واحد: السياسة ليست لعبة مستقلة عن المال. ميكافيلي كشف أن المال هو ما يحدد ولاء الناس، وأن الدولة التي تريد البقاء يجب أن تتحكم في الثروة وتوزيعها. ومونكرتيان كشف أن قوة الدولة نفسها تُصنع في الحقول والمصانع والأسواق، وأن الفقر ليس فضيلة سياسية كما قد يوحي ميكافيلي، بل ضعف يفتح البلاد للأعداء. كلاهما، من موقعيهما المختلفين، يثبتان أن أي تحليل سياسي لا يبدأ من سؤال «من يملك؟ ومن يدفع؟ ومن يستفيد؟» هو تحليل ناقص.
اليوم، حين تندلع حرب، أو يسقط نظام، أو يُنتخب رئيس، أو تُبرم معاهدة، أو تُشن حملة ضد الفساد، أو تُرفع الأسعار، فإن السؤال الأول الذي يجب أن يُطرح ليس «من على حق؟» بل «من يدفع الثمن؟ ومن يقبض؟». ماهي القيمة المستفادة هذا ليس تشاؤماً، بل هو واقعية ميكافيلية خالصة: الناس قد يضحّون بالكثير، لكنهم لا يضحّون أبدا بمصالحهم المادية. والساسة الذين ينسون هذه الحقيقة، كما قال كارفيل بفظاظته الشهيرة، هم «الأغبياء» الحقيقيون …
في نهاية المقال للحروب رجال تفكر بطريقة حسابية منفعية الأمر لا يقتصر على الضباط والجنود … RAMI
#المثقفون السوريون# مجلة ابليت فوتو ارت


