جذور المعرفة ..حين انتقل الانسان من الدهشة الى التفكير.

الدهشة وولادة العقل: حين سأل الإنسان «لماذا؟»

كيف انتقل التفكير من الحكاية إلى اللوغوس
المقال الثاني من سلسلة «جذور المعرفة»

في ليلة صافية، قبل آلاف السنين، رفع إنسان رأسه إلى السماء فلم يفهم شيئاً. لماذا يختفي القمر ثم يعود؟ ولماذا تسقط النجوم أحياناً؟ كان أمامه طريقان: أن يقول «إنها الآلهة»، أو أن يسأل: «لماذا؟»

الطريق الأول كان مألوفاً ومريحاً، وقد سار فيه البشر آلاف السنين. أما الثاني فبدا في ظاهره سؤالاً صغيراً، لكنه كان بداية كل ما نعرفه اليوم. وفي هذا المقال نتتبّع اللحظة التي تحوّل فيها العقل من تصديق الحكاية إلى طلب السبب.

موانئ ميليتوس: حيث تصادمت الحكايات

في القرن السادس قبل الميلاد، على سواحل آسيا الصغرى (تركيا اليوم)، قامت مدن يونانية مزدهرة مثل ميليتوس. كانت مدناً تجارية مزدحمة، تلتقي في موانئها سفن مصر وبابل وفينيقيا، ومع السلع تنتقل الحكايات.

تخيّل المشهد: تاجر يوناني يجلس في الميناء، فيسمع من تاجر مصري قصة عن أصل العالم، ثم يسمع من بابلي قصة مختلفة تماماً، ثم يتذكر ما رواه له جدّه في بلده. ثلاث حكايات، وكل واحدة تؤكد أنها الحقيقة.

وهنا يخطر لشاب ذكي خاطر خطير: إذا كانت كل حكاية تقول شيئاً مختلفاً، فمن منها على صواب؟ وربما لا تكون أي منها كذلك.

لم يكن هذا الخاطر ممكناً داخل ثقافة مغلقة تعرف حكاية واحدة. لكن حين تلتقي الحضارات وتتجاور الروايات، تنكشف الحقيقة المحرجة: الحكايات تختلف، والاختلاف يستدعي الحكَم. وقد ساعد على ذلك أن هذه المدن كانت تجارية حرّة نسبياً، لا تحكمها طبقة كهنوتية واحدة تحتكر تفسير العالم، فكان الناس أقدر على التساؤل. ويرى مؤرخون كثيرون أن هذه الظروف كانت من أسباب ازدهار التفكير هناك، وإن لم يكن ذلك السبب الوحيد، فمسألة نشأة الفلسفة ما زالت موضع نقاش بين الباحثين.

الدهشة: أن ترى المألوف كأنك تراه أول مرة

وهكذا وُلدت الدهشة. وبعد قرون سيقول أفلاطون إنها الشعور الذي يميّز الفيلسوف، وإنه لا بداية للفلسفة غيرها، وسيوافقه أرسطو على أن الناس بدأوا يتفلسفون بسبب الدهشة.

والدهشة ليست إعجاباً عابراً، بل هي أن تنظر إلى ما اعتدت عليه كأنك تراه للمرة الأولى. نحن نمرّ كل يوم بأشياء عجيبة لا نلتفت إليها: ضوء الشمس، وتعاقب الليل والنهار، وسقوط الأشياء إلى الأسفل. العادة تُخدّر الدهشة، والفيلسوف هو من يوقظها.

ولهذا نجد أن الطفل الذي يسأل «لماذا السماء زرقاء؟» أقرب ما يكون إلى الفيلسوف الأول، قبل أن تعلّمه الحياة أن بعض الأسئلة مملّة أو محرجة أو لا فائدة منها. وكثير مما فعله الفلاسفة الأوائل أنهم احتفظوا بعيني الطفل وأضافوا إليهما صبر الراشد.

اللوغوس: من «من فعل؟» إلى «كيف ولماذا؟»

حين استيقظت الدهشة، احتاجت إلى طريق تسير فيه. وهنا ظهر مفهوم يونانيّ عميق هو «اللوغوس» (Logos). الكلمة في اليونانية تحمل معاني كثيرة: الكلام، والعقل، والحساب، والنسبة، والتعليل. وجوهرها أن تقدّم كلاماً معلَّلاً، أي جواباً مع أسبابه، يمكن أن يُشرح ويُناقش ويُعترض عليه.

وببساطة، الفرق بين الطريقتين أن الأسطورة تقول «الرعد غضب الآلهة»، أما اللوغوس فيسأل «ما الذي يسبّب الرعد؟». الأسطورة تستمدّ جوابها من الأجداد والكهنة، بينما يستمدّه اللوغوس من الحجة والدليل. والأولى لا تقبل المناقشة وتطلب التصديق، أما الثاني فيقبل النقد ويدعو إلى الحوار.

لاحظ أن اللوغوس لا يُسكت من يخالفك، بل يدعوه ليناقشك بالحجة. فإذا قال أحدهم إن أصل الأشياء هو الماء، جاز لغيره أن يقول: بل الهواء، وعليه أن يقدّم أسبابه. وهكذا ينشأ ما لم تعرفه الأسطورة: التقدّم عبر النقد. كل جواب جديد يقف على أكتاف نقد الجواب القديم.

هل اختفت الأسطورة فجأة؟

يميل البعض إلى تصوير الأمر كأن اليونانيين «أطفأوا» الأسطورة وأشعلوا العقل في ليلة واحدة. والحقيقة أكثر تعقيداً. فالمصطلح الشائع «من الأسطورة إلى اللوغوس» اختزال مفيد، لكنه ليس دقيقاً تماماً. فالفلاسفة الأوائل عاشوا في مجتمع مليء بالآلهة والطقوس، وحمل بعضهم في كلامه ظلالاً من التصورات القديمة. وأفلاطون نفسه استخدم الأسطورة ليشرح أفكاره العقلية، كما سنرى لاحقاً في حديثنا عن الكهف.

فالانتقال كان تحوّلاً تدريجياً في طريقة السؤال لا قطيعة حادة. تغيّر المعيار: لم يعد يكفي أن يُقال الشيء لأنه قديم، بل صار يُطلب له سبب. ولعل هذا أهم ما في الأمر: العقل لم يلغِ الحكاية، لكنه بدأ يضع لها شروطاً.

من تلك اللحظة إلى مختبراتنا

كل عالم اليوم يمشي في الطريق نفسه الذي بدأ هناك: ظاهرة غريبة، ثم دهشة، ثم سؤال «لماذا؟»، ثم بحث عن سبب يمكن اختباره. وما تغيّر هو الأدوات: صار عندنا مجاهر وتلسكوبات ومعادلات، لكن الشرارة هي نفسها.

وفي حياتك اليومية تمارس هذه اللحظة دون أن تدري. حين يصلك خبر مثير فتسأل «من قال هذا؟ وما دليله؟»، فأنت تختار اللوغوس. وحين تصدّقه لأن ناقله صديق أو لأنه يوافق هواك، فأنت تعود إلى الحكاية. والمسألة ليست أن نتخلى عن الثقة بالآخرين، فلا يستطيع أحد أن يتحقق من كل شيء، بل أن نعرف متى نطلب الدليل ومتى نكتفي بالثقة.

السؤال الذي لا يشيخ

لم يكن اليونانيون الأوائل أذكى من غيرهم، لكنهم وجدوا أنفسهم في مكان وزمان سمحا للدهشة أن تكبر، وللسؤال أن يخرج من الصدور إلى الحوار. ومنذ ذلك اليوم لم يعد السؤال «من غضب؟» بل «مم صُنع هذا؟ وكيف يتغيّر؟».

وفي المقال القادم نلتقي أولئك الرجال الذين حملوا هذا السؤال وحاولوا الإجابة عنه: فلاسفة الطبيعة الذين كانوا فلاسفة وعلماء في آن واحد.

الدهشة تشعل السؤال، واللوغوس يعطيه طريقاً.

سؤال للتأمل: ما آخر شيء أدهشك حتى سألت «كيف يحدث هذا؟»، وهل بحثت عن جوابه أم تركته للحكاية؟

#فهم_الفلسفة_دليل_مبسط#المدرسة الرواقية #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم