التدليس الإلكتروني – خرافة نقش الإله بعل ***’* أمجد سيجري.
‘كثيراً ما يتم تداول هذه الصورة الشهيرة المرفقة بالمقال والتي تظهر نقشاً مسمارياً يتضمن ادعاء بأن هذه العبارة هي نص أوغاريتي من أساطير الإله الكنعاني بعل، تقول كما ورد في الصورة:”حطم سيفك، وتناول معولك، واتبعني لنزرع السلام والمحبة في كبد الأرض” رسالة من الإله بعل، 5000 سنة قبل الميلاد، من التراث الأدبي السوري في أوغاريت.”في الحقيقة، هذه العبارة، على الرغم من جمالها في الشكل والمضمون لكنها للأسف خرافة محضة من حيث الأصل الأثري واللغوي ولا تستند إلى أي مصدر معروف في نصوص أوغاريت أو أي نص آخر من التراث الكنعاني.والملاحظات يمكن لأي مبتدئ بالتاريخ ملاحظتها هي كالتالي:1. أوغاريت لم تكن موجودة عام 5000 ق م، أوغاريت ازدهرت في الألف الثاني قبل الميلاد، وتحديداً بين عامي 1450–1200 ق م ، ولم تكن هناك كتابة أبجدية أو مسمارية خاصة بها قبل هذا التاريخ.2. العبارة لا وجود لها في أي لوح مكتشف: لم يُعثر على أي نقش أوغاريتي يحمل هذا القول، لا في “ملحمة بعل”، ولا في النصوص الطقسية .3. اللوح الطيني المرفق في الصورة لا يُظهر هذا النص و هو عبارة عن لوح تدريبي تعليمي يُعرف في الأوساط الأكاديمية باسم: Ugaritic Abecedary “أبجدية أوغاريتية”، ويُصنف ضمن الأدوات التربوية للكتبة والمتعلمين في أوغاريت، مكتوب عليه 30 رمزاً مسمارياً، تمثل الأبجدية الأوغاريتية اكتُشف في رأس شمرا (أوغاريت الحديثة)، ويعود تاريخه إلى القرن 13 ق م، لا يحتوي على نص ديني أو شعري، بل فقط ترتيب الحروف:𐎀 أ، 𐎁 ب، 𐎂 ج، 𐎃 خ، 𐎄 د، 𐎅 هـ، 𐎆 و، 𐎇 ز، 𐎈 ح، 𐎉 ط، 𐎊 ي، 𐎋 ك، 𐎌 ش، 𐎍 ل، 𐎎 م، 𐎏 ن، 𐎐 ث، 𐎑 س، 𐎒 ع، 𐎓 ف، 𐎔 ص، 𐎕 ق، 𐎖 ر𐎗 ط (صوت مختلف عن الطاء السابقة)𐎘 ش (صوت مختلف عن الشين السابقة)، 𐎙 ت، 𐎚 غ، 𐎛 س (صوت مختلف)، 𐎜 ث (صوت مختلف)لا يوجد في هذا اللوح أي ذكر لكلمة “سلام”، أو “معول”، أو “محبة”، ولا ذكر للإله بعل في أي سطر، ولا تظهر فيه جمل أو تركيبات نحوية، بل رموز منفصلة بالتالي، فإن الادعاء بأن هذه الصورة تمثل رسالة أخلاقية من الإله بعل هو تزوير حديث لمحتوى أثري معروف.وبتوضيح أكثر، يرتكز الأدب الأوغاريتي على سياق ثقافي وديني مختلف جذرياً عن المفاهيم الأخلاقية الحديثة فهو يتناول في جوهره صراعات الآلهة وأدوارهم في الحفاظ على النظام الكوني والاجتماعي على سبيل المثال: تركز نصوص مثل ملحمة بعل وأسطورة كيريت على الصراعات المحورية بين الآلهة، حيث تشكل معركة بعل ضد الإله يم أو موت رمزاً للصراع بين النظام والفوضى، والخصب والجفاف. يرتبط هذا الأدب أيضاً ارتباطاً وثيقاً بطقوس الخصب والزراعة، إذ يمثل بعل إله المطر والعواصف وهذه الصراعة محاكاة للطبيعة تؤدي في نهايتها إلى ازدهار الأرض وحياة الإنسان.أضف إلى ذلك أن الأدب الأوغاريتي يعكس العلاقة بين البشر والآلهة من خلال التضحيات والصلوات والطاعة، وهي أدوات الحفاظ على رضا الآلهة وضمان استمرار دورة الحياة.لذلك فإن مفاهيم “المحبة والسلام” في النصوص الأوغاريتية ليست مفاهيم عالمية، بل هي تعبير عن الاستقرار الداخلي للمملكة ورضا الآلهة عن رعاياها، بالتالي وظيفتها دينية سياسية بحتة.وفي النهاية الخرافة المنسوبة إلى بعل هي تركيب عصري حديث مزيف لا وجود له في المصادر القديمة، ويعتمد على صورة غير دقيقة للآلهة الكنعانية. أما النصوص الأوغاريتية الحقيقية، فهي أغزر وأعمق، وتتناول الزراعة والخصب والحكمة والطقوس الدينية بأسلوب شعري دقيق لذلك للمهتمين من الأفضل لهم الرجوع إلى هذه النصوص كما هي في مصادرها ، بدل اختراع اقتباسات لا جذر لها في التراث الحقيقي.حاشيةسأنقل لكم مجموعة من مقاطع حقيقية من الأدب الأوغاريتي، تعبّر عن أدوار بعل أو تصور القيم الأخلاقية والزراعية، بما يقارب أحياناً مضمون الخرافة الملفقة:النص الأول (KTU 1.4):𐎊𐎉𐎗 (ي – ط – ط) 𐎀𐎓 (أ – ل) 𐎗𐎘𐎍 (ط – ص – ع) 𐎔𐎚 (م – ن) 𐎈𐎎𐎕 (ح – ك – ت) 𐎌𐎐 (س – ن) 𐎎𐎍𐎟 (ك – ع – (وقفة)) 𐎚𐎗𐎘𐎊 (ن – ط – ص – ي) 𐎚𐎗𐎘𐎊 (ن – ط – ص – ي) 𐎌𐎐 (س – ن) 𐎅𐎁𐎂 (و – ب – ج) 𐎓𐎗𐎓𐎗 (ل – ط – ل – ط) 𐎗𐎘𐎍 (ط – ص – ع)yaḥib ʾil baʿl ʿarši-huyarmi ṣawta-hu ʿaliyyanyušlim magyama-hu ʿal ṯurimwa-yamliku naddan yašrun”ينهض الإله بعل من عرشه، يرفع صوته العالي، يرسل غيومه إلى التلال، ويغمر السهول بالندى.”النص الثاني (KTU 1.16):𐎘𐎙𐎟 (ص – ق – (وقفة)) 𐎅𐎁𐎂 (و – ب – ج) 𐎓𐎙𐎊 (ل – ق – ي) 𐎛𐎚𐎍𐎗 (ن – ن – ع – ط)yuftaḥ šaduwa-yuṭraḥ naddaġaḍabu baʿliyahdaʾ”يفتح الحقل، ويسقى بالندى، ويهدأ غضب بعل.”النص الثالث (KTU 1.20):𐎃𐎇𐎎 (ق – ع – ك) 𐎔𐎙𐎊 (م – ق – ي) 𐎛𐎗𐎘 (ن – ط – ص) 𐎇𐎌𐎘 (ع – س – ص)ḥuḏi al-miʿwalawa-tālik bāʾ arṣītaṯriq bī naqbatu”خذ المعول وامض في الأرض.”ملاحظات:بالرغم من بساطة الكتابة الأوغاريتية الظاهرية، فهي تحمل في طياتها إشكالية جوهرية متعلقة بالنطق والقراءة، فهي تعتمد على أبجدية مسمارية لا تكتب الحركات، مما يجعل من الضروري على القارئ أن يقوم باجتهادات لتحديد النطق الصحيح للكلمات. ما يزيد الأمر تعقيداً هو اعتماد القراءات الأكاديمية الحديثة على لغات سامية أخرى، مع تجاهل أو إهمال الرابط اللغوي الوثيق بين الأوغاريتية والعربية الفصحى من جهة، والعامية السورية من جهة ثانية، التي يمكن أن تقدم مفتاحاً لفهم أدق.لنأخذ مثلاً كلمة 𐎊𐎉𐎗، التي تُقرأ في الترجمات الأكاديمية بـ “yaḥib”، وتعني بالعربية “يحب” أي “يهوى”. ولكن إذا نظرنا إلى الحروف، نجدها تتكون من “ي، ط، ط”. في العربية الفصحى، الحروف “ي-ط-ط” لا تشكل كلمة “يحب”، بل تدل على جذر مختلف متعلق بالفعل “يطّ”، الذي في العامية السورية قريب من “ينط” أي “يقفز”. فهل المعنى الحقيقي للنص هو “يقفز”؟كذلك كلمة 𐎗𐎘𐎍، التي تُنطق في الترجمات بـ “بعل” (baʿl)، معروفة في العربية كاسم الإله. ولكن الحروف المكتوبة هي “ط، ص، ع”، وهو تركيب يختلف كلياً عن “ب، ع، ل” في العربية. وهذا الفرق يطرح سؤالاً حول صحة النطق المطابق للنص.أيضاً كلمة 𐎓𐎗𐎓𐎗 (ل – ط – ل – ط)، التي تُقرأ أكاديمياً naddan “نددَّن”، في إغفال صريح لكلمة “الطل”، وهو في العربية الفصحى والدارجة السورية يُراد به “الندى” أو الماء المتساقط على النباتات، خاصة في الصباح. فمثلاً في سوريا يقولون “طل الصباح” أي” ندى الصباح”.# # امجد سيجري# عقل حر# مجلة ايليت فوتو ارت.


