تعرفوا على .. إضطرابات ما بعد الصدمة

كتبت/ رانده حسن
إختصاصى نفسى

من بداية الخلق وحتى نهايته ، يتعرض الإنسان على مر العصور للصدمات والخيبات ، وهناك من يستطيع أن يتعامل معها ويخرج منها ، وهناك العكس الذى يسقط في براثن الصدمة الأولى وتتوالى عليه صدمات وأزمات لا ينفك منها.

ومع العلم الحديث ، وخاصة علم النفس والعلم الإكلينيكي ، والطب النفسى ، استطاع العلماء تحديد بعض السمات لما يحدث بعد مشكلة أو صدمة (إضطراب مابعد الصدمة)….

ما هى الصدمة النفسية؟

هى إستجابة نفسية وعاطفية شديدة لموقف مؤلم أو مروع يتجاوز قدرة الشخص على التحمل، مثل التعرض لحادث خطير أو عنف أو كارثة طبيعية. تسبب هذه التجربة شعوراً قوياً بالخوف والعجز، وقد تؤدي إلى إضطرابات في الوظائف اليومية وعلاقات الشخص، وقد تتطور آثارها مع مرور الوقت.

والصدمة النفسية ليست مجرد “ذكرى مؤلمة” تُخزَّن في العقل، بل هي حدث يترك بصمته العميقة في الدماغ والجسم والنفس معًا. الأبحاث في علم الأعصاب أظهرت أن الدماغ يتأثر بيولوجيًا وهيكليًا عند التعرّض لصدمة قوية، وهذا ما يفسر إستمرار الأعراض النفسية والجسدية حتى بعد إنتهاء الحدث الصادم الذى أدى إلى حدوث إختلال داخلى للفرد ، مما أثر على حياته اليوميةوتعاملاته مع المحيطين….

يمكن تلخيص أهم التأثيرات كالآتي:

1. اللوزة الدماغية (Amygdala):
اللوزة هي مركز الإنذار العاطفي في الدماغ، وتعمل ككاشف للخطر. في حالة الصدمة، تصبح مفرطة النشاط، فتجعل الشخص في حالة يقظة مفرطة (Hypervigilance) وردود فعل مبالغ فيها للخطر حتى لو لم يكن موجودًا.

2. الحُصين (Hippocampus):
الحُصين مسؤول عن تخزين الذكريات وربطها بالزمن والمكان. الصدمة يمكن أن تقلّص حجمه وتُضعف وظيفته، ما يؤدي إلى تشويش الذاكرة: الذكريات الصادمة قد تُسترجع بشكل مجزأ أو متكرر (Flashbacks)، وكأن الحدث ما يزال يحدث الآن.

3. قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex):
هذه المنطقة مسؤولة عن التنظيم العاطفي وإتخاذ القرارات. بعد الصدمة، نشاطها يضعف، ما يقلل من قدرة الفرد على تهدئة نفسه أو تقييم المواقف بموضوعية. لذلك نرى صعوبة في التحكم في الإنفعالات، وإندفاعية أو قلق شديد.

4. محور الضغط (Hypothalamic-Pituitary-Adrenal Axis – HPA):
الصدمة تغيّر نظام إفراز هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين). هذا الإضطراب يجعل الجسم يعيش في حالة “إستعداد دائم”، مما يؤدي إلى أرق، إضطرابات النوم، مشاكل مناعية، وأحيانًا أمراض جسدية مزمنة.

5. الروابط العصبية:
الدماغ في الصدمة يعيد تشكيل شبكاته. يصبح الربط بين اللوزة والحُصين غير متوازن، بينما يضعف إتصال الفص الجبهي بالعواطف. هذا الخلل يفسر لماذا تبدو الصدمات “أقوى من المنطق”.

إن الصدمة النفسية تغيّر الدماغ في مستوياته الثلاثة: الإنفعالية (اللوزة)، المعرفية (الحُصين والفص الجبهي)، والجسدية-الهرمونية (محور الضغط). ولهذا فإن التعامل معها يتطلب مقاربات علاجية متعددة (نفسانية، دوائية، جسدية) لإعادة التوازن.

ومن الجيد أن الدماغ يملك المرونة العصبية (Neuroplasticity)، أي القدرة على إعادة التشكل.
العلاج النفسي (مثل EMDR والعلاج السلوكي المعرفي)، التمارين الجسدية، وحتى التأمل، يمكن أن تساعد على إعادة ضبط الدماغ بعد الصدمة.

مع إستعداد من الحالة ومساعدة من المختص النفسى المسؤول
تستطيع الحالة التوازن و الإستجابة للعلاج والخروج من الصدمة .
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم