أورفيوس والآلة الجهنمية، كوكتو وتطويع الأسطورة لصالح فلسفة العبث..مقال من إعداد: كادر صفحة مسرح العبثتُعد تجربة جان كوكتو (Jean Cocteau) واحدة من أكثر التجارب الفنية إثارة للجدل والدهشة في القرن العشرين. لم يكن كوكتو مجرد كاتب مسرحي، بل كان ساحراً بصرياً وأدبياً استطاع أن يمد جسراً بين كلاسيكية اليونان وبين تجريبية القرن العشرين، ممهداً الطريق لما عُرف لاحقاً بمسرح العبث (Theater of the Absurd).لقد أدرك كوكتو باكراً أن الأساطير القديمة ليست جثثاً هامدة، بل هي قوالب مرنة يمكن شحنها بعبثية الوجود الحديث وقلق الإنسان المعاصر.● فلسفة “التحديث” عند كوكتومن القداسة إلى العبثلم يهدف كوكتو إلى محاكاة النصوص القديمة، بل إلى تفكيكها. في مسرحياته مثل أورفيوس (Orphée) والآلة الجهنمية (La Machine infernale)، أعاد صياغة الأسطورة برؤية سريالية تقترب من العبث.يقول كوكتو في مقدمته لأعماله المسرحية مفسراً فلسفته في الاقتباس:”الجمال هو الشيء الذي يبدو قبيحاً في البداية، ولكنه يصبح جميلاً بمرور الوقت. أما الموضة، فهي الجمال الذي يصبح قبيحاً بسرعة. لقد أردت أن أمنح الأسطورة خلوداً يتجاوز الموضة عبر صدمة الحداثة.”في مسرحية الآلة الجهنمية، نجد كوكتو يعيد قراءة أسطورة “أوديب”. لكنه هنا لا يقدمها كتراجيديا إغريقية محتومة بالقدر الإلهي فقط، بل يقدمها كفخٍ عبثي، حيث تظهر الآلهة كقوى ساخرة تتلذذ بتعذيب البشر. وهذا العبث (((صفحة مسرح العبث))) القدرى هو الذي مهد لظهور شخصيات صمويل بيكيت ويوجين يونسكو وغيرهما فيما بعد.● تطويع النص القديم: التقنيات والأسلوباستخدم كوكتو عدة أدوات لتحويل النص الكلاسيكي إلى قالب عبثي/سريالي:- أنسنة الأسطورة: أنزل الأبطال من عليائهم ليصبحوا بشراً عاديين يتحدثون بلغة يومية.- المفارقة الزمنية (Anachronism): وضع أدوات حديثة في سياق قديم (مثل استخدام التلغراف أو الملابس العصرية في قصص يونانية).- السينوغرافيا السحرية: اعتمد على الخدع البصرية والمرايا كفواصل بين العوالم، مما أعطى مسرحه صبغة الحلم أو الكابوس العبثي.في هذا الصدد، كتب الناقد الفرنسي الشهير آندريه فرينو في دورية La Nouvelle Revue Française عام (1946) واصفاً عبقرية كوكتو:”إن كوكتو لا يقتبس الأساطير، بل يسرقها من يد الآلهة ليعطيها للمجانين والسكارى والشعراء. لقد حول أورفيوس من شاعرٍ يبحث (((صفحة مسرح العبث))) عن زوجته إلى إنسان يبحث عن معنى في مرآة، وهذا هو جوهر الحداثة”.● “الآلة الجهنمية” وقمة العبثية المبكرةفي مسرحية الآلة الجهنمية (1934)، يظهر الذكاء اللغوي لكوكتو في تحويل مأساة أوديب إلى لعبة ميكانيكية. يقول في النص المسرحي على لسان الصوت الذي يفتتح المسرحية:”انظروا، أيها المشاهدون، إنها واحدة من أكثر الآلات كمالاً التي بناها الشياطين من أجل السقوط الرياضي لفانٍ”.هذه العبارة تلخص نظرة كوكتو العبثية؛ فالحياة ليست صراعاً بطولياً، بل هي آلة تعمل بدقة متناهية لتدمير الإنسان، وهو المفهوم الذي سيطر على مسرح العبث لاحقاً، حيث الإنسان مسير في عالم لا يفهمه.● كوكتو في عيون الصحافة المعاصرةلم يكن استقبال كوكتو سهلاً دائماً، فقد اتُهم بالخروج عن التقاليد المسرحية الفرنسية الصارمة. نشرت مجلة L’Illustration في الثلاثينيات مقالاً جاء فيه:”لقد تجرأ جان (((صفحة مسرح العبث))) كوكتو على لمس الأوثان المقدسة. لقد جعل من أوديب شاباً مغروراً ومن جوكاستا امرأة قلقة مهووسة بالمرآة. إنه يحطم هيبة الكلاسيكية ليخلق مسرحاً يعتمد على الدهشة البصرية والارتباك الوجودي”.لكن هذا الارتباك كان هو الثورة التي يحتاجها المسرح. لقد استطاع كوكتو أن يجعل المتفرج يشعر بالعبث من خلال تدمير المسافة بينه وبين الشخصية الأسطورية.● الإسهامات الفنية والأثر التاريخييمكن تلخيص جهود كوكتو في النقاط التالية:- تحرير الخيال المسرحي: كسر القواعد الأرسطية للزمان والمكان، معتمداً على منطق الحلم.- الشعر المسرحي (Poésie de théâtre): لم يكتفِ بالشعر داخل الحوار، بل جعل الحركات والإضاءة والديكور قصيدة صامتة.- تجسير الفجوة: ربط بين الأدب الرفيع وبين الفنون البصرية (السينما، الرسم، الباليه)، مما جعل المسرح كائناً حياً متعدِد الأبعاد.في مذكراته، كتب كوكتو جملة تلخص علاقته بالمسرح والجمهور:”أنا أعرف أنني أكذب، ولكنني أكذب لكي أقول الحقيقة التي هي أكثر صدقاً من الواقع”.خاتمة:إن جان كوكتو لم يطوع النصوص القديمة فحسب، بل أعاد صياغة وعينا بها. من خلال إلباس الأسطورة ثوب العبث والسريالية، استطاع أن يثبت أن صرخة الإنسان في اليونان القديمة هي ذاتها صرخة الإنسان تحت وطأة الآلة والحروب في العصر الحديث. لقد مهد الطريق لمسرحيين مثل بيكيت ليقولوا إن العالم لا معنى له، ولكن كوكتو قال ذلك بجمالية ساحرة، محولاً العدم إلى لوحة فنية لا تُنسى.#صفحة مسرح العبث.# مجلة ايايت فوتو ارت.


