رحيم الحلي.
فيلم “بقايا اليوم” Remains of the Dayيُعد فيلم بقايا اليوم إنتاج عام 1993 واحداً من أبرز الأفلام الدرامية الهادئة والعميقة في السينما البريطانية. إنه فيلم جميل يستحق المشاهدة، يأخذنا في رحلة بين التاريخ والسياسة في ظل طبيعة إنجليزية ساحرة، حيث تتقاطع الأحداث الإنسانية مع التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية. ومن خلال إخراج دقيق يهتم بالتفاصيل الصغيرة، يقدم الفيلم حكاية إنسانية مؤثرة عن ضياع الفرص والخيبات الصامتة، وما يمكن أن تتركه بعض القرارات أو الترددات من أثر عميق في حياة الإنسان.تدور أحداث الفيلم حول كبير خدم إنجليزي يُدعى ستيفنز يعمل في قصر اللورد البريطاني دارلنغتون خلال السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية. ستيفنز رجل شديد الانضباط يرى أن كرامته المهنية تكمن في إخلاصه المطلق لواجبه، حتى لو تطلب ذلك كبت مشاعره والتضحية بحياته الخاصة. يعيش هذا الرجل وفق قواعد صارمة من الالتزام والواجب، ويعتقد أن أعظم ما يمكن أن يحققه هو خدمة سيده بإتقان كامل.غير أن هذا النظام الصارم يبدأ بالتصدع حين تصل إلى القصر مدبرة المنزل الجديدة الآنسة كينتون. إنها امرأة ذكية وحيوية تنظر إلى الحياة بمنظور أكثر إنسانية. تنشأ بين الاثنين علاقة إنسانية عميقة وربما عاطفية، لكن ستيفنز يبقى أسيراً لتقاليد المهنة التي يقدسها، فيكبت مشاعره ويعجز عن التعبير عنها، فتضيع الفرصة التي كان يمكن أن تمنحه حياة مختلفة.وفي خلفية هذه الحكاية الشخصية يطرح الفيلم جانباً سياسياً مهماً، إذ يتبين أن اللورد دارلنغتون كان على صلة بدوائر سياسية متعاطفة مع ألمانيا النازية قبل الحرب العالمية الثانية. وهنا يكتشف ستيفنز أن حياته التي أفناها في خدمة سيده قد ارتبطت بشخص لم يكن على صواب في مواقفه التاريخية، الأمر الذي يدفعه لاحقاً إلى مراجعة حياته والتساؤل عمّا تبقى له من الأيام التي مضت.يقوم بدور ستيفنز الممثل البريطاني الكبير أنتوني هوبكنز الذي قدم أداءً بالغ العمق لشخصية رجل يعيش خلف جدار من الصمت والانضباط يخفي داخله عالماً من المشاعر المكبوتة. ويُعد هوبكنز من أعظم ممثلي السينما في العالم، فقد بدأ مسيرته الفنية في المسرح البريطاني قبل أن ينتقل إلى السينما ويحقق شهرة عالمية، خصوصاً بعد أدائه الشهير في فيلم صمت الحملان The Silence of the Lambs إنتاج عام 1991 الذي فاز عنه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل. كما قدم أدواراً بارزة في أفلام أخرى مثل نيكسون Nixon إنتاج عام 1995 والأب The Father إنتاج عام 2020 الذي نال عنه جائزة الأوسكار مرة أخرى.أما دور الآنسة كينتون فتؤديه الممثلة البريطانية إيما طومسون التي قدمت أداءً رقيقاً ومؤثراً منح الشخصية عمقاً إنسانياً واضحاً. وتُعد طومسون واحدة من أبرز الممثلات في السينما البريطانية المعاصرة، فقد بدأت مسيرتها الفنية في المسرح والتلفزيون قبل أن تنتقل إلى السينما وتحقق شهرة واسعة. فازت بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن دورها في فيلم هواردز إند Howards End إنتاج عام 1992، كما حصلت على أوسكار آخر عن أفضل سيناريو مقتبس لفيلم العقل والعاطفة Sense and Sensibility إنتاج عام 1995، وشاركت في عدد من الأعمال السينمائية المهمة مثل فيلم في الواقع حب Love Actually إنتاج عام 2003.فيلم “بقايا اليوم”من إخراج المخرج الأميركي جيمس آيفوري الذي عُرف بتقديم أفلام أدبية رفيعة المستوى تدور غالباً في أجواء المجتمع البريطاني الكلاسيكي. ومن أبرز أعماله السينمائية فيلم غرفة مع إطلالة A Room with a View إنتاج عام 1985 وفيلم هاوردز إند Howards End إنتاج عام 1992 إلى جانب هذا الفيلم بقايا اليوم Remains of the Day إنتاج عام 1993، وقد تميزت أفلامه بالاهتمام بالتفاصيل الإنسانية الدقيقة.أما التصوير السينمائي فكان للمصور البريطاني توني بيرس روبرتس Tony Pierce Roberts الذي عُرف بأسلوبه السينمائي الجميل القائم على استخدام الضوء الطبيعي واللقطات الهادئة التي تبرز جمال المكان. وقد ساهمت كاميرته في إبراز جمال الريف الإنجليزي والقصور الأرستقراطية التي تدور فيها أحداث الفيلم. ومن أبرز أعماله أيضاً فيلم غرفة مع إطلالة A Room with a View إنتاج عام 1985 الذي رُشِّح عنه لجائزة الأوسكار لأفضل تصوير سينمائي، إضافة إلى فيلم هاوردز إند Howards End إنتاج عام 1992.أما السيناريو فقد كتبته روث براور جهابفالا مقتبساً عن الرواية الشهيرة للكاتب البريطاني الياباني الأصل كازو إيشيغورو الحائز جائزة نوبل في الأدب.حظي الفيلم بإشادة نقدية واسعة عند عرضه، ورُشح لثماني جوائز أوسكار من بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل ممثلة. وتتميز مشاهده بجمال بصري هادئ يعكس طبيعة الريف الإنجليزي والقصور الأرستقراطية، وهو ما منح الفيلم طابعاً تأملياً يناسب موضوعه الإنساني العميق.لكن القيمة الحقيقية للفيلم تكمن في رسالته الإنسانية المؤثرة، فهو فيلم عن الفرص الضائعة في حياة الإنسان، وعن ذلك الندم الصامت الذي قد يشعر به عندما يكتشف أنه عاش حياته كلها في خدمة الواجب بينما ترك قلبه وحيداً.مدة الفيلم: ساعتان و14 دقيقة.————–اضغط على الرابط التالي لمشاهدة الفيلمhttps://www.netflix.com/title/60011325


