تحليل النص كبنية دلالية ..ابحاث التأويل تاليف بول ريكو.

من النص إلى الفعل: أبحاث التأويل

  • تأليف: بول ريكور
  • ترجمة: محمد برادة – حسان بورقية

يقدّم الكتاب خلاصة ناضجة لمسار بول ريكور التأويلي، حيث ينتقل التفكير من تحليل النص بوصفه بنية دلالية إلى فهم الفعل الإنساني باعتباره امتدادًا تداوليًا وتأويليًا للنص. يجمع الكتاب مقالات كُتبت خلال خمسة عشر عامًا، ويكشف عن تحوّل منهجي يؤكد اندماج نظرية النص داخل نظرية الفعل، مع إبراز دور الخيال في إعادة تشخيص المعنى داخل الممارسة الاجتماعية والتاريخية.

التأويل بوصفه ممارسة فلسفية مستقرة

يظهر ريكور في هذا العمل وقد تجاوز مرحلة الدفاع عن مشروعية التأويل، متجهًا إلى ممارسة تأويلية واثقة تستند إلى عرف فلسفي خاص. يتعامل التأويل هنا كأفق تفكير منتج للمعنى، يرتكز على تحليل النصوص دون انشغال بالمنافسات المنهجية مع علم الدلالة أو التحليل النفسي. تتأسس هذه الممارسة على وعي بالمصدر الفكري والمسار المستقبلي، حيث يحدّد ريكور موقعه داخل التقليد الظاهراتي–التأويلي مع مساهمة نقدية واضحة.

نظرية النص وإعادة تسجيلها في نظرية الفعل

يشكّل الانتقال من النص إلى الفعل المحور المركزي للكتاب. يركّز ريكور على البعد التداولي لشكل النص، ويبيّن كيف يتجاوز المعنى حدود البنية اللغوية ليدخل مجال الفعل الإنساني. يتحوّل النص إلى نموذج لفهم الممارسة، ويغدو الفعل قراءةً مجسّدة للمعنى داخل سياقات اجتماعية وتاريخية. تتأكد هنا فكرة إعادة التسجيل المتنامية، حيث تُفهم الأفعال بوصفها قابلة للتأويل كما تُفهم النصوص.

المباعدة والتفسير النقدي

تحتل موضوعة المباعدة موقعًا أساسيًا في مساهمة ريكور، إذ تتيح للنص أن ينفصل عن نوايا منتجه الأولى ويدخل فضاءً عامًا للتفسير. تمنح هذه المباعدة إمكان النقد وإعادة الفهم، وتؤسس لمسافة معرفية تسمح بقراءة الفعل الإنساني قراءة تأويلية واعية. تتكامل هذه الفكرة مع المرافعة النقدية التي يمارسها ريكور تجاه عمليات الفكر التأويلي، بما يعزّز استقلالية المعنى وخصوبته.

الخيال وإعادة تشخيص الفعل

يفتح الكتاب أفقًا حاسمًا لدور الخيال في تشخيص النص وإعادة تشخيص الفعل. يعمل الخيال الخلاق على إعادة رسم إمكانات المعنى داخل الواقع الاجتماعي، ويمنح الممارسة الإنسانية قدرة على الابتكار والتجدد. يظهر الخيال كقوة وسيطة بين النص والفعل، تنقل المعنى من مستوى الدلالة إلى مستوى الإنجاز التاريخي.

الإيديولوجيا والممارسة الاجتماعية

تتجه الأبحاث الأخيرة إلى تحليل الإيديولوجيا ضمن إطار تأويلي يربطها بالخيال والممارسة الاجتماعية. تُفهم الإيديولوجيا بوصفها بنية دلالية فاعلة في تنظيم الفعل الجماعي، وتُقرأ من خلال قدرتها على التشكيل والتوجيه. يبيّن ريكور كيف يتداخل التأويل مع النقد الاجتماعي، مؤكدًا حضور المعنى في صلب الحياة المشتركة.

خلاصة ختامية

يقدّم من النص إلى الفعل تصورًا متكاملًا للتأويل بوصفه جسرًا بين المعنى والفعل، وبين اللغة والممارسة. يرسّخ الكتاب مكانة ريكور كمفكّر يؤسس لتأويل نقدي يدمج النص في أفق الفعل الإنساني، ويمنح الخيال دورًا مركزيًا في فهم الواقع وتحويله. يشكّل هذا العمل محطة أساسية في الفلسفة المعاصرة، لما يقدّمه من تركيب منهجي يجمع الظاهراتية والتأويل والنقد الاجتماعي.

ـ سالم يفوت ـ مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم