بقلم: أحمد رشدي
لم تعد الأم في عصرنا الحديث حبيسة جدران البيت، بل أصبحت تشارك الرجل في معترك الحياة العملية، وتتحمل مسؤوليات متعددة بين العمل خارج المنزل وتربية الأبناء والاهتمام بالزوج والأسرة. هذه المعادلة الصعبة جعلت من الأم العاملة رمزًا للعطاء المزدوج، إذ تسعى جاهدة لتحقيق التوازن بين طموحها المهني وواجبها الأسري.
يرى الخبراء أن العمل بالنسبة للمرأة ليس مجرد وسيلة للحصول على الدخل، بل هو أيضًا سبيل لتحقيق الذات والمشاركة الفعّالة في تنمية المجتمع. وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الأم العاملة إذا نجحت في تنظيم وقتها، يمكن أن تكون أكثر استقرارًا نفسيًا، مما ينعكس إيجابًا على أسرتها وأطفالها.
يقول الدكتور عبد الكريم بكار، أحد المفكرين المتخصصين في التربية، إن «الأم التي تعمل وتؤدي واجبها الأسري بإخلاص، تقدم لأبنائها نموذجًا واقعيًا للجد والاجتهاد والمسؤولية»، مشيرًا إلى أن الأطفال يتعلمون من أمهاتهم قيم الانضباط والالتزام، حين يرونها تنسق بين مهامها بحكمة وهدوء.
لكن التحدي الحقيقي أمام الأم العاملة هو إدارة الوقت والتوازن النفسي، فالتعب الجسدي وضغوط العمل قد يؤثران على جودة العلاقة الأسرية إذا لم تكن هناك خطة واضحة.
ولهذا يؤكد علماء النفس أن أولى خطوات النجاح تبدأ بـتنظيم الوقت، وتحديد الأولويات اليومية دون إفراط أو تفريط، مع تخصيص وقت كافٍ للحوار مع الأبناء ومتابعة احتياجات الزوج والأسرة.
كما ينصح خبراء الأسرة بأن يكون هناك تعاون حقيقي بين الزوجين، فدعم الزوج لزوجته العاملة لا يقل أهمية عن عملها نفسه.
وقد أثبتت الدراسات أن الأزواج الذين يشاركون زوجاتهم في أعباء المنزل يساهمون في خلق بيئة أسرية أكثر دفئًا واستقرارًا، ويزيدون من مستوى السعادة الزوجية.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن لا تهمل الأم العاملة الجانب العاطفي والتربوي مع أطفالها، فالتربية لا تقتصر على الوقت الذي تمضيه معهم، بل على نوعية هذا الوقت. فالدقائق التي تمنحها الأم بحب واهتمام لأطفالها قد تكون أعمق أثرًا من ساعات طويلة بلا تواصل حقيقي.
وفي النهاية، تظل الأم العاملة مثالًا حيًا للتحدي والإصرار، فهي تبني مجتمعين في آنٍ واحد: مجتمع العمل ومجتمع الأسرة.
وإذا نجحت في الموازنة بينهما بروح من الحب والتنظيم والإيمان، فقد بلغت أسمى مراتب العطاء الإنسانى.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


