الدوحة – محمد هديب
أمام واحد وعشرين فناناً عربياً جمعهم معرض في الدوحة، كان لغاليري المرخية شاغل مفاده “ما الذي يمكن أن يتقاسمه 21 فناناً وفنانة في حيز واحد، ويجعل هذا التجاور ممكناً من دون أن يُبتلع صوت لصالح آخر؟”. هذا ما تبناه معرض “بين السطح والمعنى” المستمر حتى الرابع من يونيو/ حزيران المقبل، في مقر الغاليري بالحي الثقافي- كتارا، وهي تجربة اختبرت مرات عديدة، قبل هذه، إذ يلجأ الغاليري إلى مقتنياته الخاصة، محاولاً استخراج ثيمة من داخل ما هو متاح. وما ارتآه القيّمون كان الرسم على الورق وما يتفرّع عنه من طباعة وحفر وكتاب فني وتجريب تقني.
وبفارق يوم واحد سبق هذا المعرض واحدٌ آخر للفنانَين القطري يوسف أحمد والمصري الراحل حازم المستكاوي في مقر الغاليري في مطافئ، حيث الاشتغال يبدأ من تصنيع الورق نفسه. أما هنا في معرض “بين السطح والمعنى” فالاتجاه معكوس. ما يحدث، فإنما يحدث فوق السطح لا كيف صُنع. والورق كما يقول المدير الفني للغاليري أنس قطيط هو المشترك الوحيد المعلن. لكنه ليس وسيطاً يوحّد التجارب، هو المكان الذي تنكشف فيه الفوارق بأقصى وضوح.
المسافة بين الأساليب
الفنانة القطرية سعاد السالم في طباعتها الكتلية تفكّر بمنطق الاحتشاد، حيث أنظمة بصرية متعددة تتنافس على المساحة دون أن ينتصر أي منها. الامتلاء عندها ليس زخرفياً، هو موقف من كثافة العالم. في الطرف المقابل تماماً، نرى عملاً للفنانة القطرية شوق المانع، التي تقلّص الصورة إلى فعل الرسم ذاته، والشكل يُمحى قبل أن يكتمل. ما يبقى على الورق ليس الصورة، إنما أثر محاولة صنعها.
المقتنيات التي يجمعها المقتنون لعدد كبير من الفنانين، لا تأخذ بالاعتبار فوارق العمر والتجربة لأصحابها، لأن الرهان هو على الاصطدام اللطيف بين الخبرة المعتقة، والتدفق الحيوي الجديد، كما يضيف قطيط. نجد عملاً للفنان العراقي الراحل إسماعيل فتاح إلى جوار فنانين مع فارق جيلين من العمر بينهما. يعود العمل إلى عام 1998، وفيه يُدفع الوجه إلى منطقة ترفض أن تكون بورتريه، وكذا أن تكون تجريداً.

فإذا ذهبنا إلى الفنان الفلسطيني عبد الرحمن قطناني، نجده يشتغل على الطفولة بجدية من يعرف أن تحت اللعب أسلاكاً. قطناني معروف في الدوحة خصوصاً في التشكيل المعدني عبر صفائح الزينكو. هذه المرة نحن أمام ورق والليثوغرافيا تمنح أعماله ثقلاً رمادياً يكذّب البراءة الظاهرة للأطفال، وهذا التناقض بين سطح الموضوع وقاعه هو ما يجعل العمل يشتغل نقدياً لا عاطفياً.
ثمّة “سلسلة حروف القصب” للفنان البحريني جمال عبد الرحيم تطرح سؤالاً عما يحدث حين ينفصل الحرف عن وظيفته اللغوية. الأبعاد وحدها في اللوحات الطولانية 20 × 121 سم، تحوّل اللوحة إلى ما يشبه القصبة أو عمود الكتابة، والإطار المحفور بخط عربي بارز يُلمس قبل أن يُقرأ. وأمام عملين للفنان الأردني حسان مناصرة نلاحظ كيف يبني في حفره الطباعي مشهد عنف بدقة تقنية تجعل العنف يبدو اعتيادياً. هذا بالضبط فعله التخريبي القائم على الإتقان الحِرفي.
والقطري ياسر الملا يبني معماراً لا يمكن تحديده جغرافياً، بيد أن تفاصيل صغيرة كالقطط والأشكال البشرية تُدخل حياة غير رسمية إلى نظام شديد الإحكام. واللوحة التي نراها اليوم هي جزء من معرض سابق تشتبك مع كل لوحات المشروع بالتوتر بين الانضباط الهندسي والتفصيل العابر. راكمت الفنانة القطرية روضة آل ثاني الطبقات على سطح واحد، فكانت صفحات بالإنكليزية تسقط عليها بقعة حمراء وطباعة ذهبية لموروث محلي. ثلاثة أنظمة لا تتحاور في سطح واحد، تتعايش بصراع هادئ يجعل كل طبقة تطعن في سلطة الأخرى.
ولم تتجاهل الخامة الورقية بوصفها ثيمة تجارب ستنزل عن الجدار إلى الطاولات حيث “الـ”آرت بوك” كما نراه في نموذج إسلام كامل وهو يوزّع العمل على صفحات كتاب تُقلب، فتصبح المشاهدة فعلاً زمنياً والعين مضطرة لأن تتخلى عن النظرة الشاملة. كذلك التشكيل الصندوقي كما في عمل الفنان السوري نزار صابور “عنترة وعبلة” الذي يهدي صندوقه إلى أبي صبحي التيناوي الرسام الشعبي السوري (1888-1973).
هواجس مشتركة
رغم هذا التباعد الأسلوبي ثمة هواجس تعود في أكثر من موضع دون أن تكون موضوعاً مشتركاً. أولها علاقة الشكل بالمحو، إذ معظم الأعمال لا تقدّم الصورة مكتملة، بل أثراً قابلاً للتحوير. والهاجس الثاني يظهر في التوتر بين رغبتي بناء الشكل وتنظيمه مقابل قوة تعمل على التشويش وإبقاء الصورة غير مكتملة. أما الهاجس الثالث فهو استعادة مادة موجودة سلفاً مثل الوثيقة، والصفحة، والحرف، والصورة، بغية إعادة التشكيل. كل ما يدخل الورقة يخرج منها مختلفاً، أقل يقيناً وأكثر بلاغة.
مساحة للتجريب وحوار بصري بين أجيال واتجاهات مختلفة
وأخيراً يمكن طرح سؤال للتأمل لا البحث عن جواب صحيح قاطع: هل يكفي أن تضع تجارب متباينة إلى جانب بعضها لتقول شيئاً عن طبيعة الإنتاج الفني في هذه المنطقة وهذه اللحظة؟ أو هل يمكن الركون إلى أن المرخية مالك الأعمال الفنية يملك بالضرورة حرية وحق إنتاج المعنى التشكيلي بلا سقف؟
الجواب معلّق، والتجاور يكشف أن لا رؤية تشكيلية عربية واحدة، ولا مدرسة تجمع من يعملون على الورق، ولا خطٌ يصل الأجيال ببعضها. ومع ذلك، لربما ما ينقذ المعرض هو أن الورق نفسه يعمل عمل المرآة. حين تنتقل من طبقات روضة آل ثاني إلى صندوق صابور أو إلى كتاب إسلام كامل، الانتقال ذاته يصير تجربة. ليس لأن الأعمال تكمّل بعضها، لكن لأنها تتعارض بصرياً بطريقة تجعل كل منها أوضح مما لو عُرض وحده.
******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت


