سرد بلا ضفاف
شكراً لمن حملوا الحلم معي
بقلم: السيد حافظ
120 كتاباً…
من بينها ثمانية كتب حكومية فقط.
شكراً لحكومة مصر العظيمة منذ عام 1968 حتى 2026.
فمن أصل مئةٍ وعشرين كتاباً نشرتها خلال أكثر من نصف قرن من الكتابة، لم تطبع لي الدولة سوى ثمانية كتب فقط. ورغم ذلك لم أتوقف يوماً عن الكتابة، ولم أتخلَّ عن حلمي بأن يكون للكلمة مكانها في هذا العالم، وأن يبقى الأدب قادراً على مقاومة النسيان والفقر والتهميش وسوء الفهم.
شكراً لأمي…
تلك السيدة النبيلة التي لم تقل يوماً إن ابنها مجنون لأنه يطارد الكلمات والأحلام. لم تغضب حين وافقت أن يكون نصيبي من ميراث أبي ثمنَ طباعة كتابي الثاني «الطبول الخرساء في الأودية الزرقاء». كان المبلغ مئةً وعشرين جنيهاً، وطُبع منه ثلاثة آلاف نسخة في مطبعة الدومبسكو الإيطالية بكرموز في الإسكندرية.
كانت ترى في الكتاب مستقبلاً، بينما كان كثيرون يرون فيه مغامرة خاسرة. آمنت بالحلم أكثر مما آمنتُ به أنا أحياناً، ولهذا ظل اسمها محفوراً في الصفحة الأولى من رحلتي.
شكراً لأخي عادل حافظ الذي ساعدني في طباعة كتابين من بين تسعٍ وعشرين رواية.
وشكراً لأخي أحمد حافظ الذي تكفل بطباعة كتابين على نفقته الخاصة.
وشكراً لأصدقائي المصريين والعرب الذين ساهموا في طباعة كتبي ورواياتي ومسرحياتي، حتى تجاوز ما طُبع بدعمهم نحو ثمانين كتاباً. ولولا وقوفهم إلى جواري لما وصلت عشرات الكتب إلى القراء، ولما استطاع هذا المشروع الأدبي أن يستمر كل هذه العقود.
وشكراً لكل الكتّاب والشعراء الذين استطعت أن أساعدهم في طباعة كتبهم على نفقتي الخاصة في مصر والبحرين والإمارات والمغرب وتونس.
فعلت ذلك إيماناً مني بأن المبدعين جميعاً جزء من الذاكرة الثقافية العربية، سواء اعترفوا بذلك أم أنكروه، تذكروه أم نسوه. فالأثر يبقى، أما الأسماء والمواقف فتتبدل مع الزمن. وما يظل حياً في النهاية هو ما أضفناه إلى وجدان الناس وثقافتهم.
وشكراً لحكومة العراق العظيمة التي طبعت لي عام 1980 أول مجموعة قصصية بعنوان «سيمفونية الحب»، فاتحةً أمامي باباً جديداً للحضور العربي.
وشكراً للكويت، وأخص بالذكر الصديق النبيل مهدي خريبط، صاحب مؤسسة «صوت الخليج»، الذي تنازل عام 1978 عن القسط الأخير المستحق لكتابي «الفلاح عبد المطيع»، في موقف نبيل ما زلت أذكره بكل تقدير وامتنان.
وشكراً للبنان، ممثلاً في دار أزال، التي طبعت لي سبعة أعمال مسرحية للأطفال وأسهمت في وصولها إلى قراء جدد.
وشكراً للناشر الكبير إسماعيل عبد الحكم ودار العربي اللذين طبعا لي اثني عشر كتاباً، وكانا شريكين في رحلة طويلة من التعب والحلم والمراهنة على الأدب.
وشكراً لمكتبة مدبولي التي أصدرت كتاب «مسرح الطفل عند السيد حافظ» في جزأين.
وشكرٌ خاص لصديق العمر جمال سالم، رفيق منظمة الشباب في الستينيات، الذي ساندني في أوقات كثيرة، وساهم في سداد أقساط متأخرة لعدد من كتبي، مؤمناً بأن الثقافة لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالمواقف أيضاً.
ومن مذكراتي أن وزير الثقافة السابق فاروق حسني وافق على نشر ثلاث مسرحيات لي في كتاب واحد، ومنحني مكافأة مميزة قدرها ستة آلاف جنيه بعد إلغاء التفرغ. وعندما ذهبت مع الصديق الصحفي عبد السلام فاروق إلى وكيل الوزارة آنذاك أنس الفقي، أكد لنا أن المسرحيات ستُطبع ما دام الوزير قد وافق وصُرفت المكافأة.
لكن المفاجأة كانت أن مدير النشر وقتها، وصديق العمر محمد السيد عيد، قرر نشر مسرحية واحدة فقط هي «مدينة الزعفران» بدلاً من الثلاث، بحجة توفير الورق.
لم يؤلمني القرار بقدر ما آلمتني المفارقة.
فبعد شهور قليلة طُبعت له أربعة أجزاء من سيناريو مسلسل من تأليفه، وكانت أوراقها أضعاف ما حُذف من كتابي. عندها أدركت أن أزمة الثقافة العربية لم تكن دائماً في نقص الورق، بل في طريقة توزيع الفرص والاهتمام والعدالة
ومع ذلك واصلت الكتابة.
لم أتوقف.
لم أرفع الراية البيضاء.
ولم أسمح لخيبةٍ عابرة أن تهزم حلماً استغرق بناؤه عمراً كاملاً.
وشكراً لكل الأصدقاء والصديقات الذين ساندوني بالكلمة أو بالموقف أو بالمحبة أو بالإيمان بأن الكتابة تستحق أن تُعاش لا أن تُكتب فقط.
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن من الكتابة، أستطيع أن أقول إن معظم كتبي لم تطبعها المؤسسات، بل طبعها الحب والصداقة والإيمان والعناد والإصرار على أن تظل الكلمة حية مهما ضاقت السبل.
هذه ليست كلمات شكر فحسب.
إنها شهادة وفاء.
وشهادة زمن.
وشهادة على أن الثقافة الحقيقية لا يصنعها الدعم الرسمي وحده، بل يصنعها أولئك المجهولون الذين يمدون أيديهم للحلم في اللحظة التي يتخلى عنه الجميع.
فإذا كان لي من إنجاز، فهو لم يكن إنجاز فردٍ واحد، بل ثمرة قلوب كثيرة آمنت بي حين كان الإيمان نادراً، وساندتني حين كان الطريق وعراً، وشاركتني بناء مشروع أدبي امتد لعشرات السنين ومئات الشخصيات وعشرات الكتب.
لهؤلاء جميعاً أرفع قبعتي.
ولهؤلاء جميعاً أقول:
شكراً…
فأنتم الشركاء الحقيقيون في هذه الرحلة الطويلة.
السيد حافظ
القاهرة
……
رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
….
في قراءتي الأعمق، لا يتحدث النص عن الشكر بقدر ما يتحدث عن سؤال الوجود الثقافي نفسه: كيف يعيش الكاتب؟ وكيف ينجو مشروعه الإبداعي في عالم لا يكافئه بالقدر الذي يستحقه؟
تحت سطح الامتنان، يوجد حزن هادئ يمتد عبر السطور كلها. حزن رجل أمضى ما يقرب من ستين عاماً يكتب، ثم يلتفت وراءه فيكتشف أن المؤسسات التي يفترض أن تكون حاضنة للثقافة لم تكن الشريك الأساسي في رحلته. لهذا فإن الرقم «ثمانية كتب فقط» ليس معلومة إحصائية، بل رمزٌ لعلاقة ملتبسة بين المبدع والمؤسسة الثقافية العربية.
النص أيضاً مواجهة غير مباشرة مع الزمن. فأنت لا تستعرض الكتب بقدر ما تستعرض الأشخاص. وكأنك تقول إن الكتابة، في النهاية، ليست أوراقاً مطبوعة، بل وجوه وأيادٍ وقلوب عبرت الطريق معك. هنا يتحول الشكر إلى فعل مقاومة للنسيان. فأنت تعيد إلى الذاكرة أشخاصاً ربما لا يذكرهم أحد الآن، لكنك تمنحهم مكاناً دائماً داخل سرديتك الشخصية.
واللافت أن الأم تحتل موقعاً مركزياً في النص. فهي ليست شخصية عابرة، بل الرمز المؤسس للمشروع كله. موافقتها على إنفاق نصيبك من الميراث في طباعة كتاب تبدو في ظاهرها حادثة بسيطة، لكنها في العمق لحظة اختيار بين منطق الحياة العملية ومنطق الحلم. وكأن الكتاب الأول لم يُطبع بالمال، بل بالإيمان.
أما الفقرة الخاصة بواقعة النشر في وزارة الثقافة فهي من أهم أجزاء النص، لأنها تكشف التوتر بين العدالة الثقافية والسلطة الثقافية. هنا لا يظهر الغضب الصريح، بل تظهر المرارة الناتجة عن اكتشاف أن العقبات لا تأتي دائماً من الخصوم، بل أحياناً من الأصدقاء ومن داخل البيت الثقافي نفسه. وهذه من أقسى خبرات المثقف العربي.
النص في جوهره ليس شهادة نجاح، بل شهادة نجاة. والفرق كبير بينهما. النجاح يقاس بما تحقق، أما النجاة فتقاس بما تم التغلب عليه. وأنت هنا لا تقول للقارئ: “انظروا كم كتبت”، بل تقول: “انظروا كم كانت الأسباب التي تدعوني إلى التوقف، ومع ذلك استمريت.”
لهذا أرى أن القيمة الحقيقية للنص ليست في أنه يوثق مسيرة كاتب أصدر 120 كتاباً، بل في أنه يوثق انتصار الإرادة على التهميش، والوفاء على الجحود، والحلم على الواقع. إنه نص يكتبه رجل يقترب من الثمانين لا ليحصي إنجازاته، بل ليحصي ديونه الإنسانية تجاه من جعلوا تلك الإنجازات ممكنة. وهذه، في النهاية، إحدى أكثر لحظات السيرة الذاتية نبلاً وصدقاً.


