بعد مرور ٧٠ عاما شباب امرأة مايزل علامة مميزة في السينما المصرية.

💥 بمناسبة 70 عاماً على عرضه ..«شباب إمرأة» علامة فارقة في الأدب والسينما المصريةالقاهرة ـ «سينماتوغراف»تمر اليوم الجمعة، 70 عاماً على فيلم «شباب إمرأة»، الذى عرض في مثل هذا اليوم 9 يناير 1956، وشارك في المسابقة الرسمية للدورة التاسعة لمهرجان كان السينمائي الدولي، وهو إنجاز كبير للسينما المصرية في ذلك الوقت.يعد فيلم «شباب إمرأة»، من الأعمال النادرة التي تحولت في تاريخ السينما المصرية والعالمية إلى رواية أدبية بعد عرض الفيلم، على عكس ما هو سائد من تحويل الروايات الأدبية للسينما، فالقصة السينمائية، والسيناريو، والرواية الأدبية، للكاتب الروائي أمين يوسف غراب الذي عهد إليه صلاح أبو سيف بكتابة الصياغة الدرامية لقصة واقعية، واشتركا معاً في كتابة السيناريو وتولى السيد بدير كتابة الحوار.فيلم «شباب إمرأة»، الذي أوصل بلغة السينما إلى المشاهد تعبيراً راقياً واعيًا من خلال مفردات هذه اللغة من تصوير ومونتاج وديكور وصوت، وغيرها، يقدم عملاً شديد الحسية تلعب فيه الغرائز دوراً رئيسياً في توجيه سلوك وتصرفات أبطاله، فبطله إمام بلتاجي الذي جسده شكري سرحان، شاب ريفي، وافر الصحة والعافية، شديد البراءة، يصل إلى القاهرة لأول مرة لاستكمال دراسته في مدرسة دار العلوم، فتعترض طريقه امرأة تجاوزت مرحلة الشباب إلى مرحلة النضج، تحركها غرائزها وأحاسيسها، لها شخصية قوية مقتحمة ولها ملمس الحية الرقطاء في نعومتها وشراسة النمرة في ثورتها، تدعمها قوة اقتصادية فهي صاحبة معصرة زيوت، وعقار تقيم فيه، وتؤجر بعض غرفه، ومن بينها غرفة خلت مؤخراً وكانت من نصيب هذا الفتى، القادم من قرية الحامول في مركز البتانون غربية في عمق دلتا النيل.عالمان مختلفان وقطبان متنافران، يضعهما السيناريو في مواجهة حادة وعنيفة، المال والخبرة، الأنوثة الناضجة، والشباب المحمل بالفقر والبراءة، وانعدام التجربة، وتشتعل نيران حارقة مدمرة عند احتكاك العالمين.. نيران تلتهم في طريقها حياة شفاعات(تحية كاريوكا) وتكاد تودي بحياة ومستقبل الشاب إمام.عانت الدقائق الأولى من الفيلم، والتي دارت أحداثها في منزل إمام بالقرية، من بعض الاستطرادات والثرثرة، وحفلت بتفاصيل زائدة عما سيحمله إمام معه إلى المدينة، وعشرات النصائح المستهلكة التي يتفضل بها العارفون أو غير العارفين، وأهمها الابتعاد عن نساء القاهرة، ولصوصها، والاحتماء بذكر الله فهي بلد تلهي العابد.ما إن يصل إمام إلى القاهرة، حتى يتدفق إيقاع الفيلم قوياً مليئا بالحيوية، فالشاب الوافد يبدو ضئيلاً منبهراً أمام هذه المباني الضخمة النظيفة، وتتجول الكاميرا في القاهرة الحديثة والقديمة، حتى تصل عربة الحنطور إلى أحد الأحياء الشعبية، حيث ينجح صاحبها في توفير حجرة للشاب إمام في منزل المعلمة شفاعات صاحبة المعصرة، أو السرجة التي برزت فيها أستاذية فنيي الديكور ولي الدين سامح من حيث تصميم المنزل والمعصرة، وتوظيف كل عناصر المكان بما يتلاءم مع البيئة ويتواءم مع السياق الدرامي، فجعل المكان على مستويين، الأول الساحة التي توجد بها المعصرة ويدور فيها بغل هزيل كالثور في الساقية، يحرك حجراً ضخماً، ليعصر الحبوب، وتلعب المعصرة بعناصرها دوراً مهماً في الدراما، وتكون جزءا من الحدث وليست مجرد خلفية لتلك الأحداث، وفي نهاية الساحة السلم الذي يفضي إلى دور علوي، به حجرتان، متصلتان بباب داخلي، وأمامهما ردهة بها عدد من صنابير المياه، وسور خشبي متآكل، يحد الردهة، ويطل على المعصرة.عبر معركة قصيرة وسريعة، يقدم لنا الفيلم بطلته المعلمة شفاعات، المرأة القوية، صاحبة الأنوثة الطاغية، فنسمع صوتها المدوي، يسب أحد الباعة، ثم نراها تلطمه على وجهه لنتأكد من شراستها، ويلمح كذلك إلى طبيعة العلاقة بينها وبين حسبو الذي جسد دوره الفنان عبد الوارث عسر كاتب المعصرة الذي توبخه لتجاسره على تأجير الحجرة دون استئذانها وتأمره بطرد الساكن الجديد، لكنها سرعان ما تتراجع بعد أن شاهدته يرفع حجر المعصرة الضخم وحده، فراحت تلاحقه بنظرات الإعجاب، وترسم على وجهها علامات الرضا والبهجة.ينسج السيناريو بمهارة ومن خلال عشرات التفاصيل، تطور العلاقة بين شفاعات وإمام، ويبرع أبو سيف في تصويرها من خلال حس كوميدي راقٍ، وحوار شديد الجاذبية كتبه السيد بدير وهو واحد من أهم وأفضل كتاب السيناريو في تاريخ السينما المصرية برشاقة، واستخدم فيه عنصر التورية، والكلمات التي تحمل أكثر من معنى، حين يعجز إمام عن دفع لعبة المدفع الشهيرة في المولد، نظراً لإحساسه بالإجهاد بعد توطد علاقته بالمعلمة شفاعات، فيقول في سذاجة: أول مرة دراعي تخوني فيرد عليه حسبو في تخابث: أصلك متكي على روحك في المذاكرة يطأطئ إمام رأسه متعللا بأن المذاكرة كلها سهر وتعب، تلمع عينا حسبو في دهاء: عارفها.. ياما ذاكرت أنا راخر قبل منك، في إشارة إلى علاقته السابقة بالمعلمة شفاعات التي حولته من موظف محترم إلى مختلس، قضى عقوبة السجن ثم عاد إلى السرجة، يعيش في كنف صاحبتها، نادماً متمنياً ولو نظرة واحدة لأولاده وأسرته.يتألق الفنان الكبير الراحل عبد الوارث عسر في دور حسبو، العاشق الخائب، مدمن الخمر، العاجز عن التوبة، وهو من الأدوار القليلة المغايرة لما اعتاده الجمهور من الفنان عبد الوارث عسر، والتي غلبت على معظمها مشاعر الحب والرحمة والتعاطف والإنسانية، هذه وجرأة من صلاح أبو سيف أن يعهد بدور حسبو إلى ممثل ذي صورة خاصة عند جمهوره، لكن براعة ومهارة عبد الوارث عسر، وإدارة أبو سيف الواعية جعلت من دور حسبو، واحدا من الأدوار التي لا تنسى في تاريخ السينما.يحاول إمام الابتعاد عن شفاعات تحت تأثير نصائح حسبو وحبه للفتاة سلوى شادية ابنة قريبه الأستاذ شرنوبي سراج منير ورغبته في تجاوز أزمته، والخروج من دائرة شفاعات الجهنمية التي كادت أن تودي بمستقبله، يطير لب المرأة، وتتحول رغبتها المستعرة إلى مشاعر حقد وانتقام حين ترى صورة سلوى في جيب إمام، وتتألق تحية كاريوكا وعبد الوارث عسر إلى أقصى درجات التألق في مشهد، ينتهي بأن تستعيد شفاعات إمام الذي يعود إليها ذليلاً منكسراً خائفاً من مصير مرتقب بعد أن نصبت له شركا صغيرا، ودست قطعة من مجوهراتها في حقيبته، ثم أبلغت الشرطة عن سرقتها، ومن ثم لم يجد أمامه سوى أحد أمرين، إما ضياع مستقبله أو الزواج منها!يدبر السيناريو صدفة، حاول أن تكون موضوعية، بأن يدفع إلى المعصرة كل الأطراف مرة واحدة في نهاية الفيلم، الأستاذ شرنوبي (سراج منير) وابنته سلوى (شادية) وأم إمام (فردوس محمد) والحاج خضر، ليشهد الجميع مأساة إمام، تصدم الأم في وحيدها، ترجوه حزينة، باكية أن يطلق شفاعات وتطلب منها أن تتركه، يحاول إمام شرح الموقف لسلوى، لكن الأب يبعده عنها ويرحل الجميع، بعد أن صبوا لعناتهم عليه، وتركوه وحيدا، معزولاً محاطاً بجسد الحية الرقطاء، ورأى نفسه مقتلعاً من جذوره فيحاول الهرب، تتشبث به شفاعات، يدفعها فتسقط على الأرض ليلحق بأمه وحبيبته وتندفع النمرة مستجمعة قواها، لكن حسبو، الذي كان يعب الخمر طوال المشهد، يتلقفها، ويمنعها من اللحاق بهم، تحاول التخلص منه، يشتبكان في صراع عنيف، يحاصرها على السور الخشبي المتآكل الذي يسقط تحت ضغط جسديهما، لتهوي المرأة تحت أقدام البغل، في طريق حجر السرجة الضخم، وتدوي صرخاتها الهلعة مختلطة بصرخات حسبو الهستيرية ويده تهوي بالسوط على ظهر البغل، يستحثه على الدوران ليسحق الحجر جسد شفاعات الذي عاش يعشقه. ثم يخرج لاهثا وهو يهذي قتلتها.. وريحت الناس من شرها ثم ينكب باكياً عليها، راجيا أمه وعمه وسلوى ووالدها أن ينقذوا هذا الشاب الذي لا حول له ولا قوة.يصل صلاح أبو سيف بمشهد النهاية إلى أقصى درجات التوتر، باستخدام عنصري المونتاج والموسيقى حيث قام ببناء المشهد على مجموعة من اللقطات القصيرة، والانتقالات السريعة، بين حسبو، ووجه شفاعات والسور الخشبي والبغل والحجر الضخم، ورد فعل عمال السرجة ووجوههم المرتعبة، ويستخدم اللقطات المكبرة لعشرات المفردات داخل إطار الصورة، فتأتي سريعة متوثبة وما تلبث أن تهدأ تماما مع توقف انتفاضات قدمي شفاعات كناية عن انسحاقها تحت ثقل الحجر الضخم وعن نهايتها المحتومة.اختار الفيلم هذه النهاية الأخلاقية حيث تتحقق العدالة بانتصار الخير وهزيمة الشر، كي يخرج المشاهد سعيداً راضياً، بما تحقق له من انتصار على الشاشة حتى ولو لم يكن من الممكن أن يتحقق ذلك في الواقع.وبقدر ما كان السيناريو موفقاً في تصوير العلاقة بين شفاعات وإمام وحسبو، كان عدم توفيقه حين أقحم قصة فرعية حول العلاقة بين إمام وسلوى، واستفاض في الحديث عن هذه العلاقة الثانوية، وتدليل أسرة الشرنوبي غير المبرر، لابنها إمام، مما أصاب البناء الدرامي ببعض الخلل المماثل لما أصاب البناء السينمائي من حركة الكاميرا الثابتة في معظم مشاهد شقة سلوى، وتعلقها غير المبرر ب إمام، بل والإيحاء بارتباطها به في نهاية الفيلم، وهو حل غير منطقي لا يتناسب وحجم الفوارق الطبقية بين الأسرتين، وإن جاء متسقا مع النهاية الأخلاقية التي فرضتها شروط السينما السائدة في تلك الفترة.من ناحية أخرى بدا أبو سيف، مغالياً ومسرفاً في استخدام التشبيهات، فقد حرص منذ الدقائق الأولى، وطوال أحداث الفيلم، أن يعقد مقابلة بين إمام وبغل السرجة، حتى قبل أن تبدأ علاقة إمام بشفاعات، ووصلت هذه المقابلة إلى حد المطابقة في العديد من المشاهد، كما في مشهد مرض إمام ثم استرداده لصحته، ومرض البغل في نفس الوقت، ثم شفاؤه، كذلك مشهد تبخير البغل، ثم تبخير إمام بعد ذلك مباشرة، والقطع المتبادل بين إمام والبغل، وحين وضعت شفاعات يديها على عيني إمام، يقطع أبو سيف على البغل وقد تغمت عيناه، بالإضافة إلى التلميحات التي احتشد بها الحوار، عندما يمرض إمام، يسقط البغل مريضا، كذلك الإعلان الضخم لإحدى زجاجات المياه الغازية الذي يصف الزجاجة بأنها كبيرة ولذيذة والذي يظهر في خلفية اللقطة حين كان المأذون يعقد قران إمام وشفاعات، والقصد واضح تماما!! وهناك أيضا الخروف الذي تعمد أبو سيف أن يدخل إلى الكادر تقوده امرأة، بينما نرى إمام يسير وراء شفاعات ضعيفاً، مقتاداً كالخروف!كذلك جاءت موسيقا فؤاد الظاهري جزءاً من البناء العضوي للمشهد سواء بتعميق المشاعر والأحاسيس أو الإيحاء بها، وكان موفقا في كتابة التنويعات الموسيقية المختلفة للحن الشعبي آه يا زين والتي استخدمها أبو سيف بحذق للتعبير عن المشاعر في الأوساط الشعبية بحيث بدا وكأن ارتباطا شرطيا بين تلك الموسيقا وهذه اللحظات.أحسن صلاح أبو سيف اختيار ممثليه، حيث قدم شكري سرحان أحد أهم أدواره في تاريخ السينما وجسد شخصية الشاب الريفي الساذج الذي تصطرع داخله القيم التي تربى عليها وغرائز الجسد وتمرده، كما لعبت الفنانة تحية كاريوكا ببراعة واحداً من الأدوار الصعبة المعقدة، والمركبة وتنقلت بيسر وسهولة بين مشاعر المرأة القوية المتسلطة، والعنيفة، والأنثى الرقيقة، تدافع في شراسة عن أنوثتها وأحاسيسها، وتعيش بغرائزها ولها، فقدمت درسا بليغا في الأداء مع عبد الوارث عسر وشكري سرحان وفردوس محمد.وقدم أبو سيف أحد أهم الأعمال في تاريخه السينمائي، واستحق معه بجدارة أن يشارك باسم مصر في عروض مهرجان كان السينمائي الدولي في فرنسا عام 1956، وأن يفوز بجائزة الإخراج الأولى من الدولة عام 1958.https://cinematographweb.com/#فيلم، #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت .

أخر المقالات

منكم وإليكم