جوائز “نيرو” الأدبية: رحلة عبر الأنواعسناء عبد العزيز
بعد توقف جوائز “كوستا” عام 2022، ظهر فراغ ملحوظ في المشهد الأدبي البريطاني، سرعان ما سدّه إطلاق جوائز “نيرو” (Nero Book Awards) في العام التالي، بقيادة الفريق ذاته الذي أدار “كوستا” سابقًا. وتكمن أهمية هذه الجوائز في سعيها الدؤوب نحو “دمقرطة الأدب”، عبر معيار يركّز على المتعة والقدرة على الوصول إلى القارئ العادي بعيدًا عن النخبوية؛ وهو ما وصفته الكاتبة برناردين إيفاريستو بـ”تدخل حيوي وضروري” لاستعادة قيمة القراءة في زمن التشتت. بالنسبة لها، ليست “نيرو” مجرد منصة لتكريم الأعمال المميزة، بل دعوة للعودة إلى الأدب كتجربة تتطلب الانغماس في حيوات الآخرين. انعكس ذلك في تصريحات لجان التحكيم: «الكتب التي نود حقًا وضعها في أيدي أصدقائنا وعائلاتنا».في دورة هذا العام، امتدت الأعمال الفائزة من الستينيات المليئة بالحركة على شواطئ “موركامب”، إلى الثمانينيات المضطربة في القرى الإنكليزية، وصولًا إلى تأملات العصر الحديث وما وراءه بين بريطانيا والهند، لتكوّن معًا بانوراما للتجربة الإنسانية، يلتقي فيها الماضي بالحاضر، وصراع الفرد بهموم الجماعة.أساطير من قلب الواقعفي فئة الرواية، فازت «كاشط البحر» (Seascraper) للبريطاني بنجامين وود (سبق أن ترشحت لقائمة جوائز البوكر الطويلة). يتتبع النص حياة شاب يعمل في «كشط البحر»، بحيث يخرج يوميًا بعربته فوق الرمل المبتلّ لجمع الروبيان. يعيش توماس مع والدته المتسلطة في حياة تبدو محدودة الأفق، متغلبًا على هذا الروتين الصعب بالعزف والغناء. يتبدّل هذا النسق مع وصول إدغار أشيسون، مخرج أميركي يزور المنطقة بحثًا عن مواقع تصوير، ويعرض على توماس المشاركة في فيلم سينمائي. وخلال هذه الفترة، تعود ذكرى أبيه الغائب لتساعده على إيجاد صوته الخاص.تقدّم الرواية هذه التحولات بلغة تعتمد على التفاصيل اليومية، وتولي اهتمامًا خاصًا لحركات الجسد والعمل اليدوي والإيقاع البطيء للحياة الساحلية. وصفت لجنة التحكيم «كاشط البحر» بأنها «تجربة قراءة غامرة، مشبعة بالأجواء، تستكشف معنى أن تُعاش الحياة على نحو جيّد»، مشيدة بقدرة الكاتب على رصد تفاصيل بسيطة كربط لجام حصان أو دوزنة غيتار. وكتب جود كوك في “الغارديان” البريطانية أن الرواية مشبعة بالأجواء إلى حدّ يجعل القارئ «يكاد يتذوق ملوحة البحر ويستنشق ضبابه»، بينما رأى جون سيلف في “فاينانشال تايمز” أنها أقرب إلى «صياغة أسطورة جديدة» عن إمكانية عيش حياة بديلة.كشف الأسرارتُعد الرواية الأولى في حياة الكاتب بمثابة “الانفجار الأول” لكل الأصداء المحبوسة داخله قبل أن يفطن إلى موهبته. انطلاقًا من الإيمان بطاقة البدايات، لا تكتفي جوائز “نيرو” بتكريم الكتاب الكبار، بل تفتح ذراعيها للأصوات البكر عبر فئة “الرواية الأولى”.ذهبت الجائزة هذا العام إلى البريطانية كلير لينش عن روايتها الأولى «مسألة عائلية» (A Family Matter)، التي تبوح بسر مؤجَّل أدى إلى تفكيك عائلة على مدى أربعين عامًا، واضعة القارئ أمام سرد بطيء، شديد الاقتصاد، لكنه بالغ القسوة.تبني لينش عالمها في مسارين زمنيين متوازيين: في عام 1982، نرافق داون، الزوجة والأم الشابة التي تتقوض حياتها المستقرة في الريف حين تنغمس في علاقة عاطفية مع امرأة تدعى هيزل، فتعاقب بالطلاق والحرمان من ابنتها، بل وفقدان أي وضع قانوني كأم.”تضع الجائزة رواية للكبار، ومذكّرات شخصية، ورواية أولى، وكتابًا للأطفال على طاولة تحكيم واحدة، بما يفجر سؤالًا عن إمكان المفاضلة بين تجارب مختلفة وفق معيار موحّد”أما في عام 2022، نرافق «هيرون»؛ زوجها السابق، بعد أن أثقله الزمن وداهمه المرض، ليجد نفسه عاجزًا عن مصارحة ابنته بوضعه الصحي، كما ظلّ عاجزًا، على مدى عقود، عن كشف حقيقة اختفاء والدتها. يلتقي الخطّان السرديان حين تعثر الابنة، أثناء ترتيب منزل طفولتها، على رسائل ووثائق قديمة تعيد ترتيب الوقائع وتضع الماضي في ضوئه الصحيح.في المسافة بين اتهام الأم بـ«الأنانية» ومنطق الإدانة الاجتماعية، برعت الكاتبة في تقصّي شكلٍ من «العدالة المتأخرة» التي لا تستعيد الماضي بقدر ما تمنح الشخصيات فرصة لفهم دوافع بعضها البعض خارج الأحكام الجاهزة. أشادت لجنة التحكيم بقدرة لينش على تتبّع الأثر البعيد للأعراف في تفكيك العائلات، واصفين إياها بأنها «رواية مكتوبة بعناية وقوة عن الظلم».الناس العاديونفيما تُوِّجت مذكّرات «موت رجل عادي» (Death of an Ordinary Man) للكاتبة سارة بيري بجائزة نيرو للكتاب عن فئة الكتب غير الروائية. وهو عمل يستكشف معاني جديدة لأهمية الإنسان. تنطلق بيري من وفاة والد زوجها، الرجل الذي عاش حياة بسيطة بعيدة عن الأضواء والإنجازات العامة، ومن خلال استعادة تفاصيل صغيرة، تتحوّل هذه الحياة العادية إلى مادة غنية، تؤكد أن لكل إنسان عالمه الفريد، مهما بدا متواضعًا. وقد رأت لجنة التحكيم في الكتاب «عملًا يتسم بصدق لافت وجمال لغوي واضح»، مشيدة بقدرة بيري على تحويل تجربة شديدة الخصوصية إلى نص إنساني واسع الأثر، واصفة إياه بأنه «صادق وكاشف وسخي»، مذكّرات «مصوغة بدقة ورقّة»، لتخلص إلى أنه «كتاب لكل القرّاء». وفي مراجعتها لصحيفة “ذا غارديان”، كتبت جو موران أن ما يمنح الكتاب قيمته «قدرته على نقل حقيقة الموت كحدث ضخم ومهيب، يتعايش في الوقت نفسه مع تفاصيل العالم اليومي العادي، من جمع القمامة إلى غسيل الجيران المعلّق على الحبال».كما ذهبت جائزة أدب الطفل هذا العام إلى رواية «روحي، شجرة متلألئة» (My Soul, A Shining Tree) للكاتبة المخضرمة جاميلا غافين، المستوحاة من القصة الحقيقية لرامي المدفع الرشاش الهندي في الحرب العالمية الأولى خُداداد خان، والمروية من خلال أربع وجهات نظر، بينها صوت شجرة جوز تشكل محورًا رمزيًا يربط الأجيال والأماكن. تتنقل الرواية بين إنكلترا والهند، وعبر أجيال متباعدة، لتكشف عن روابط وثيقة بين ثقافتين من خلال حكايات عائلية متشابكة، حيث تظل الشجرة رمزًا للجذور التي تصمد أمام الفقد والاقتلاع، مرافقةً الأبطال في سعيهم لتشكيل هوياتهم وفهم ماضيهم. وتمزج غافين بين سرد تاريخي محكم ولمسات فانتازية مستلهمة من الفولكلور والروحانيات، مقدمة تجربة ثرية للقراء اليافعين بدون تبسيط أبعاد التجربة، ما جعلها «تحفة فنية في أدب اليافعين»، على حد وصف لجنة التحكيم التي أشادت بقدرة الكاتبة على تناول موضوعات ثقيلة مثل الاستعمار والهجرة بلغة شفافة وجميلة، مؤكدة أن العمل «يخاطب الروح قبل العقل».وما زال السباق مستمرًاهذه الأعمال المختارة ثمرة عمل لجان تحكيم تولّت تقييم الفئات الأربع للجائزة، وضمت في عضويتها أسماء من حقول إبداعية متباينة، من بينهم سينياد غليسون، وباترسون جوزيف، وشارنا جاكسون، بما يعكس التوجّه نحو نصوص تجمع بين الحسّ الأدبي والقدرة على العبور إلى جمهور واسع، من دون الارتهان لمنطق نقدي مغلق.وتحظى الجائزة بدعم مباشر من «جمعية بائعي الكتب» (Booksellers Association)، ما يمنحها حضورًا عمليًا في سوق النشر، ويجعلها أداة فاعلة في دعم المكتبات المستقلة. ففوز أي كتاب بإحدى جوائز “نيرو” يعني حصوله على «الملصق الذهبي» الذي يضمن وضعه في واجهات العرض الأمامية لآلاف المكتبات. إلى جانب هذا الرواج، ينال كل فائز في الفئات الأربع مكافأة مالية قدرها 5,000 جنيه إسترليني، تؤهله للانتقال إلى المرحلة النهائية والتنافس على «جائزة نيرو الذهبية» البالغة 30,000 جنيه إسترليني، على أن يُعلَن الفائز العام في حفل يقام في آذار/ مارس. هنا تحديدًا يبرز فارق أساسي بين «نيرو» وغيرها من الجوائز الأكثر تخصصًا، إذ تضع الجائزة رواية للكبار، ومذكّرات شخصية، ورواية أولى، وكتابًا للأطفال على طاولة تحكيم واحدة، بما يفجر سؤالًا عن إمكان المفاضلة بين تجارب مختلفة وفق معيار موحّد.تواجه «نيرو» هذا التحدي بوضع «الأثر القرائي» في الصدارة، معوِّلةً في مرحلتها النهائية على لجنة تحكيم متعدّدة الخلفيات، برئاسة الروائي نيك هورنبي، وعضوية المذيعة ريتا تشاكرابارتي والكاتبة والسيناريست ديزي غودوين، في محاولة لبلورة مفاضلة جريئة وعابرة للأنواع. ـ الشرق الاوسط ـ مجلة ايليت فوتو ارت.


