برحيل روبرت دوفال عن عمر 95 عام، وتطوي السينما الأميركية صفحة أحد أكثر ممثليها عمقاً وهدوءاً وتأثيراً.

وداعاً روبرت دوفال… غياب عملاق الأداء الصامت عن عمر 95 عاماًبرحيل روبرت دوفال عن عمر ناهز الخامسة والتسعين، تطوي السينما الأميركية صفحة أحد أكثر ممثليها عمقاً وهدوءاً وتأثيراً. لم يكن دوفال نجماً صاخباً، ولا وجهاً دعائياً لامعاً بقدر ما كان حضوراً قوياً، يشبه صخور الجنوب الأميركي الذي كثيراً ما جسّد شخصياته في افلامه. ممثلٌ يتقن الصمت بقدر إتقانه الغضب، ويجعل من الهمسة أداءً، ومن النظرة مشهداً كاملاً.وُلد روبرت سيلدون دوفال عام 1931 في سان دييغو، ونشأ في بيئة عسكرية بحكم عمل والده أميرالاً في البحرية الأميركية. بعد خدمته العسكرية في الحرب الكورية، اتجه إلى دراسة التمثيل في نيويورك على يد سانفورد مايسنر، أحد أبرز أساتذة الأداء الواقعي. هناك تشكّلت نواته الفنية، إلى جانب زملاء أصبحوا لاحقاً رموزاً في “هوليوود الجديدة” مثل داستن هوفمان وجين هاكمان وجيمس كان. لم يكن طريقه مفروشاً بالنجومية المبكرة، بل بدأ من المسرح، ومن أدوار صغيرة في التلفزيون، قبل أن تطلّ ملامحه للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة في فيلم “أن تقتل طائراً بريئاً” عام 1962، في دور صغير لكنه راسخ في الذاكرة.في سبعينيات القرن الماضي، حين كانت هوليوود تعيد تشكيل نفسها، كان دوفال أحد وجوه هذا التحول. في فيلم “ماش” (1970) وهو فيلم مناهض للحرب قدّم فيه شخصية الرائد فرانك بيرنز بسخرية لاذعة ، كما لعب دور البطولة في فيلم (تي إتش إكس 1138) (1971)، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج جورج لوكاس، وهو فيلم خيال علمي وإثارة تدور أحداثه في عالم بائس، صدر قبل ست سنوات من فيلم “حرب النجوم” الأصلي. لكن الانعطافة الكبرى جاءت مع “العراب” (The Godfather) عام 1972، حين جسّد شخصية توم هاغن، المحامي الهادئ لعائلة كورليوني. لم يكن أكثر الشخصيات صخباً، لكنه كان الأكثر تماسكاً وحساباً. أعاد دوفال تعريف مفهوم “القوة الصامتة”، ونال أول ترشيح له للأوسكار عن هذا الدور، قبل أن يعود في الجزء الثاني عام 1974، موسعاً أبعاد الشخصية.ثم جاء “القيامة الآن” (Apocalypse Now) عام 1979 ليمنحه أحد أكثر مشاهده شهرة في تاريخ السينما، بشخصية المقدم كيلغور، وهو يقف تحت سماء فيتنام مردداً عبارته الشهيرة: “أحب رائحة النابالم في الصباح”. عبارة صار صداها يتردد في ذاكرة الجمهور لعقود.غير أن أوسكاره الوحيد جاء عن فيلم “رحمة رقيقة” (Tender Mercies) عام 1983، حين لعب دور مغني ريف مدمن على الكحول يسعى للخلاص. في هذا الفيلم ظهر دوفال بأقصى درجات البساطة والصدق، وغنّى بنفسه، مقدماً أداءً داخلياً خالياً من الزخرفة، لكنه مشبع بالإنسانية. كان ذلك الدور ذروة نضجه الفني، وأثبت أن النجومية الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ.على امتداد ستة عقود، تنقل دوفال بين أدوار رجال السلطة، والآباء الصارمين، ورجال القانون، والواعظين، والمقاتلين، وحتى الرياضيين. في “سانتيني العظيم” (1979) جسّد أباً عسكرياً قاسياً، وفي “لونسم دوف” (1989) قدّم أحد أجمل أدواره التلفزيونية كحارس تكساسي سابق، وفي “دعوى مدنية” (A Civil Action) عام 1998 نال ترشيحاً جديداً للأوسكار بدور محامٍ بارع.لم يكتفِ بالتمثيل، بل أخرج أربعة أفلام، أبرزها “الرسول” (The Apostle) عام 1997، وهو مشروع شخصي كتبه وأنتجه وموّله بنفسه، مجسداً فيه واعظاً مضطرباً يسعى إلى الخلاص في مستنقعات لويزيانا. كان في هذا الفيلم أقرب إلى نفسه: رجل يؤمن بأن الفن يجب أن يكون صادقاً، حتى لو كان مكلفاً.رُشّح دوفال لسبع جوائز أوسكار وسبع جوائز غولدن غلوب، وفاز بعدد كبير من الجوائز التكريمية، لكنه ظل بعيداً عن صخب هوليوود. في سنواته الأخيرة واصل العمل بهدوء، مجسداً شخصيات الحكماء والمرشدين ورجال الشرطة المخضرمين، محافظاً على حضوره الذي لا يحتاج إلى استعراض.برحيله، لا تفقد السينما مجرد ممثل، بل تفقد مدرسة كاملة في الأداء التعبيري العميق، الخالي من التكلف. كان دوفال “النجم الأول والثاني” كما وُصف مرة، لأنه كان قادراً على أن يكون في المقدمة أو في الظل، من دون أن يفقد بريقه.روبرت دوفال لم يكن يبحث عن البطولة بقدر ما كان يبحث عن الحقيقة داخل الشخصية. ولهذا سيبقى، حتى بعد الغياب، وجهاً لا يُمحى من ذاكرة الشاشة.

سينما العالم # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم