بذرة نور تنتظر موعد انبثاقها.د. غسان القيم العاشق الازلي لاوغاريت.

هذه ترتيلة فجرية أخرى خرجت من طين مدينة اوغاريت القديمة تحمل يقيناً بأن في أعماق كل ظلمة بذرة نور تنتظر موعد انبثاقها.
حين انبثق الفجر من وراء جبل صفن وراحت خيوط الشمس الأولى تلامس حجارة المعابد العتيقة في أوغاريت وقف الكاهن العجوز أمام موقد البخور وألقى حفنة من اللبان على الجمر المتوهج فارتفعت سحابة عطرة نحو السماء كأنها دعاء الأرض إلى الآلهة.
ثم قال لتلاميذه:
“لا تحدثوني عن الشر كما لو أنه غريب عن الإنسان ولا تنظروا إليه كوحش خرج من ظلمات البحار البعيدة. فالشر ليس سوى خيرٍ ضلّ طريقه إلى النبع وجاع حتى أكل من أشواك الحقول وعطش حتى شرب من المياه الآسنة.”
وفي تلك الساعة كانت السنابل الذهبية تنتظر المطر وكانت الجداول اليابسة تشقّ ترابها بحثاً عن قطرة ماء. فهل يُلام الحقل إذا اصفرّ حين يُحرم من الغيث؟ وهل تُدان الشجرة إذا انحنت أغصانها بعدما طال عليها الجفاف؟
هكذا الإنسان أيضاً..
فما نسميه شراً قد يكون قلباً أضاع طريق المحبة أو روحاً أرهقها الحرمان حتى نسيت لغة النور التي وُلدت بها. إن النار التي تحرق البيت هي ذاتها النار التي تدفئه والريح التي تقتلع الشجر هي نفسها التي تحمل بذور الحياة إلى الأراضي البعيدة.
وقد نقش حكماء أوغاريت على ألواح الطين الدافئة معنى خفياً يشبه هذه الحكمة: أن الظلمة ليست عدواً للنور بل هي مكان انتظاره. وأن الجوع الطويل قد يحوّل الترتيلة إلى صرخة والعطش الشديد قد يجعل النبع حلماً بعيداً.
لذلك لا تكرهوا الإنسان حين يتعثر في دروب نفسه، بل ابحثوا عن النبع الذي جفّ في أعماقه وعن الرغيف الذي افتقده قلبه وعن الضوء الذي انطفأ في نافذته. فربما كان الشر الذي ترونه ليس إلا خيراً جريحاً يئن تحت وطأة الجوع إلى الرحمة والعطش إلى المحبة والحنين إلى يدٍ تمتد نحوه قبل أن يسقط في هوة اليأس.
وهكذا مع اكتمال شروق الشمس فوق أسوار أوغاريت كانت أجراس الصمت تدق في القلوب وتهمس الرياح القادمة من البحر:
“إن الخير لا يموت في الإنسان بل قد يضيع أحياناً في صحارى الجوع والعطش حتى يأتي فجر جديد يدلّه على طريق العودة إلى ذاته.”

#عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم