مع خواتيم القرن التاسع عشر، شهدت البشرية انقلاباً معرفياً صاخبًا، أو ما يمكن أن نسميه اليوم “بالعصر الذهبي الثاني للطباعة”، إذ غادرت الكلمة المكتوبة صوامع الهدوء والحرفية اليدوية البطيئة لترتمي في أحضان الثورة الصناعية الهادرة. ففي تلك الحقبة الفاصلة، تحولت المطبعة “التي كانت في السابق أداة خشبية وقورة”، إلى وحش ميكانيكي يعمل بالبخار والكهرباء، معلناً ميلاد عصر “الطباعة الجماهيرية”. وقف العالم مذهولاً أمام اختراع المهاجر الألماني إلى أمريكا “أوتمار ميرجنتالر” لآلة “اللاينوتايب” (Linotype) عام 1886، تلك الأعجوبة الهندسية التي وصفها توماس إديسون بـ “ثامن عجائب الدنيا”، حيث مكنت عامل الطباعة من صب سطور كاملة من الرصاص المنصهر بلمسة زر، مختصرةً ساعات العمل اليدوي المضني في دقائق معدودة، وفاتحةً الباب لطوفان من الصحف والكتب رخيصة الثمن التي أغرقت الأسواق.
وبالتوازي مع ضجيج المكابس السريعة، برز تيار فني عاكس الاتجاه، قاده الفنان والشاعر الإنجليزي “ويليام موريس”. رأى موريس في الإنتاج الصناعي القبيح تهديداً لروح الفن، فأسس “مطبعة كيلمسكوت” (Kelmscott Press) في تسعينيات القرن التاسع عشر، بهدف إعادة “الروح” للكتاب. عاد موريس إلى جماليات العصور الوسطى، فصمم خطوطاً جديدة مستوحاة من المخطوطات القديمة، واستخدم أجود أنواع الورق والأحبار، وزين الصفحات بزخارف نباتية معقدة وحفر خشبي دقيق.
أثمرت جهوده عن تحفة “أعمال تشوسر”، التي اعتبرها النقاد أجمل كتاب طُبع في العصر الحديث، مرسخاً بذلك معياراً جديداً دمج بين التقنية واحترام الجماليات البصرية، وألهم حركة “الفنون والحرف” العالمية.
تضافرت السرعة الصناعية مع النهضة الجمالية لتخلق مشهداً ثقافياً غير مسبوق. فقد انتشرت المكتبات العامة في كل حي، وتأسست دور النشر العملاقة، وظهرت المجلات المصورة الملونة بفضل تطور تقنيات الليثوغرافيا (الطباعة الحجرية). أصبح الكتاب سلعة في متناول العامل والفلاح، وتطورت صناعة الحرف المطبوع لتفرز، في العقود اللاحقة، خطوطاً حديثة واضحة وجذابة للعين، ستصبح رموزاً للعصر مثل فوتورا وهيلفيتيكا.
شكلت هذه الحقبة الوعي العام للعالم الحديث، حيث انتقلت الأفكار والعلوم والروايات بسرعة البرق عبر الحدود، ما كسر الاحتكار الأرستقراطي للقراءة، ووضع حجر الأساس لمجتمع المعلومات الذي نعيش فيه اليوم.
# مجلة إيليت فوتو آرت


