انتعاش في حركة السينما العراقية . عبر تجارب رائدة ومختلفة.

هل تمحى الخطايا بليلة واحدة؟مرتضى عودة. تشهد السينما العراقية في السنوات الأخيرة حالة من الانتعاش مع ظهور العديد من التجارب التي استطاعت أن تجد طريقها إلى صالات العرض وتحظى باهتمام جماهيري ونقدي متفاوت، ويأتي فيلم «جريرة» للمخرج والمؤلف عمار الحمادي بوصفه إحدى هذه التجارب التي تحاول تقديم حكاية مشوقة وفي الوقت نفسه تطرح مجموعة من الأسئلة الأخلاقية والإنسانية. الفيلم من تأليف وإخراج عمار الحمادي وبطولة وسام ضياء، هيلين الوندي، مصطفى داخل، والطفلة رهف ياسر، إلى جانب ضيوف الشرف سنان العزاوي، آسيا كمال، يحيى إبراهيم، وذو الفقار خضر، فضلاً عن حضور عدد من الشخصيات بأدوار ثانوية. تدور أحداث الفيلم حول صالح الذي يؤدي دوره وسام ضياء والذي تنقلب حياته خلال ليلة واحدة عندما تخبره زوجته بأن ابنتهما لم تنم منذ أيام وأن ما يحدث لها مرتبط بالخطايا والذنوب التي ارتكبها صالح خلال حياته ولا يملك الأب سوى ساعات قليلة لإصلاح ما أفسده والبحث عن الأشخاص الذين أخطأ بحقهم وطلب مسامحتهم قبل طلوع الفجر وإلا ستكون حياة ابنته مهددة، من هنا يبدأ الفيلم في بناء رحلته الأساسية، رحلة رجل يطارد أخطاءه القديمة في سباق مع الزمن. ولعل أبرز ما يميز «جريرة» هو توظيف عامل الزمن، إذ يضع الحمادي شخصيته الرئيسية أمام مهلة محدودة لا تتجاوز بضع ساعات، الأمر الذي يخلق حالة مستمرة من التوتر والترقب فكل دقيقة تمر تجعل صالح أقرب إلى مواجهة عواقب ماضيه وفي الوقت ذاته تدفع المشاهد إلى التساؤل عما إذا كان الندم وحده كافياً لمحو الخطايا. كما أن البناء السردي يسير بصورة متناسقة مع طبيعة الحدث فكل محطة يمر بها صالح تكشف جانباً من ماضيه وتجعلنا نعيد النظر في الشخصية وفي حجم الذنب الذي تحمله، وهنا لا يصبح السؤال متعلقاً بمصير الطفلة فقط بل يتحول الفيلم إلى مواجهة بين الإنسان وماضيه. لكن الفيلم يفتح أبواباً لأسئلة أكبر من حكايته. هل يمكن فعلاً أن تُمحى الخطايا في ليلة واحدة؟ وهل تكفي التوبة المتأخرة لإصلاح ما أفسده الإنسان طوال سنوات؟ وهل يبقى باب الغفران مفتوحاً مهما تأخرنا؟ والأهم كيف يمكن للأبناء أن يحملوا نتائج أخطاء الآباء؟ أما على مستوى الأداء فقد كان وسام ضياء من أبرز عناصر الفيلم إذ استطاع أن يجسد حالة صالح بما تحمله من خوف وارتباك وندم وأن يواكب التصاعد النفسي للشخصية مع اقتراب الوقت من نهايته، وكان أداؤه أكثر تأثيراً كلما اقترب صالح من مواجهة ماضيه لأن الشخصية لا تخوض سباقاً مع الزمن فحسب بل تخوض صراعاً مع نفسها أيضاً، كما قدمت هيلين الوندي حضوراً جيداً وأسهمت في خلق حالة من الغموض والقلق التي ترافق الأحداث، بينما كان أداء الطفلة رهف ياسر لافتاً خصوصاً أن طبيعة الشخصية التي تؤديها ترتبط بشكل مباشر بجوهر الصراع في الفيلم، أما مصطفى داخل فقد كان حضوره منسجماً مع السياق العام للأحداث إلى جانب ضيوف الشرف الذين أضاف حضورهم ثقلاً للعمل دون أن يبدو ظهورهم منفصلاً عن البناء الدرامي، ويحسب للفيلم أيضاً قدرته على توظيف الشخصيات لخدمة الفكرة الأساسية فكل شخصية يلتقي بها صالح تبدو وكأنها جزء من رحلة مواجهته لماضيه وليس مجرد محطة عابرة في الأحداث. “جريرة” ليس فيلماً عن الخطيئة فقط بل عن الإنسان عندما يُجبر على مواجهة نفسه وماضيه في أقسى ظرف ممكن. وربما السؤال الأهم الذي يتركه الفيلم خلفه ليس هل يمكن أن تمحى الخطايا في ليلة واحدة؟ بل هل يحتاج الإنسان إلى ليلة كهذه حتى يدرك حجم ما اقترفه طوال حياته؟ يقدم الحمادي تجربة عراقية تستحق التوقف عندها ليس فقط لما تحمله من تشويق وإنما لما تطرحه من أسئلة حول الذنب، التوبة، الغفران، وعلاقة الإنسان بأخطائه. وفي النهاية يبقى السؤال الذي يرافق المشاهد بعد انتهاء الفيلم، إذا كان أمامك ليلة واحدة فقط لتصلح كل أخطائك… فمن ستذهب إليه أولاً؟

#سينما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم