الذات المنحرفة: حين تصبح هويتك سجناً من الأرقام
في زمنٍ صار فيه الإنسان يُقاس بعدد المتابعين، ويُختزل في مؤشرات الأداء، وتُصاغ هويته وفقاً لخوارزميات لا ترى ولا تسمع ولا تشعر، يبرز سؤال ملحّ: من نحن حقاً؟ وهل ما نعرفه عن أنفسنا هو ذواتنا الحقيقية، أم مجرد نسخة مُعاد تشكيلها لتلائم توقعات الآخرين وقوالب رقمية لا تنتهي؟
هذا السؤال يقودنا إلى مفهوم بالغ الدقة والخطورة: “الذات المنحرفة” (The Drifted Self). إنها ليست الذات المنحرفة بمعنى الانحراف الأخلاقي أو الجنسي الذي درجت عليه أدبيات علم النفس التقليدي، بل هي ذاتٌ انحرفت عن مسارها الطبيعي، وانجرفت تدريجياً بعيداً عن تجربتها المعيشية الحية، لتصبح هويةً مشيَّدة حول تمثيلات وتوقعات ومقاييس ومنظومات تغذية راجعة لم تعد تعكس ما يعيشه الإنسان فعلاً. إنها ذاتٌ تفصل بين التجربة والوصف، بين ما نشعر به وما يُقال لنا إننا نشعر به، حتى يصبح هذا الفصل هو الحالة الطبيعية، والاغتراب هو الوطن.
… حين تُقاس النفس بالأرقام
لفهم جذور هذه الظاهرة، لا بد من الوقوف عند نقطة تحوّل جوهرية: تحوّل الإنسان إلى مشروع قابل للقياس والتحسين المستمر. ظهر مفهوم “الذات الكمّية” (Quantified Self) عام 2007 على يد كيفن كيلي وغاري وولف، لوصف سلوكيات استخدام التقنيات الرقمية كالتطبيقات والأجهزة القابلة للارتداء لتوليد معلومات شخصية مفصّلة عن الذات. ما بدأ كأداة لتحسين الصحة والوعي الذاتي، سرعان ما تحوّل إلى تقنية للسلطة وللذات معاً، إذ أصبحت الأرقام ليست مجرد انعكاس للحياة، بل هي التي تُنتج الحياة نفسها.
هنا يكمن الخطر الأول: عندما يتحوّل التتبع الذاتي من وسيلة إلى غاية، ومن معرفة إلى هوية. لم يعد الفرد يقول “أنا أمشي عشر آلاف خطوة يومياً”، بل صار يقول “أنا شخص يمشي عشر آلاف خطوة”. تحوّلت الأفعال إلى صفات، والصفات إلى هوية، والهوية إلى سجن من البيانات. والأخطر من ذلك أن هذه البيانات لا تُقرأ في فراغ، بل تُقارَن باستمرار ببيانات الآخرين.
… مرآة مشوَّهة : المقارنة الاجتماعية والخوارزميات
تقول نظرية المقارنة الاجتماعية، التي طرحها ليون فيستنغر عام 1954، إن البشر يتعلمون عن أنفسهم من خلال مقارنة أنفسهم بالآخرين. لكن ما الذي يحدث عندما يكون هؤلاء “الآخرون” مُنتقين ومُفلترين ومُختارين خوارزمياً؟ تشرح الباحثة شونّا ليترِك كيف أن التغذية الراجعة المتكررة لصور ومحتوى مثالي تُطبيع معايير ضيقة للجمال والنجاح، مما يؤدي إلى استدماج هذه المعايير والشعور بعدم الرضا وانخفاض تقدير الذات. عندما تتكرر معايير بعينها، يتحول الغائب إلى حاضر، والمُهمَّش إلى غير موجود، ويصبح الإنسان الذي لا يرى نفسه في هذه المعايير مقتنعاً بأنه “ليس كافياً”.
لكن الأمر لا يتوقف عند الجمال. إنه يتعلق بالهوية كلها. تتحدث ألسندرا ليما عن “المعرّف الإسقاطي المُتوسَّط خوارزمياً” (AMPI)، حيث تعمل الخوارزمية كوسيط تُسقَط فيه القلق الجماعي والهويات والأعراض، ثم يُعيد المراهق دمجها كتعريفات ذاتية. عندما يتفاعل المراهق مع محتوى معين، تُسرِّع الخوارزمية توصيل محتوى مشابه، مما يخلق حلقة تغذية راجعة تُضخِّم التعرض لأعراض أو هويات محددة، وتوفّر قوالب وسيناريوهات للتعريف الشخصي. قد تخدم هذه التشخيصات الذاتية اقتصاد الفرد النفسي بمنحها تماسكاً للفوضى الداخلية، لكن ذلك يكون على حساب تجنّب ترميز الألم النفسي.
هنا يصبح التشخيص نفسه هو النهاية، وليس نقطة الانطلاق. يقول ليما إن “الفضاء الانتقالي” الذي كان يتيح التجريب غير الملتزم، والارتياح، والاستكشاف اللعوب للذات، أصبح “فضاءً محتلاً”. وفي هذا الفضاء المحتل، يُستدعى المراهق إلى هوية معروفة ومُعترف بها، مثل “أنا مصاب بالتوحد” أو “لدي اضطراب نقص الانتباه”. وهكذا تتحول التسمية التشخيصية من نقطة انطلاق للاستكشاف إلى نقطة توقف، ومن سؤال إلى جواب نهائي.
… الذات المؤدَّاة : نحن جميعاً على خشبة مسرح
في عام 1959، طرح عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان نظريته الدرامية للهوية، حيث رأى أن الحياة الاجتماعية سلسلة من العروض التي يُسقط فيها الناس هوياتهم على الآخرين. وذهب غوفمان إلى أبعد من ذلك، إذ أنكر وجود ذات جوهرية خلف المؤدي، ورأى الذات كـ”كيان يتخذ موقفاً” من التحالفات المتغيرة، يتكيف استراتيجياً مع مختلف الأحداث التواصلية. بالنسبة لغوفمان، الذات المؤدَّاة ليست شيئاً عضوياً له موقع محدد ومصير محدد بالولادة والنضج والموت، بل هي نتاج الأداء نفسه.
في عصر المنصات الرقمية، لم تعد هذه الفكرة نظرية مجردة، بل أصبحت واقعاً معيشاً. تشرح ليترِك كيف أن ما يبدأ كتعبير عن الذات يتحول بهدوء إلى تقديم للذات، مُشكَّلاً وفقاً لما نعتقد أنه سيُقبل أو يُعجب به الآخرون. ضغط الظهور بمظهر معين يبدأ في التحول من اختيار إلى قاعدة، وقد لا نتردد في تنعيم البشرة أو تفتيح العيون أو قصّ العيوب، لكن هذه التعديلات، رغم صغرها، تنقل رسالة قوية: هذا الإصدار مني أكثر قبولاً من الإصدار الحقيقي. وهكذا تتحول الذات إلى أداء دائم، والأداء إلى هوية، والهوية إلى قناع لا يعرف صاحبه كيف يخلعه.
… فجوة التنافر : بين الذات الفعلية والذات المثالية
لماذا يسبب هذا الانفصال بين التجربة والوصف ألماً نفسياً؟ الجواب يأتي من نظرية التنافر الذاتي (Self-Discrepancy Theory) التي طرحها إي. توري هيغينز عام 1987. تنص هذه النظرية على أن أنواعاً مختلفة من التنافر بين تمثيلات حالات الذات ترتبط بأنواع مختلفة من الاستعدادات العاطفية. وعلى وجه التحديد، فإن التنافر بين الذات الفعلية والذات المثالية يتنبأ بالاكتئاب والوهن، بينما التنافر بين الذات الفعلية والذات الواجبة يتنبأ بالتهيّج والقلق.
تشرح ليترِك هذه الآلية بعمق: عندما تكون هناك فجوة بين من نحن ومن نريد أن نكون، وعندما تتضخم هذه الفجوة بفعل المقارنات الخوارزمية المستمرة، يستقر عدم الرضا في أعماق النفس. لكن المشكلة الأعمق هي أن “الذات المثالية” نفسها لم تعد منتَجاً داخلياً خالصاً، بل صارت مشروعاً جماعياً تصوغه الخوارزميات والإعلانات والمؤثرون. نحن لا نطارد صورة أنفسنا الأفضل، بل نطارد صورة أصبحت “الأفضل” وفقاً لمنطق الكمّ والنقر والمشاهدة. وهذا يعني أن الفجوة بين الفعلي والمثالي ليست مجرد فجوة نفسية، بل هي فجوة وجودية: الذات المنحرفة تسعى إلى هدف لم تختاره بنفسها.
الاغتراب عن الذات: من ماركس إلى الطب النفسي المعاصر
مفهوم “اغتراب الذات” ليس جديداً. صاغه كارل ماركس في نظريته عن الاغتراب، حيث رأى أن العامل يشعر بالانفصال عن الناس والأشياء من حوله، وأن اغتراب الذات يتحقق عندما تصبح فعل الإنسان قوة غريبة ضده تُخضعه بدلاً من أن يسيطر عليها. كما ميّز إريك فروم بين الذات الأصلية والذات الزائفة، على أساس أن الذات الأصلية ترادف الذات غير المغتربة التي حققت وجودها الإنساني المتكامل، فصاحبها مفكر قادر على الحب والإبداع.
لكن ما يحدث اليوم يتجاوز الاغتراب الماركسي الكلاسيكي. لم يعد الاغتراب عن الذات نتيجة مباشرة للعلاقات الإنتاجية فحسب، بل أصبح ناتجاً عن عملية “برمجة” للذات نفسها. يتحدث الباحثون عن “الإسناد المفوَّض للشخصية” (Delegated Personhood)، حيث لم تعد تجربة كون المرء ذاتاً تُؤَلَّف حصرياً من الداخل، بل تُشارَك عبر نظام موزّع من الوكلاء البشر والخوارزميين. الخوارزميات لا تعرض أداءات الهوية فحسب، بل ترتّبها وتفلترها وتتنبأ بها، وبالتالي تشارك في التعريف الذاتي.
في الحالات الإكلينيكية، يظهر هذا الاغتراب بشكل مؤلم. تحكي دراسة حالة “كاثارينا”، الشابة التي أُدخلت إلى مستشفى نفسي، كيف كان عملها النفسي يتسم بخبرة محو الذات والاعتماد على “أطراف صناعية رقمية” طُوِّرت لضمان شكل من الاستمرارية النرجسية. هذه الأطراف، بينما تساعد في تنظيم الاقتصاد النفسي، تعزز آليات الانقسام والانفصال، وتؤدي إلى تفويض بعض الوظائف النفسية – وخاصة التفكّرية – إلى البيئة التكنولوجية. هذا التجسيد الخارجي، رغم أنه يوفر وهماً بالسيطرة والاستمرارية، يُضعف عملية الذاتنة بمنع التطور الناضج والمستقل لوظائف الترميز.
الطب النفسي: من “الذات المشظّاة” إلى “الذات المنحرفة”
في أدبيات الطب النفسي، لا يُستخدم مصطلح “الذات المنحرفة” (The Drifted Self) كمصطلح تشخيصي رسمي، لكن ما يصفه هذا المفهوم يتقاطع بعمق مع ما يُعرف بـ”اضطرابات الذات” (Self-Disorders) أو “تجارب الذات الشاذة” (Anomalous Self-Experiences). تشير مراجعة منهجية نُشرت في مجلة لانسيت للطب النفسي إلى أن اضطرابات الذات تتركز بشكل مفرط في اضطرابات طيف الفصام، وليس في الاضطرابات النفسية الأخرى. تتضمن هذه الاضطرابات شكاوى من تغيرات عميقة ومقلقة في تجربة الذات، مثل فشل الإحساس بالحضور الذاتي، والشعور بعدم الوجود الحقيقي في العالم، والاغتراب الجسدي عن الذات، ونفاذية حدود الأنا.
هذه التجارب تتنبأ بالتطور اللاحق لاضطرابات طيف الفصام، وترتبط بأبعاد علم النفس المرضي التقليدية للفصام، والضعف في الأداء الاجتماعي، والميل الانتحاري. لكن ما يميز “الذات المنحرفة” كما نعالجها هنا هو أنها ليست بالضرورة حالة مرضية بالمعنى الإكلينيكي الصارم. إنها قد تكون حالة وجودية تصيب الإنسان المعاصر في صميم تجربته الذاتية، بفعل تراكمي من التتبع الذاتي والمقارنة الاجتماعية والأداء الهوياتي والتغذية الراجعة الخوارزمية والروايات الموروثة والانفصال المطوَّل بين التجربة والوصف.
في هذا السياق، يتحدث علماء النفس المعاصرون عن “الأنا الرقمي” (Digital Superego)، وهو استدماج للضرورات الخوارزمية للتحسين والظهور، يعمل كوكالة اضطهادية تطالب بالمراقبة الذاتية والأداء المستمر. هذا الأنا الرقمي لا يقول “يجب أن تكون جيداً”، بل يقول “يجب أن تكون مرئياً، مُحسَّناً، قابلاً للقياس، مُعجباً به”. إنه لا يطلب الفضيلة، بل يطلب الأداء. ومن لا يستطيع الأداء، لا يستحق الوجود.
الذات السائلة والهوية السردية: أين يذهب “أنا”؟
يصف عالم الاجتماع زيجمونت باومان الحداثة المعاصرة بـ”السائلة”، حيث تتحلل الروابط والمرجعيات الصلبة التي كانت تحدد الأطر والقيم. يبرز “الإنسان السائل” منسلخاً من كل المرجعيات الثابتة، وقد أدخله طغيان التقنية إلى “الكوخ الإلكتروني الرقمي السائل”، مما انعكس سلباً على سيكولوجيته وغيّر من طبيعة تفكيره تجاه نفسه والعالم من حوله. يقول باومان إن “الحياة السائلة حلقة متواصلة من مراقبة الذات، ونقد الذات، وتوبيخ الذات، إنما تتغذى على سخط النفس على حالها”.
في مقابل هذه السيولة، يقدّم دان ماك آدامز مفهوم “الهوية السردية” (Narrative Identity)، حيث يعرّف الإنسان نفسه عبر قصة داخلية متطورة تربط الماضي المُعاد بناؤه بالمستقبل المتخيل، لتوفير بعض الوحدة والغرض للحياة. الهوية السردية هي نتاج نفسي-اجتماعي مشترك بين الفرد والمجتمع. تكمن أهمية هذا المفهوم في أنه يقدّم بديلاً عن الهوية كمجموعة من الصفات أو المقاييس أو التمثيلات. الذات السردية ليست رقماً، وليست صورة، وليست أداءً. إنها حكاية تُروى، وتُعاد روايتها، وتتحول مع الزمن، دون أن تفقد خيطها الرابط.
الذات المنحرفة، في هذا الضوء، هي ذات فقدت سرديتها. أو بالأحرى، ذات استُبدلت سرديتها بسرديات أخرى: سردية الخوارزمية، وسردية المنصة، وسردية المؤشرات، وسردية التشخيص الجاهز. لم تعد تروي حياتها، بل تُروى لها. ولم تعد تؤلف معنى وجودها، بل يُؤلف لها معنى جاهز قابل للقياس والمقارنة والاستهلاك.
… نحو استعادة الذات: هل من مخرج ؟؟؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يمكن للذات المنحرفة أن تعود؟ هل يمكن إعادة ربط التجربة بالوصف، والشعور بالكلمة، والحياة بالسرد؟
تشير الدراسات إلى أن بعض التدخلات قد تساعد. يتحدث الباحثون عن أهمية استعادة “الفضاء الانتقالي” – لا كمساحة رقمية محتلة، بل كمجال إبداعي مشترك حيث يمكن للذات أن تُستكشف دون ضغط التعريف المسبق. كما يشير العمل النفسي مع حالات مشابهة إلى ضرورة إيلاء اهتمام مستمر للديناميات التحويلية التي تتسم بخبرة الفراغ والمحو، مع التركيز على إعادة تنشيط قدرات الترميز، في مقابل الاستخدام المُشيِّئ والمُغترِب للأطراف الصناعية النفسية.
لكن المخرج الأعمق قد يكون في العودة إلى السرد. إلى الحكاية التي لا تُقاس بالأرقام، ولا تُختزل في مقاييس، ولا تُصفَّق عليها قلوب. الحكاية التي تبدأ بـ”كان يا ما كان”، لا بـ”حالتي: 87% إيجابية”. الحكاية التي تسمح للتناقض، وللتردد، وللخطأ، وللتحول. الحكاية التي يكون فيها الإنسان كائناً يُروى، لا كائناً يُحسب.
في النهاية، الذات المنحرفة ليست مرضاً يُشخَّص، بل حالة وجودية تُعاش. إنها تحذير من أن نُسلّم هويتنا لمن لا يعرفنا، وأن نُصدّق أوصافاً لم نعشها، وأن نُقايض تجربتنا الحية بتمثيلات مريحة لكنها زائفة. إنها دعوة إلى العودة إلى ما هو إنساني فينا: الهشاشة، والغموض، والرغبة في المعنى. دعوة إلى أن نتذكر أننا لسنا ما تقوله عنا الأرقام، ولا ما تعرضه عنا الشاشات، ولا ما تتوقعه منا الخوارزميات. نحن ما نعيشه، وما نرويه، وما نختاره بحرية. حتى لو كان هذا الاختيار هو أن نكون، ببساطة، غير مكتملين … RAMI
#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت.


