قصائد بعد غزة”: استلهام التاريخ الفلسطيني
سناء درغموني
تشكل مجموعة “قصائد بعد غزة” القسم الأول من ديوان المترجم والباحث الإيطالي سيموني سيبيليو، بعنوان “البوصلة هي علمنا”، والصادر عن دار النشر الإيطالية دي فيليتشي عام 2021. ورغم أن النصوص التي تتناول غزة نُشرت لاحقًا، في عام 2024، فإنها تنسجم بسلاسة مع مشروع شعري أوسع يُركّز على موضوعَي الهجرة والهوية. يمثّل هذا القسم تجسيدًا شعريًا لكارثة مستمرة، حيث تتداخل فيه الأصوات والرموز والإحالات النصيّة، ليصوغ الشاعر خطابًا مركبًا يستلهم التاريخ الفلسطيني ويعيد مساءلته في ضوء الإبادة الجارية في غزة، خصوصًا بعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.سؤال الشعر بعد الكارثةيعيد سيبيليو طرح السؤال الشهير الذي أثاره ثيودور أدورنو: هل يمكن كتابة الشعر بعد أوشفيتز؟ لكن بصيغة فلسطينية راهنة:”هل من الوحشية أيضًا كتابة الشعر بعد غزة؟”.هذا التساؤل لا يُطرح كموقف نظري فحسب، بل يتحول إلى دعامة جمالية وأخلاقية للنص، حيث يغدو الشعر مساحة للنجاة، ومحاولة لفهم ما لا يُفهم، والتعبير عمّا لا يُقال، ردًّا على عملية محوٍ منهجي للوجود الفلسطيني، لا في الجغرافيا فقط، بل في اللغة، والصورة، والذاكرة أيضًا.البنية الشعريةتقوم قصائد هذا القسم على تعددية الأصوات، حيث تتداخل فيها أصوات شعراء غزة، مثل مصعب أبو توهة وآخرين، إلى جانب أصوات شعراء فلسطينيين بارزين، وعلى رأسهم محمود درويش، الذي يُستحضر بشكل مباشر من خلال اقتباس بيته الشهير “ونحن نحب الحياة”. كما تتضمن النصوص إشارات وإيحاءات إلى أسماء لامعة أخرى، مثل سميح القاسم، وغسان زقطان، ونجوان درويش، مما يعكس اتساع الأفق الثقافي الذي تتحرك ضمنه هذه الكتابات، وانفتاحها على ميراث شعري متعدد الروافد.تُظهر النصوص تشابكًا غنيًا بين الواقعي والمتخيَّل، وبين الذاتي والجمعي، وتُبنى وفق منطق الإحالة والتناص، سواء عبر الاستحضار المباشر أو إعادة الكتابة. من أبرز الرموز التي تتكرر:ـ المفتاح، الذي تحوّل من أداة إلى أيقونة تجسّد حق العودة،ـ شجرة الصفصاف، دلالة على التجذر في المكان،ـ الحصان، الذي يغدو رمزًا للهوية والذاكرة، وحارسًا للبيت عند غياب سكانه.وكلها عناصر تشكّل جهازًا رمزيًا فلسطينيًا متجذرًا في تقاليد الشعر المقاوم منذ النكبة.صوت النساء وصوت الغائبين الحاضرينتبرز القصائد المهداة إلى الشاعرة فاتنة الغرّة بوصفها محورًا عاطفيًا وإنسانيًا في المجموعة، إذ تشكّل فضاءً تعبيريًا يتقاطع فيه الشخصي بالوطني، والعاطفي بالجمعي.فاتنة، ابنة غزة المقيمة في بلجيكا، عادت إلى القطاع لزيارة عائلتها بعد غياب طويل، فوجدت نفسها شاهدة مباشرة على المذبحة الجارية. وفي الحديث إليها، يمنح سيبيليو صوتًا للمرأة الفلسطينية بوصفها شاهدة وفاعلة، لا مجرد ضحية. ويتجلى ذلك في مقطع شعري لا تنفصل فيه اللغة الشعرية عن بُعدها الرمزي، بل تتجلى كإعادة تشكيل للذاكرة، حيث لا تُصوَّر المرأة كموضوع شعري فحسب، بل كمولِّدة للمعنى والرمز:تعيدينني إلى اليوم الذي التقيتُ فيهامرأة اللوز والعنب،امرأة النعناع والقهوة المُرتشفة فوق غيمة،بينما كنتِ تقلّبين صفحات “رق النوم”(إلى فاتنة، إلى نسائها)…مؤثرةٌ أيضًا هي القصيدة التي يحاول فيها سيبيليو إعادة كتابة النص الشهير لرفعت العرعير “إذا كان لا بد أن أموت”، موجّهًا سؤاله إلى شاعر إيطالي.في هذا الفعل الكتابي يتجلّى المعنى العميق للشعر بوصفه مقاومة ونداءً للذاكرة، وحاجةً إلى نقل الكلمة وتوريثها، لأن:الشيوخ سيموتون حتمًالكن الشباب لن ينسوا(لن ينسوا) – (*)في الختام، تشكل “قصائد بعد غزة” أكثر من مجرد استجابة شعرية للألم. إنها موقف جمالي وأخلاقي ضد النسيان، وتجسيد لفكرة أن اللغة قادرة على البقاء حتى حين يعجز الجسد. وفي تقاطع الصوت الفلسطيني مع الصوت الإيطالي، لا يتحدث سيبيليو نيابة عن غزة، بل معها، في حوار إنساني مفتوح لا يطمح إلى التمثيل، بل إلى الإنصات والتضامن.هامش:(*) إشارة إلى مقولة منسوبة لدافيد بن غوريون، مؤسّس إسرائيل الأول..ـصحيفة العرب – موقع (اليوم السابع)- موقع موزاييك – دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)- جريدة الدستور- موقع العربي الجديد – موقع : – الجزيرة .نت – سكاي نيوز عربية – أبوظبي- موقع سبق- اليوم السابع- الإمارات اليوم- العربية .نت – الرياض-صحيفة الثورة السورية- موقع المصرى اليوم – موقع عكاظ- مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا- مجلة فن التصوير- إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net


