سوزان خواتمي: النص بين رؤية الكاتب وسلطة القارئ
شاهدت مؤخرًا فيلم الخيال العلمي الكوري “الطوفان العظيم” والذي يصور كارثة فيضان هائل يحاصر مجموعة من الناس في أبراج سكنية، ويضعهم أمام صراع قاس من أجل البقاء. رغم الإبهار البصري والمؤثرات المتقدمة التي تشد الأنظار، فإن ما أثار اهتمامي حقًا كان النقاش الذي تلا العرض؛ بين من رأى في الفيلم دلائل رمزية لانهيار القيم الإنسانية، ومن اعتبره إنذارًا بانتهاء كوكب الأرض، بينما وجد فيه آخرون تجربة نفسية وبصرية تكشف الصراع الأزلي للإنسان من أجل النجاة.
تلك الرؤى المتعددة لا تتعلق بالفيلم نفسه، بل باختلاف تفسيرنا لرسالته الضمنية، وكما هو الحال في السينما التي تُضاعف إمكانات التأويل عبر الصورة، فإن الأدب يفتح فضاءه عبر اللغة والرمز، وكلاهما يفتحان فضاء التأويل أمام قراء ينتجون المعنى وفق خبراتهم ورؤاهم.
راوٍ متمكن أم قارئ حصيف؟
قبل ظهور المدارس الأدبية الحديثة، كانت النصوص الأدبية الكلاسيكية تُقرأ بوصفها سلطة مغلقة، يكون فيها المؤلف هو الشخص الوحيد المخوّل بتفسيرها، لكن مع تطور النقد، ووفق ما طرحه رولان بارت، مات المؤلف وتسلّط القارئ، ليصبح شريكًا في صناعة المعنى، ولتصبح القراءة بحد ذاتها فعلًا إبداعيًا موازيًا للكتابة. هذا الجدل يفتح أيضًا بعدًا فلسفيًا حول الحقيقة في النص: هل يملكها المؤلف وحده أم تتعدد بتعدد القراءات؟
هذا التعدد لا ينبع فقط من خلفيات ثقافية أو سياقات نقدية، بل يتأثر أيضًا بالبعد النفسي، حيث يُسقط القارئ مخاوفه أو رغباته على النص، فيحوّله إلى مرآة لذاته بقدر ما هو عمل إبداعي مستقل.
ومع دخولنا العصر الرقمي، لم يعد هذا التحول مجرد فكرة نقدية، بل أصبح ممارسة يومية يشارك فيها القراء بشكل مباشر، وتعتبر التجربة الأخيرة للروائي المغربي عبد الواحد أستيتو مثالًا على تدخل القراء في صناعة النصوص، حيث أطلق أستيتو روايته التفاعلية “الحقيبة” مستهدفًا شريحة الشبان واليافعين، متيحاً لهم متابعة العمل والمساهمة في رسم الشخصيات من خلال اقتراحات يضعونها في التعليقات.
تلك التجربة تكشف الوجه الإيجابي لسلطة القارئ بعد أن تحولت إلى مشاركة خلاقة في صناعة النصوص. غير أن هذه السلطة قد تنقلب أحيانًا لتصبح أداة ضغط أو إدانة، كما حدث مع رواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” التي واجهت قراءات دينية متشددة حمّلتها دلالات لم يقصدها الكاتب، فحوّلتها إلى نص مدان وأشعلت جدلًا واسعًا انتقل من أروقة النقاد إلى الجمهور العام، حتى بلغ حد محاولة اغتيال محفوظ عام 1994. هنا بدا النص وكأنه ساحة صراع بين حرية الإبداع وسلطة التأويل الديني.
صوت المؤلف وحماية النص
لا يمكن إغفال حاجة المؤلف إلى قدر من السلطة يحمي بها نصه؛ فهو من يصوغ هيكله ويختار مفرداته ويحدد مستوى رمزيته. ورغم ذلك يبقى النص فضاءً مفتوحًا لتفاعل خفي بين سلطة الكاتب وحرية القارئ، وبين قصد المؤلف وتأويل المتلقي. بعض الكتّاب يرحبون بهذا التعدد ويعتبرونه دليلًا على حيوية النص، فيما يعارض آخرون توظيف أعمالهم في سياقات بعيدة عن غاياتهم الأصلية. وهذا ما حدث مع رواية “تفصيل ثانوي” للكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، التي أثارت جدلًا واسعًا واتُّهمت بمعاداة السامية، رغم أن موضوعها يستند إلى حادثة تاريخية موثقة وقعت عام 1949 تناولتها الصحافة الإسرائيلية، بل وحوكم الجنود المتورطون فيها. ومع ذلك، قرأها بعض النقاد باعتبارها إدانة سياسية مباشرة، في حين أوضحت شبلي أن عملها نص أدبي يطرح أسئلة عن العنف والذاكرة أكثر مما يقدم خطابًا سياسيًا. هنا لم يكن الخلاف حول قصد ديني، بل حول حدود الأدب في مواجهة السياسة والذاكرة الجماعية.
الأدب والجدل السوري
كذلك تشهد الساحة الثقافية السورية بعد سقوط النظام جدالات متشابهة بشأن تقييم الأعمال الأدبية والحكم عليها بعيدًا عن سويتها الإبداعية، فكثير من الكتب التي صدرت في زمن الأسد تُحاكم اليوم لا بما تحمله من جماليات أو ابتكارات فنية، بل بما يُنسب إلى مؤلفيها من انتماء سياسي أو تقرب من السلطة السابقة، لتتحول التأويلات إلى نوع من المحاكمة الأخلاقية أو السياسية، حيث يُنظر إلى النصوص بوصفها امتدادًا لمواقف أصحابها أكثر من كونها إبداعًا مستقلًا بذاته.
هذا التوتر يبدو أكثر وضوحًا في وسائل التواصل الاجتماعي التي منحت الجمهور سلطة جديدة على النصوص، فأصبح بإمكان القراء أن يرفعوا كتابًا إلى مرتبة الأيقونة أو أن يسقطوه إلى مرتبة الإدانة بمجرد ربطه بسياق سياسي محدد، الأمر الذي يعكس الصراع بين الرغبة في الإبداع الحر وبين محاولات تقييد المعنى أو توجيهه، وبين النظر إلى الأدب كفن مستقل أو كوثيقة سياسية تُستخدم في تصفية الحسابات، كما أن البعد الاجتماعي يضاعف أثر القراءة حين تتحول إلى فعل جماعي عبر وسائل التواصل، فتغدو النصوص جزءًا من النقاش العام لا مجرد تجربة فردية.
الإبداع حوار متجدد
رغم كل ما سبق، تبقى القيمة الإبداعية للنص الموضوع الأكثر إثارة للجدل، حتى بعد أن يُطوى الكتاب أو يُسدل الستار على الفيلم بكلمة النهاية. وبهذا المعنى يغدو النص الإبداعي كائنًا حيًا حين يتجاوز حدود لحظة كتابته، ويظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية لا باعتباره مخزنًا للإجابات الجاهزة، بل منبعًا للأسئلة التي تتجدد مع كل قراءة وتأويل، بحيث يصبح المعنى رحلة مشتركة بين الكاتب والمتلقي، وبين النص وزمنه، وبين الثقافة التي أنتجته والقراءات التي تعيد صياغته.
*مجلة أوراق/ 26
****&****
– المصادر:
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية


